قصة درب شائك بالبراءة الجزء الثاني

كان صباح غائمًا جزئيًّا.. ماجد نائم في تلك الغرفة المظلمة، فقد اعتادوا على إطفاء المصابيح جميعهم نهارًا؛ لتوفير سعر الكهرباء.

جهاز الخلوي يرن بصوتٍ مزعج ليستيقظ عماد محقونًا بالغضب ليصرخ بصوت عالٍ:

"يا رب ارحمنا من هاتف ماجد الذي لا يتوقف حتى يوم إجازتنا"..

بينما ماجد يغط في نومة عميقة برأسه المدفون تحت وسادته الثقيلة..!

لم يجد عماد حلاً وقد استشاط غضبًا من برود ماجد، فنهض ورماه بالوسادة صارخًا:

"انهض يا صاحب القرية.. انهض أيُّها الحمار الكسول وأغلق هاتفك".

وببطء شديد استيقظ ماجد محاولاً فهم ما يحدث حوله، عماد يصرخ وعدد من الطلاب الساكنين في نفس الغرفة قد نهضوا يتذمرون من كل ذلك الضجيج، والهاتف يرن بصوت عالٍ جدًا، وماجد بهدوء أعصاب يحاول الفهم.

أخذ جهازه الخلوي ورأى عددًا من المكالمات الفائتة من صديقه المقرب أدهم، لينهض بعدها سريعًا كأن صعقة كهربائية قد لامسته مسرعًا إلى الحمام.

وفي صخب وتمذمر يعود بقية الطلاب إلى النوم.

ارتدى قميصه المقلم وترك زرار عنقه مفتوح، وعلى عجلة من أمره قام بطي الأكمام ومشط شعره مشطة سريعة دون أن يحدث ذلك الفرق الجانبي الذي كان يبدو وكأنه طريق ساحلي كما يصفه أدهم ساخرًا كل مرة..

وفي طريقه إلى المكان الذي اعتاد أن يلتقي فيه صديقه قرأ رسالة نصية فحواها:

"زميلي وأخي ماجد.. كانت والدتي مريضة ولم أستطع حضور المحاضرات الأخيرة.. وحالتنا المادية صعبة ولا أستطيع شراء الكتب، فهلَّا أعرتني دفتر محاضراتك لأقوم بتصوير ما فاتني من دروس.! "

كانت رسالة لطيفة جدًا وذات نكهة صباحية تفوق نكهة القهوة الصباحية.. أرسلتها له إحدى زميلاته في الجامعة. قاد ماجد دراجته باتجاه ذلك المقهى حيث صديقه أدهم، وقد انتعش وتطاير شعره مع الريح وهو يقود الدراجة بسرعة قوية.. 

كانت هدى أول فتاة تتحدث معه، وعلى الرغم من أنها تحتاج منه أن يساعدها إلا أنه عدّ بحثها عن رقمه وتفكيرها به انتصارًا عظيمًا بالنسبة له.. 

وبينما كان غارقًا في زهوه، ضربت عجلة الدراجة على رصيف المقهى وسقط ماجد سقوطًا رأسيًا ليغرس رأسه في سلة مهملات المقهى الموجودة بجانبه..

كانت تلك بمثابة رسالة لكنه لم يفهمها.. وبينما كان ينفض عن نفسه ما علق به من مخلفات الطعام، كانت ضحكات أدهم تملأ الشارع، فعلم من لم يعلم وانتبه من لم ينتبه لمنظر ماجد البائس، وعلت الضحكات من كل مكان..

ابتسم ماجد وسار باتجاه أدهم وفي يده منديلاً قماشيًا قد أخرجه من جيبه وكأن شيئًا لم يكن، وأخفى في نفسه ذلك الحزن الذي شابه من سخرية صاحبه..

وعندما وصل إليه قال له بلهجة شبه معاتبة وهو يضحك:

"كان الأحرى بك أن تساعدني عوضًا عن لفت انتباه الجميع"

أسرع أدهم برده القاسي وقد تغيَّرت ملامح وجهه:

"أنا لا أستطيع مقاومة فطرتي.. تعودت أن أضحك كلما شاهدت حمارًا يسقط".

نظر إليه ماجد بخيبة أمل.. فاستجمع أدهم نفاقه سريعًا وغيّر ملامح وجهه ليلبس ابتسامة مستعارة قائلاً :

"حسنا لم أقصد.. كنت أمزح فقط"

واتجه الاثنين إلى المقهى وبادر أدهم في طلب الإفطار وأقسم على ماجد قبول عزومته..

وسرعان ما تغيّر مزاج الطيب ماجد وظهرت على صفحة وجهه علامات الامتنان.

نظر إليه أدهم من رأسه حتى أقدامه ثم علق مستهجنا إياه:

"أول مرة أراك وسيمًا"

ثم أضاف وهو يتصفح قائمة الوجبات أمامه:

"اعتدتُ أن أراك بدهان رأسك وبأزرارك المغلقة كأنك دمية قديمة.. لم أتوقع ان أراك يومًا طبيعيًّا كباقي البشر"

ضحك ماجد وقد احمرَّ وجهه خجلاً وأجاب متعجبًا:

"كباقي البشر..!  "

ثم اتبع حديثه مبررًا :

"اليوم فقط من دون الأيام كلها اعتقدتً أني خرجت رثًا"..

وجَّه إليه أدهم نظرة مستشرفًا بها موضعًا جديدًا، ثم نادى النادل وأخبره باختياره، وعاد لماجد مقبلاً عليه بوجهه وشبك بين أصابعه على الطاولة وبدأ الحديث:

"عزيزي.. أثبت علم النفس الحديث أن اللذين يغلقون زرارات قمصانهم كاملة لا يشعرون بالأمان.. ثم أن مشطة شعرك قروية وأقل حرية.. حاول أن تتجرَّد من مفاهيم قريتك.. وعن تلك العادات التي اكتسبتها من محيطك لتكن أنت.. أنت فقط.. "

وبعد أن تأكد من انجذاب ماجد لحديثه، أرخى يديه وأسند ظهره إلى الخلف ثم أضاف:

"الله لم يخلقك لتكن نسخة من غيرك.. بل خلقك لتؤدي رسالة في هذا المجتمع تخصك وحدك... أنت لا تشبه أحدًا ولا ينبغي أن تشبه أحدًا".

وصل النادل ونهض أدهم بتواضع فيه تكلف وأشاد بنفسه:

"أنا أشفق على عمال المقاهي وأشعر بالخجل وهم يرصون الأكل على طاولتي "

وأخذ يرص الإفطار على الطاولة بنفسه، وقد سلبت أخلاقه تلك لبَّ ماجد الذي كان بغير حصن ولا مناعة.

وقف ماجد لمساعدته قائلاً :

"نعم هم بشر مثلنا يتعبون، لم يحالفهم الحظ في التعليم، ولم يكن في حياتهم من يدعمهم مثلنا"..

وهنا تأكد أدهم أن صنارته قد أمسكت هدفها..

جلس أمام صديقه الساذج وبدأ الاثنان تناول إفطارهما، وأدهم يدقق النظر في وجه ماجد، وقد لاح الهدف قريبًا منه.

...

وفي مكان آخر، زملاء ماجد في السكن يتذمرون عدم طيِّه لفراشه ونسيانه للإنارة مشعلة في الحمام!

يتبع..

- اقرأ أيضاً قصة درب شائك بالبراءة الجزء الأول

- اقرأ أيضاً قصة "درب شائك بالبراءة"ج3.. قصص قصيرة

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

قصة جميلة ومشوقة في انتظار القادم... 👍👍
أضف ردا

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

تشوقكم للقادم يجعله بحجم الثقة.. ♥
أضف ردا

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

تم متابعة الحساب اتمنى لك كل التوفيق
ارجو متابعة حسابي فضلا وليس امرا
أضف ردا

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

سأقوم فورا بمتابعة حسابك صغيرتي بكل امتنان 💕
أضف ردا

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

شيقة وسرد رائع
أضف ردا

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة