قصة "شاحنة الحليب القادمة في غير موعدها".. قصص حزينة

لا أحد يعلم متى تصل شاحنة الحليب إلى الحي، فهي ليست منضبطة في مواعيدها دومًا، تأتي أحيانًا في الصباح الباكر ولا يلتحق بها إلا الكهول المتقاعدون، أحيانًا تتأخر حتى العاشرة، وفي بعض المرات تخلف موعدها كله، لكنها حين تأتي فهي دوما حدث صاخب ومثير لشعور غامض بفوات شيء ما.

يتفرع طابور الحليب في الحي بدءًا من "البراكة" إلى صفين: واحدٌ مخصص للرجال وآخر للنساء، يمتد الأول نحو اليمين ويكون عادة الأطول، في الوقت الذي يلتف الثاني نحو اليسار إلى جهة الجسر الذي يقطع الواد، ويشكل الصفين خطين منحنيين، يبدوان للرائي من بعيد كجناحي طائر غير متناظرين.

البراكة هي المصدر الأساسي لتمويل حَيِّنا بمادة الحليب، وهي بناء هش قديم تفوح منه الرطوبة ويوشك على التداعي، ولكن أزمة الحليب في السنوات الأخيرة جعلتها بالنسبة لنا معلمًا جغرافيًّا مهمًّا، وجعلت من صاحب البراكة شخصية بارزة وشهيرة تقترب من الكاريكاتير، الرجل الذي صار يشعر نحونا بإحساس متزايد بالفوقية والسيطرة وبأننا مدينين له بشيء ما.

أحيانًا يكون مزاجه عكرًا جدًا فيضيق ذرعا بنا، بصفوفنا المائلة، بسلعته الكاسدة، بالمواد التي تهدد بانتهاء الصلاحية... بحياته كلها، فينفجر عند أقل استفزاز أو تلكؤ منا، وحين تصيبه حالة السعار هذه يمكن لأي واحدٍ منا أن يكون ضحيته وهدفا للسانه اللاسع دون سبب واضح، لا يتحمل الناس الإهانات بالدرجة ذاتها فتنشب حينها الشجارات ويتدخل المارون، وينفرط عقد الطابور ويتداخل الصفان ويتضعضع البنيان كله متحولا إلى حشد عديم الشكل يلتف حول صاحب البراكة بغرض فض النزاع أو الفرجة.

كثيرًا ما ينسحب الناس كبرياء من هذا الطابور المذل ويبحثون عن مصدر آخر للشراء حتى وإن اضطرهم ذلك لقطع مسافات طويلة، أما البقية الذين يصمدون فلا يهتمون بصاحب البراكة، ويركزون على الهدف فحسب، يحاولون جهدهم أن يكونوا سريعين في عملية الاستلام ثم ينجون بأنفسهم بعيدًا.

وفي "البراكة" يبيعون كل شيء تقريبًا بما في ذلك المواد الغذائية، مواد التنظيف، السجائر، الأقلام، وحتى بعض مواد التجميل، إلا أن المكان لم يعنِ لنا نحن السكان شيئًا عدا الحليب، لقد حصل للبرّاكة ما يحصل عادة لبعض الألفاظ في اللغة، أقصد ذلك الشيء الذي يجعل من المعاني الكثيرة التي تدل عليها الكلمة تنحسر وتتوارى أمام طغيان وقوة معنى وحيد يسيطر على بقية الدلالات ويقصيها، ثم في الأخير يستولي وحده على الاسم (تتوارى البقية في الخلفية كامنة ومضمرة).

في "البراكة" يستحوذ الحليب على الكلمة ويسمها بوشمه الخاص: الحليب المدعم من طرف الدولة، المصنوع في بودواو، الخالي من الدسم، المنزوع عنه الزبدة جزئيا، الحليب المفرغ من الحليب حرفيا.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة