ظلَّ الصاحبان ينحدران مع ذلك الجسر، وصنعاء تعلو شيئًا فشيئًا وتتَّضح ملامحها كأنها عروس قد احتجبت بحليها، ورائحة الريحان تفوح من تلك المقبرة القريبة منهما.
كأن المقبرة تواسيهما وتبعث في موت آمالهما حياة أخرى بسحر يصعب شرحه وتفسيره.
ولما وصل الصاحبان أسفل الجسر والشمس قد علت على عرشها في كبد السماء، شعر ماجد بالعطش.
وقف مليًّا يسترد أنفاسه، ثم طلب من عماد مرافقته إلى أحد المقاهي القريبة من الجسر على الشارع الرئيس.
تكدر مزاج عماد قليلًا؛ فالمسافة إلى المقهى لا بأس بها، لكنه وافق على أي حال.
"دعنا نأخذ قنينة ماء ثم نركب المواصلات ونعود، فأنا أشعرُ بإنهاك شديد"
قال تلك الجملة وهو يتفحص بعينيه الشاخصتين باصات الطريق الذاهب منهم والغادي، وقد وضع يديه على خاصرتيه بلغة جسد تقول: "ليس عندي استعداد للمزيد من السير".
انطلق ماجد يمسك بيده على جيبه خوفًا من ضياع القلم في أثناء الركض، وأنظار عماد تتبعه دون أي حراك منه، ثم توقف برهة والتفت ضاحكًا: "والله لن أمشي خطوة إلا معك! "
ابتسم عماد واستسلم لعناد ماجد وركض خلفه ولما وصل إليه، اتسعت عيناه فجأة وهو يدقق في بوابة المقهى.
كان ماجد يمد يده إلى عماد لصفقها بكفه ممازحًا إياه، لكن عماد كان قد ثبت عينيه عند باب المقهى.
التفت ماجد وإذا به يرى هدى !
هدى الفتاة البريئة تقف إلى جوارها أدهم يتحدثان في شيء ما ثم يلجان المقهى.
تلعثم ماجد وتعرَّق جبينه بقوة، واختنق بعبرته وهو يحاول جمع كل تفاصيل الحياة واختزالها في ذلك المشهد الغريب!
ابتلع ريقه والتفت إلى عماد وكانت تلك المحاولة الأولى له في خلق موقف مزيف. ابتسم محاولًا إخفاء صدمته ليعلم السبب الحقيقي وراء صدمة صاحبه عماد.
وكأن ماجد بدأ أخيرًا بتقبُّل الحقيقة بمرارتها، بل يرحب بها ويفتح لها نوافذ قلبه ويمهد لها دربه الشائك.
وبمرارة يحاول إخفاء تلك الجمل التي تتزاحم في حنجرته كلا منها تودُّ التحرُّر سائلًا : "من هذه الفتاة والذي معها أتعرفهما؟ "
ظلَّ عماد يحدق في باب المقهى، ثم تمتم على امتعاض وعينيه تطلقان شرارًا من نار دفينة في ماضيه:
"ما الذي أتى بهذه الغبية إلى هنا!"
تنفس ماجد نفسًا عميقًا ثم أعاد على مسامع صاحبه:
"هل تعرفهما؟"
التفت عماد وأمسك بكتف ماجد كأنه يدفعه للسير بعيدًا من تلك المنطقة وهو يقول: "هذه حرباء تدعى رباب وذلك هو خطيبها فؤاد".
اتسعت عينا ماجد عند سماع الأسماء وكأن حقيقة قد لاحت له، فربط على قلبه وأخفى كل ما بداخله ليعلم ما يختلج فؤاد صاحبه من زيف قد امتزج بذاكرته: "ما قصة الحرباء يا عماد!"
أشار عماد لأحد الباصات لإيقافه، وركب الاثنان، ثم جلسا في المقعد الأخير، وهو المقعد الذي اعتاد الشباب أو الشابات حجزه حين تكون الطريق طويلة ولديهم قصص يرونها لبعضهم.
"راس الديوان" كما يصفونه وذلك لأن لا أحد يطلب منهم التحرُّك من مكانهم ليتمكن من النزول.
جلس الاثنان رأس الديوان، وبدأ عماد يجر كلامه جرًا وكأنه لا يريد الحديث في هذا الموضوع بالذات:
"تفاجأتُ يومًا ما برسالةٍ من زميلة تدرسُ معنا في كلية الهندسة، تقول فيها إنها كثيرة الغياب؛ بسبب مرض أمها وتحتاج إلى ملازمي لتصحيح أخطائها منها، ونقل ما أقوم بتلخيصه. ولما التقينا تحت شجرة في وسط الجامعة كانت تبدو بريئة وتعاني من فوبيا من جنس الرجال. أشفقتُ عليها وناولتها الملازم من بعيد، فشكرتني بهزة رأس خجولة، ثم انصرفت وكنتُ مستعجلًا فتركتها لخجلها وأسرعت".
كان ماجد ينصت بأذن تحليلية لكل ما يقول عماد، ويتذكر ذلك المشهد الذي تكرر معه مع ذات الفتاة، لكن الفرق أنها ابتعدت بعد أن سرقت قلبه، فهل يا تراها سرقت قلب صاحبه أيضًا!
أكمل عماد حديثه بعد أن شرب كمية من الماء لا بأس بها مسترسلًا في حديثه:
"وفي اليوم التالي أرسلت إليَّ رسالة شكر، فرددت إليها: بعفوًا. وظلت هكذا كلما احتاجت إلى شيء استعانت بي، حتى أتى اليوم الذي اتصلت بي الساعة الواحدة بعد منتصف الليل وهي تبكي، وتنتحب، بدموع حقيقية وصوت كسير تشكو إليَّ مرض أمها وحاجتها الماسة لإجراء عملية عاجلة".
تحمس ماجد للقصة واتجه بكل جوارحه نحو صاحبه وقال:
"ثم ماذا؟ لا تقل لي إنك قمت بدفع المبلغ!"
أجاب عماد ساخرًا من حديث ماجد:
"ومن أين سيأتي صاحبك الحافي بألف دولار في يوم وليلة برأيك! "
ثم استأنف حكايته:
"قمتُ بتطمينها ثم أنهيت المكالمة معها واتصلت بمندوب دفعتنا وطلبت منه أن يقوم بحملة تبرعات إنسانية لزميلتنا الغائبة وذلك لمساعدتها في دفع تكاليف عملية أمها. وما هي إلا لحظات حتى اتصل بي مندوب دفعتنا وأخبرني بأن لا وجود لهذه الطالبة ضمن دفعتنا، والغريب أنه بحث عن اسمها في كشوفات كلية الهندسة بكل أقسامها ولم يجده!"
ماجد يقاطع عماد بعجلة:
"ثم ماذا!"
يُكمل عماد حديثه بصخب وتضجر وكأنه لا يريد تذكر ما حدث:
"تجاهلتها طبعًا لمدة أسبوع. وفي يوم من الأيام أقبل ذلك الطبل فؤاد إلى كليتنا وتهجم على الحارس وأراد طعني بجنبيته بحجة أني قمتُ بمعاكسة خطيبته، واستشهد بالاتصالات بيني وبينها، التي كانت آخرها بعد منتصف الليل!"
كان ماجد ينظر إلى عماد وكأن جبلين من الفولاذ قد أطبقا على جنين الحب في قلبه وأجهضاه، ثم سأل صاحبه وقد وضع يده على كتفه ليربت عليه:
"وكيف تصرفت؟"
فتح عماد قنينة الماء التي لم يشرب منها ماجد قطرة واحدة، وسكبها في جوفه سكبة واحدة، ورماها رمية صاخبة من نافذة الباص، ثم شرح لصاحبه مشهدًا لا يمحى من الذاكرة:
"خرجت إليه بدون أي سلاح لأدافع به عن نفسي، وواجهت الموقف، وحاولت شرحه لزملائي ودكاترتي، لكن الجميع كان مقتنعًا بما يقول فؤاد، وكانت كل محاولاتهم تصب في إيجاد طريقة يخمدون بها حممه المتناثرة! وقاموا بجمعنا في مكتب العميد وطلبت مواجهتها. اتصل بها ذلك السخيف وما هي إلا دقائق حتى أقبلت علينا تمشي كأضحية العيد، وكأنها كانت مختبئة أسفل المبنى. سألها العميد عما يقول خطيبها المجنون فانهارت باكية، وقالت إني حاولت التحرش بها وتهديدها أكثر من مرة".
انتفخ وجه عماد وازرق فمه وانتفخت العروق على جبينه وهو يتحدث، ثم علا صوته حتى انتبه كل ركاب الباص لتلك الحكاية، هل هذا منظر متحرش يا ماجد!"
لاحظ ماجد أن جميع من على الباص يتابعون باهتمام بالغ تلك الحكاية، بل إن بعضهم قد التفت بجذعه كاملًا نحوهم يصغي بشغف، فنادى صاحب الباص طالبًا منه التوقف.
سحب صاحبه ونزلا معًا وهو يطلب منه إخفاض صوته، ثم سحبه إلى إحدى الحدائق الركنية، وجلسا على أحد الكراسي.
تريث ماجد قليلًا، ثم سأل عماد أن يكمل.
أخرج عماد سيجارة من جيبه وأشعلها وسحبها في شفطه واحدة كأن الثأر بينه وبينها لا بينه وبين رباب، ثم أكمل قصته:
"بعد كل تلك الفوضى التي حدثت، لم يكن معي يصدق ما أقول إلا مندوب الدفعة، وأما البقية فأعدوها فضيحة لي. أما عميد الكلية فقرَّر أن يتصل بأبي الحنون ليستدعيه لدفع تعويض لخطيب الحرباء ليسكت ويقوم بلملمة الموضوع".
وأكمل ماجد القصة:
"ولأنك تعلم أن أباك حنون قمت بتحمل الهجار أنت ودفعته من جيبك".
قال عماد وقد احمرت عيناه وقد عجز عن لملمة تلك العبرات:
"اتصلت بأختي المتزوجة وشرحت لها الموقف، فأسرعت برهن ذهبها وإرسال ثمنه، وأنا إلى اليوم أسدد لها بالتقسيط ما قمت بأخذه منها قبل أن يعلم زوجها… إلى اليوم وأنا أقسم لها ولكل من سمع بقصتي أني بريء من دعوى فؤاد وعقربته السامة، لكن فؤاد لم يصدقني، وأختي لم تصدقني، وزملاء الجامعة لم ولن يصدقوني".
نظر ماجد إلى عصفورة واقفة على إحدى الأشجار وقال بنبرة حزن عميقة مفعمة بخيبة الأمل والصدمة:
"لا أعرف ما اسمها الحقيقي فعندي كانت هدى وعندك اسمها رباب ومن يعلم كم من الأسماء لها.. لكني متأكد أن فؤاد هو أدهم زميل الثانوية المتنمر".
التفت عماد إلى ماجد حائر اللب مندهشًا وكأن صاعقة قد صفعت خده:
"ماذا تقول يا ماجد من هو أدهم؟ "
فأجاب ماجد مبتسمًا ابتسامة عبثية:
"الذي كان مع ربابك هو أدهم الذي حكيت لك عنه بشحمه ولحمه، وقد أرسلت هدى لي ذات الرسالة وقابلتني عند ذات المكان ومضمون الرسالة هو ذات المضمون!"
أسرع عماد إلى صاحبه يريد رؤية الرسالة وعندما رآها تأكد بما لا يدع مجالًا للشك أن شوك البراءة قد طال طريقه هو أيضًا، وأن فؤاد، ذلك الشاب الغيور الذي خدعته خطيبته المريضة ما هو إلا عنصر من عناصر النصب والاحتيال.
ضرب بقبضته ركبته بقوة ثم نهض متشنج السواعد يود التهامه قائلًا:
"والله لن أتركه ذلك الصعلوك إلا مجدع الأطراف".
نهض ماجد مربتًا عليه وفي ذاكرته يلوح مشهد أدهم وهو يبحث عن شيء ما في أول يوم التقاه. كان يربت على صاحبه وهو في أمس الحاجة لمن يربت على قلبه.
على الأقل فهو لم يدفع ألف دولار ثمنًا لبراءته كما دفع عماد.
وعندما بردت ثورة صاحبه، جلس بهدوء وكتب إلى هدى رسالة قصيرة فحواها:
"قولي لأدهم أن دربي لم يعُد شائكًا بالبراءة وأعاهد الله أن أسترد لعماد صاحبي حقه منكما".
النهاية.
- اقرأ أيضاً قصة درب شائك بالبراءة الجزء الأول
وكم في الحياة مثل ماجد وعماد دربهم شائك بالبراءة .
القصة ملهمة ورائعة .
جزيل شكري وامتناني.. اتمنى ان تكون القصة قد حازت على استحسانكم
كانت النهاية رائعة و القصة اروع
هي قصة تربوية.. يعجبني اهتمامك بالمجال الثقافي
☺️💖❤️😅
كل التوفيق لك عزيزتي 🌹🌹💓💓
جزيل الشكر والإمتنان
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.