قصة "زهايمر".. قصص قصيرة

بوجه كئيب وذابل تعلوه نظرة الحيرة والشرود، مرَّت على رصيف مملوء بأوراق الأشجار المتناثرة هنا وهناك، أحنت رأسها محدقة في منظر هذه الأوراق الخريفية الصفراء، فارتسمت ابتسامة خافتة علت محياها الأنثوي الممتزج بنكهة الطفولة البريئة، أدركت حينئذ أنها لم تكن الأنثى الحزينة الوحيدة فوق هذا الكوكب الصغير، فحتى الطبيعة شاركتها مشاعرها، وتلونت مثلها تمامًا، بلون شاحب أصفر، يخفي وراء حجاب شفاف، أنين ألمه ومعاناته..

تأملت الأوراق التي تتحرَّك تارة وتقفز أخرى، اشتد الألم في داخلها، واستمرت في المشي بخطى متثاقلة في طريق بدت كما لو أنها ستعبره للمرة الأولى، تابعت طريقها واللهفة تعلو محياها الصغير، لقد كانت ترغب بإصرار في الوصول إلى حصتها الأولى لتحضر أول درس في "علم البلاغة"...

كم كانت الطريق شاقة وطويلة!

محفظة نقودها فارغة، هذا ما كان يشغل بالها في تلك اللحظات العصيبة. وضعت يدها في حقيبتها الصغيرة مرة أخرى، تتأكد من جديد، فقد تجد ورقة نقدية التصقت بمكان منعزل في المحفظة فلم تنتبه إليه.. تعيد محاولتها العاشرة باحثة منقبة وقد أصابها من العياء ما لا يستطيع إنسان تحمله، إرهاق نفسي يجثم على أنفاسها، يخنقها، ويشعرها بالألم. ولكن! عبثًا باءت محاولاتها المتكررة بالفشل، ولم تجد سوى الفراغ الذي يحيط بها من كل جانب، ويضغط على حلقها قويًّا، ليمنعها من التنفس، غصة مرّ مذاقها، وثقيل على القلب وطأته..

مشت طويلًا دون أن تتوقف، كل ما كان يشغل بالها في تلك اللحظة هو نهاية الطريق الملأى بالأشواك والضجيج والسواد المعتم.

كانت خطواتها ثابتة ومتثاقلة، لا تميل ولا تتعثر، طيلة موسم دراسي كامل، رغبت بشدة في الوصول إلى الجامعة وحضور حصصها المفضلة، روتين يومي من المشقة والعناء، يتكرر بالطريقة نفسها، يعيد الأحداث نفسها، الهواجس والأحاسيس نفسها..

كادت تنسى أنها أنثى سريع كسرها كالزجاج، بل كادت تفقد البراءة التي كانت تسطع إشراقًا وبريقًا تزهو بها وهي تقاوم بإصرار وعناد. لم يعد يُلمح في وجهها الشاحب إلا ما تبقى من أنفاس ضعيفة وملامح باهتة تكابد مكافحة من أجل البقاء.. كادت تنسى أنها امرأة.

 طموحها الذي ينمو في داخلها كان أكبر من جسدها النحيل، خُلق بذرة صغيرة زرعت في أعماقها وأخصبت، وبالأمل الذي يملأ روحها نما وترعرع وتفرع، شيئًا فشيئًا كان يكبر في داخلها كطفل صغير يتغذى على أحاسيسها وأفكارها..

لقد كانت تعرف أنها ستجتاز الحواجز كلها بقوة وثبات، وستقفز عاليًا فوق السحب بآمالها ورغباتها، وستحقق يومًا كل طموحاتها..

من دون شك أنها كانت تؤمن بوجود ذلك اليوم، الذي سوف تشرق فيه شمسها، وتسطع بأشعتها الذهبية..

تابعت طريقها في ثبات غير آبهة بمن يمر بمحاذاتها يسترق النظرات خلسة، أو يُحدث ضوضاء من سيارته التي تضج بأصواتها العبثية.. مخلوقات بشرية سخيفة، تتبع أهواءها وتستعبدها شهواتها الشيطانية.. نزوات لم تهتم لها، ولم تأبه بوجودها في غمرة الأفكار المتراكمة في ذاكرتها الضعيفة. لم تدر قطُّ أنها كانت تلبس رداء شختًا قديمًا..

وصلت عند منتصف الطريق وقد أدركها التعب والإرهاق، وكم كانت ترغب في العودة إلى المنزل والالتفاف بغطاء دافئ يقيها زمهرير رياح خريفية، لولا صدى صوت غريب استقر في أعماقها ودندن كلمات في أذنيها يحثها على المواصلة ومتابعة الطريق في ثبات، ورددت مناجية نفسها: نعم! سأواصل، ما دمت حية قادرة على المشي والحركة، سأواصل طريقي وحدي، ولن أهتم بما يقوله الآخرون عن كوني ضعيفة ووحيدة بلا سند أو مؤنس لوحشتي، سأغترف صفات من والدتي التي أرضعتني صبرًا وشجاعة وحكمة، وسأستقي ماء من بئر والدي الورع المتقي الذي لم يكل لسانه قط عن ترتيل آيات من القرآن الكريم، ولم يمل أبدًا من تقديم الوصايا إليَّ، تلك التي تمتلئ حكمة وموعظة، مأخوذة من أحاديث نبوية شريفة. أقتدي بها في حياتي، وأجعلها بساطًا من حرير لخطواتي..

ما هذا اليوم الكئيب الذي يغلف الدروب والأحياء والمرافق كلها؟ يوم كشبح ببذلته الصفراء الشاحبة، يتحرَّك في كل ركن من المدينة، حتى المارة وجوههم تعيسة وشاحبة، وأجسادهم نحيلة، والطريق طويلة لم تنتهِ بعد..

شعرت السيدة بالتعب والعياء الشديد، فجلست القرفصاء متكئة على حائط في زاوية مظلمة بالقرب من بيت قديم متآكل الجدران، فتقدَّم إليها رجل غريب عنها يسألها إن كانت ترغب في أن يمد إليها يد المساعدة، فأجابته بالرفض، وأخبرته بثقة أنها سوف تعود فورًا إلى منزلها، وهي تعرف طريقها جيدًا، وتحت إلحاح شديد من الرجل الذي رفض تركها مفردة هناك، قامت فورًا من مكانها، والتفتت يمينًا ويسارًا. 

نظرت إلى الرجل الغريب بعينين مثقلتين همًّا وألمًا، لتخبره، أن الطرق قد تشابهت عليها، وهي لا تتذكر أي اتجاه تسلكه. أدرك حينها الرجل الغريب أن هذه السيدة العجوز التي تناهز السبعين من عمرها قد نسيت طريق العودة، فوقف حائرًا لا يعرف كيف يتصرَّف، وما هي إلا بضع دقائق معدودات حتى تقدَّم إلى السيدة شاب في مقتبل العمر، انحنى بأدب ولباقة إلى يدي السيدة فَقبَّلها، وضَمَّها إلى صدره، ونظر إليها في حنان وحب مخاطبًا إياها: أستاذتي الغالية! ألا تتذكرينني؟ لقد كنت تلميذًا لديكِ قبل عشرين عامًا، وكم كنت أستاذة ومربية عظيمة!

نظرت إليه بصفيحة وجهها المشرق وقد افتر ثغرها له بابتسامة، قضت بها على كل آثار للألم والمعاناة التي رافقت دربها، تلك التي تختزنها ذاكرتها منذ وقت بعيد. نظرت إليه نظرة حب وامتنان، ثم عادت إلى مكانها من جديد، لتجلس القرفصاء وتتذكر..

أستاذة اللغة العربية ومصممة ديكور ، معجبة بالعمارة الإسلامية على وجه الخصوص والحضارة الإسلامية عموما، وفخورة بلغتي العربية..

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

نوفمبر 10, 2023, 2:08 ص

قصة جد رائعة.

أضف ردا
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

مقالات ذات صلة
نبذة عن الكاتب

أستاذة اللغة العربية ومصممة ديكور ، معجبة بالعمارة الإسلامية على وجه الخصوص والحضارة الإسلامية عموما، وفخورة بلغتي العربية..