قصة "رحلة رجل ما".. قصة قصيرة

كان يتحرك بصعوبة، كأنه يعبر ساحلًا من الألم، والأغلال تقيد قدميه كسلاسل ممدودة لتمنعه من الطيران نحو أحلامه.. ينظر أمامه، وكأنه يحاول اختراق حاجز الغيوم ليصل إلى بريق الأمل، وينظر خلفه ليجد حشدًا من البشر يتحدون الظروف، كأنهم جيشٌ من الأمل الذي لا يقهر.

يلهب رجال السلطة ظهورهم من ضربات السياط، كأنها نيران تلتهم جراحهم وتحرق صمودهم، وينهال عليهم سيل من الشتائم ينهمر كالمطر، يعصف بأذواق كلماته ويرسم ألوان الثورة.

"هيا إلى الحفر يا فلاحي مصر، نفذوا أوامر جناب الخديوي سعيد، قناة السويس تحمل الخير لمصر يا حمقى".

الوصول

ومع آخر أضواء الغروب يصلون للقناة، تتلاشى وتتفتح اللوحة الجمالية وراء الظلام، ويظهر القمر بنوره الفضي كشمعة تضيء للمستقبل.

بعد بضع ساعات من الراحة يبدأ مع أضواء الفجر الأولى يومهم في حفر القناة.

خلال الحفر، يتلقى العمال بصلة وقطعة جبن ورغيف خبز يابس وفخارة مياه، كأنها قنابل صغيرة من الأمل والقوة تغذي أجسادهم وتشعل شغفهم

يبث جسده الجريح وروحه المنهكة ألمًا يتراقص على أوتار الصمود والإصرار، وتتلاشى مفارقته لأهله الأعزاء في ظل الرحلة الطويلة، كأنها قصة حزن تنسجها خيوط الوجع والشجاعة.

قناة السويس تتجسد في عيونهم، كشريان حيوي يربط بين بحرين متباعدين، ويفتح آفاقًا جديدة للتواصل والتقدم، وأضواء النهار تتسلل بلطف كشعاع من أمل يشع في قلوبهم المتعبة وينير طريقهم المظلم.

في أثناء الحفر، يسقط أحد العمال وتزهق أنفاسه، كشهيدٍ يرسم بدموعه طريق الحق والعدالة..

الماء الذي يصبونه على جراحه كالندى العذب الذي يروي الأرض العطشى ويحمل روح الانتعاش.. يكفنونه في جلبابه كغطاء يحتضن روحه الساكنة ويذكرهم بعظمة تضحياته.

يصلون عليه في عجالة كترنيمة من الرحمة والوداع، ترافقه إيقاعات الحزن والأمل. يدفنونه على جانبي القناة كعمودٍ من الذكرى الخالدة، يحمل رسالة البطولة والتضحية من أجل تحقيق الحلم والتقدم.

تبقى أصواتهم تتردد في الأفق، كصرخة تحمل رسالة الثَّبات والثورة.. ينبض قلب الأمل في صدورهم، ويرتفع صوتهم كالأمواج التي تكسر أعماق الجفاف واليأس..

يتحدون الصعاب ويسابقون الزمن، كأنهم جنود في معركةٍ لا نهاية لها من أجل الحرية والعدالة، ولكن لا غنائم لهم فيها.

كان هذا المنظر يؤجج صدره حزنًا وثورة وتمردًا، لقد خلق حرًّا فما الذي يجبره على أن يعمل في السخرة في هذا الحفر، فلتذهب القناة إلى الجحيم وتأخذ في يدها الخديوي أيضًا.

يتذكر أحيانا حياته في صعيد مصر فلاحًا قويًّا حرًّا أبيًّا، كالطير يحلق غير مبالٍ في السماء، تنتابه مشاعر القهر فيعض أنامله قهرًا وغيظًا، وبالتدريج كانت كل الأمور تتجه إلى أن يتخذ قرارًا واحدًا.. الهرب من هذا الجحيم بلا رجعة.

في صباح اليوم التالي كان يحفر وينظر لرفيقه حامد بحذر ويقول له:

-لقد انتويت الفرار من هذا الذل يا حامد.

تلفت حامد من حوله وعلامات الهلع تكسو ملامحه، ثم قال له بصوت منخفض

-هل جننت يا رجل؟ والسياط والعسكر يا مرسي؟ إنك لن تتحمل وقع السياط على جسدك النحيل هذا.

قال مرسي بحزم:

-إن ضرب السياط لهو علي هين من هذه السخرة، وإن كُشف أمري وضُربت وتوفاني الله أقله سأرتاح من هذا العذاب اليومي، وليغفر الله لي ما أفعله بنفسي.

قال حامد:

-لا شأن لي بك، وسأغمض عيني وأغلق فمي عما تنتويه.

رد مرسي:

-سيكون هذا أفضل لي ولك، لا ناقة لنا ولا جمل من هذا الحفر، ولن يعود علينا بفائدة، سنكون صانعيها نعم، ولكن لسنا ملاكها.

بعد عدة أيام علم أنهم يطلبون رجالًا لحفر ترعة الإسماعيلية نواحي قليوب، طلب من المسؤول عنه أن يذهب معهم للاشتراك في الحفر، ونجح مسعاه.

النجاة

بعد الوصول وقضاء عدة أيام في الحفر، كلفوه وبضعة رجال بشراء بضائع من السوق المجاورة لموقع الحفر..

هناك نظر للبشر الذين ينهمكون في البيع والشراء ولاحظ انشغال الجميع، أما حراستهم فقد وجدها هي الأخرى تبدو مستمتعة بهذه النزهة القصيرة، عزم أمره، واستغل جنازة تمر من السوق والجميع يفسح لها الطريق، وبعض المودعين للجنازة قد قطعوا الطريق بينه والحراسة، فاندس بينهم وأكمل معهم المسير ناحية المقابر، ومن هناك أطلق ساقيه للرياح، حتى ابتعد بقدر كافٍ عن موقع الحفر.

بات ليلته الأولى في المسجد، كان يعرف أنه لن يستطيع العودة للصعيد.. حتمًا سيبحثون عنه هناك، لذا، قرر المكوث قليلًا حتى يدبر أمره، عمل مع أنفار الفلاحين أو التمليَّة كما يسمونهم، استطاع بعد مدة أن يستأجر عدة قراريط من الأرض، زرعها، ثم بنى بجوارها منزلًا صغيرًا، وتزوج.

واتسع رزقه واشترى أرضًا كبيرة بجوار مصرف البلدة، بعد 15 عاما أنجب 5 أبناء، ووقتها علم أن هذه البلدة (أبو زعبل) وطنه الآن، فقرر المكوث للأبد، واكتفى بشعوره الداخلي بأنه صار الآن حرًّا ولا يتحكم فيه أحد، وحينما شعر باقتراب المنية أوصى أكبر أولاده حسنين ببقية أخوته خيرًا.

وأوصاه أن يقص قصته على أولاده وحفدته من بعده حتى لا تنقطع سيرته، وقد كان، فأكمل حسنين هو الآخر الطريق على نهج وعهد أبيه، وبعد مرور 160 عامًا تقريبًا، يقصها عليكم حفيده محمد بن السعيد بن حسنين بن حسنين بن مرسي عضمة.

اختلفت العصور والأزمنة، ولا نزال نذكر القصة لأولادنا، ربما فخرًا وربما مباهاة بتاريخ لا نستطيع صنعه الآن.

تمت 

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة