المكان: داخل أتوبيس نقل جماعي.
الزمان: في ساعة متقدمة من نهار رمضان دون مقدمات، سقطت فتاة لم تتجاوز بعد عقدها الثاني على أرضية الأتوبيس فاقدة للوعي!
هنا اتسع الممر الضيق الصغير وتحول إلى غرفة للطوارئ، ومستشفى ميداني متنقل، لإنقاذ روح هزيلة كخلية نحل متحركة..
الجميع يُسارع لتقديم يد العون لفتاة لا يعرفون عنها أي شيء غير أنها تستحق مدُّ يدِ العون.. لم يشغلهم من تكون أو ما توجهاتها الفكرية، وأيدولوجياتها السياسية وعقيدتها الدينية وميولها النفسية! ديدنهم وهدفهم الوحيد كان إسعاف الفتاة..
من آخر الممر تترك فتاةٌ حسناء في نفس عقدها، مقعدها وتهرع لإنقاذها وتٌجري لها الإسعافات الاولية، وأخرى تُمسِك بها حتى تستفيق، ورجل ثالث يحملها برفق لتجلس مكان شاب يغرق بين صفحات مسرحية "السلطان الحائر" لتوفيق الحكيم يترك لها مقعده بكل أريحية كي تستريح، وتلتقط أنفاسها المتقطعة من فرط الإعياء، وسيدة أربعينية في مقدمة الأتوبيس تسحب قطعة حلوى وعبوة عصير من حقيبتها الجلدية السوداء، وتسلمها للركاب لإيصالها للفتاة المٌغيبة كي تتقوى بها، وأخرى تجلب لها زجاجة عطر تفوح رائحتها من بعيد حتى تستفيق، وسائق الأتوبيس يتوقف عند نزلة الدائري حين زاغت العيون، وغابت الفتاة عن الوعي مرة ثانية، ويطلب لها الإسعاف بعد أن باءت محاولاتهم بالفشل،
وضابط مرور شاب يتواصل مع والدها هاتفياً، ليرافق فتاته إلى البيت، وركاب آخرون ينظرون في هلع وترقب كأنها من بقية ذويهم، ولا تكف ألسنتهم عن الدعاء لفتاة الأتوبيس بالسلامة.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.