جاء من إحدى القرى يشقُّ طريقًا مجهولاً إلا من معالم رسمها في آماله..
يقصد العاصمة.. يقصد جامعتها التي سيبدأ منها دربه باتجاه النجاح والتمييز..
كان يرتدي قميصًا أزرق بخطوط مربعة لا يكاد فيه زرًّا إلا وقد أغلقه، كأن الخوف كان ينفذ إلى قلبه الريفي الطيب من تلك الأزرار!
وعليه بنطال أصفر اللون قصير قليلاً، ربما أنه البعد عن الأسدال المرفوض شرعًا لكنه اعتاد ارتداءه على حالته تلك...!
خرج من سيارة البيجو التي رحل بها تحت شمس الظهيرة بشعر لامع من أثر الزيت عليه وقد أحدث فيه فرقًا من جانب الرأس كنوع من الهندام البسيط، يشق شوارع المدينة المزدحمة محتضنًا حقيبته بين ذراعيه وكأنها أغلى ما يملك..
وعندما وصل الشقة التي كان ينبغي أن يعيش فيها مع مجموعة من زملائه، كانت عبارة عن غرفة وحمام ومطبخ وتحتوي عشرة من الطلاب الآتيين من مختلف مدن البلاد للدراسة..
كان ماجد الطالب العاشر فيهم ولم يستطع التسعة تدبير مكان له للراحة، فقد كانت الغرفة ضيقة لا تحوي أكثر من أربعة أسرَّة.. يحظى أهل السبق فيها بالنوم على أحد الأسرَّة بينما يرقد الآخرون على فرش لهم في الأرض.
فاختار مكانًا في زاوية الغرفة ليكن مكانه خلال سنوات الدراسة ومخدعه الذي يوثق به سنوات كفاحه ..
وفي صباح اليوم التالي عاد ومعه دولاب خشبي صغير، قام برص أدواته فيه ووضع صورة أبيه عليه لتكون تلك الزاوية البسيطة هي زاوية البداية..
كان ماجد قد التحق بكلية الطب التي يحلم بها بعد معاناة ثلاث سنوات من التقديم والرفض ليحصل على درجة القبول أخيرًا..
وذات مرة كان يجلس في كافتيريا الكلية ليرى وجهًا بغيضًا يقبل عليه من بعيد.. نعم إنه وجه زميل الثانوية أدهم مقبلاً عليه بابتسامة أشد مداهمة من شره المعتاد!
وبخفة روح مصطنعة، سحب أدهم كرسيًّا لنفسه وجلس إلى جوار ماجد على ذات الطاولة وحدق مليًّا في عينيه ثم أطلق رصاصته الأولى على مسامع ماجد:
"من؟"
"ماجد زميل الثانوية الذكي!"
وعلى غفلة من الذاكرة السوداء أحب ماجد ذلك الوصف الذي صدر منه فأجاب:
"نعم يا أدهم.. هل أنت طالب هنا؟ "
ضحك أدهم ضحكة ساخرة وقال:
"ما الذي سيشفع لمثلي دخول هذه الكلية التي لا تفتح أبوابها إلا للأذكياء! "
وعلى امتعاض خفيّ ونظرات كأنها نظرات أفعى متربصة أضاف:
"أمثالكم "
ابتسم ماجد وفي يده شطيرة الجبن يداول بينها وبين كوب ساخن من الشاي بالحليب وابتلع تلك اللقمة ثم سأل:
"أين تدرس يا أدهم..؟ "
انتفخ أدهم انتفاخه طاووس وأجاب:
" أنا لا أضيع وقتي في دراسة الجامعة ولكني أتيت إلى هنا في تكليف من مدربي"
شد حديث أدهم المتعالي فضول ماجد ليعرف المزيد عن دراسة أدهم خارج الجامعة وعن سبب الراحة النفسية التي بدت واضحة عليه!
ثبت تركيزه على تلك الجمل المنمقة التي ينسجها أدهم مستخدمًا حركة يدٍ بهلوانية توحي بالفهم العميق والإلمام الشامل والتمكن التام من كل أموره..
كان أدهم يصف نوعًا من الدراسات النفسية التي تؤخذ على شكل دورات في معاهد المدينة والتي تدعم الذات..
وعلى الرغم من أنها ليست كافية لصنع مستقبل زاهر إلا ان أسلوبه كان يوحي بالعكس تمامًا..
وببضعة جُمل مكررة أوحى لماجد كل ما يدور في خلده من أسئلة وأجاب عنها، ودخل معه في متاهة مناقشات في مختلف المواضيع!
ماجد ولد ريفي على سجيته.. سرعان ما تطهر صندوقه الأسود من ذكريات أدهم، وقام بفرمات سريع لكل ماضيه العكر بل وشعر بانجذاب تام لما يقوله بمنتهى الثقة، وفي خضم ذلك الحديث الشائق، رمى أدهم كرتًا صغيرًا قد طبعت عليه بياناته كرقم هاتفه الخلوي وعنوان بريده الإلكتروني وموقعه على الفيس بوك وغيرها..
غرَّت تلك القشرة المزيفة طهر ماجد، الذي جاء بطهره ونقائه من القرية ولم يعتد عليها بعد..
أما أدهم بحديثه الشائق وثيابه ذات الألوان المتناسقة وتصرفاته الحيوية لم يغادر حلبة النقاش إلا وقد حجز لنفسه كرسيًّا عريضًا في إعجاب ماجد ..
وأصبح بكل وضاعته ضخمًا في نظر ماجد بل ومعيارًا للرجل العصري المتحضر!
وانصرف عائدًا وأشعة شمس الظهيرة تدك عينيه لتكشف مدى ركاكته وعدم تحمله، لكن ماجد لم يكن قد وصل إلى ذلك القدر الكافي من دقة الملاحظة..
ظل يقف مراقبًا صديقه الهش بإعجاب وهو يحاول عبور الشارع المزدحم بصعوبة بالغة..
وكانت براءته تلك ونقاء سريرته هي الضريبة الأولى التي كان يجب عليه أن يدفعها ليمتلك نظرة تمحيصية أكثر عمقًا وفهمًا ..
لم يكن ماجد قد جهز نفسه بالمعرفة لمثل هذا النوع من الشخصيات كما جهز نفسه لاختبار القبول في الكلية، فكان لا بد له من مقابلتها ليحصل على تجربة قاسية تصقل فهمه للحياة وتفتق مداركه المغلقة..
اقرأ أيضاً قصة "درب شائك بالبراءة"ج2.. قصص قصيرة
إنها بداية مشوقة ...
إلى أين ستأخذك دروب الحياة يا ماجد ؟
تسعدني متابعتك لي جدا
مشوقة
جزيل الامتنان..
سرد و وصف رائع... بداية محمسة ومشوقة للأحداث القادمة.. حسناً... نحن في انتظار المزيد... وابداعك الجميل.. ♥️
لن تكون الأحداث قريبة من التوقعات.. لكنها محاكية لواقع كثير من الناس..
ابداع
بوركت يداك وبورك منطقك عزيزتي، اسأل الله لكم التوفيق.
إنها البدايات يا عزيزتي و يالروعتها ^ - ^
جزيل شكري لمنحي كل هذه الثقة
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.