الياسمينة والكاميرا القديمة.. كيف يوقظ الحب النافذة الخفية؟

في زقاق ضيق من حي قديم في جو خريفي، والأوراق الصفراء في الأزقة، والهواء البارد يداعب وجنتيها الناعمتين، كانت ليان تمشي كل صباح بين البيوت الحجرية، تحمل دفترها المهترئ وكوب شاي بارد متجهة نحو مكتبة صغيرة تعمل بها. 

كانت تحب الكتب، تحب رائحتها، تحب اقتناءها، تلمسها وتتفحص صفحاتها. كانت تخبئ أحلامها بين صفحاتها. 

حياة ليان كانت معقدة بعض الشيء، هي فتاة في أواخر العشرينيات، عصامية مساعدة مكافحة، لا تعرف الاستسلام، حياتها كانت العمل وفهم بأسرار الكون وكيفية التعامل مع الحياة. لم تكن تشعر أن الحياة معها بل عليها، لكن روحها كانت تنادي بأمل بعيد قادم، وكأنما تهدئها من تخبطات الحياة، شيء يشبه الياسمينة التي زرعتها على نافذة غرفتها. 

في يوم ما دخل المكتبة رجل غريب يُدعى سليم، يحمل في يده كاميرا قديمة، وعيناه تلمعان. سألها: أتحبين التصوير؟

أجابت: نعم، لكنني أفضل اللوحات التي تتغنى بوصف ذاتها برقة وعذوبة. 

ليان كانت وحيدة تمامًا على الرغْم من الأشخاص الموجودين حولها، وسليم شاب يبحث عن التميز والأشخاص الذين خُلقوا لمرة واحدة، وعرفوا معنى الحياة، كانت عيناه تلتقط الغريب والفريد، فبدأت بينهما قصة رائعة، صداقة صادقة. 

كان سليم لليان نافذتها على العالم، وبقصصه لها عن أشخاص يعيشون على الكرة نفسها كانت تشعر أنها تسافر معه في كل مكان، فكانت تتخيل هذه القصص: معاناة شاب، تحرر امرأة، نجاح مراهق. ومع كل قصة من هذه القصص كانت تشعر أن هنالك شيئًا ينزرع في قلبها، وبكل قصة تتذكر تلك الياسمينة في غرفتها.  

أما سليم فكانت ليان هي التميز الذي كان يبحث عنه، ليان تملك براءة صافية في عينيها، عندما ينظر إليها تسحبه إلى عالم خفي لا يستطيع فك شيفرته، ولا يستطيع التعرف على أي أرض هو موجود، تشده بنعومة تشبه أسلوبها الفريد. 

ليان لم تكن فاخرة في أزيائها، بل كانت فاخرة في أسلوبها، في منطق حديثها، في طريقة نظرها إلى سليم. 

تعلَّق بها سليم، وحاول أن يخرج تلك النعومة ليراها العالم أجمع، فبدأ يحفزها ويشجعها أن تكتب قصتها دون خوف. 

بالبداية تملكها الضحك ساخرة من نفسها، ثم تردَّدت، وتسلل إلى قلبها أشياء من الخوف. من الذي يهتم بقصة فتاة محطمة معافرة في الحياة بلا جدوى؟ من الذي يهتم بحروف تُقال، ولكن ليس لديها الجرأة لتكتب على الورق؟ 

 فأجابها:

العالم كبير وممتلئ بأشخاص مثلك يواجهون الحياة بقوة، ويعافرون حتى الموت من دون أن يشكُّوا لحظة أن مقاومتهم وكفاحهم هو نكتة ساخرة مليئة باليأس والفشل. دعينا نسمِّهم أبطالًا، وأعطي نفسك المجال أن تقدمي هؤلاء الأبطال لمسرح الحياة.

ثم أثنى عليها قائلًا: قوة حروفك ولآلئ تعبيراتك هي التي تجعل أي قصة تفرض ذاتها في قلوب الناس قبل عقولهم. 

ليان كانت تتمنى أن تكون صوتًا لا يُنسى، صوتًا خالدًا، يجيد التعبير ليوقظ البهجة في قلوب البشر.  

كتبت ليان عن طفولتها، عن مخاوفها، عن حالها، عن أحلامها. وصفت نفسها وكل ما عاشته، بحروف خرجت من قلب ممتلئ، ينتظر فقط فرصة كي ترسخ تلك الكلمات في الذاكرة، فلا تعود طيفًا عابرًا يطير. 

كانت الياسمينة التي خبأتها في قلبها تدغدغ روحها دومًا بصورة ناعمة تشبهها، كالحسناء على المسرح، والناس يصفقون لها بحرارة؛ لأنها ترتل أوجاعها وأحلام الآخرين معًا. وبعد عام أصبح لديها دفتر مكتظ بالفصول. 

كانت تكتب في كل وقت، حين تشعر بالاختناق أو التعب أو الاكتئاب أو الفرح أو التفاؤل. عشوائيتها لم تمنعها يومًا من التوقف، بل كانت دليلًا على صدقها. 

لم تكن تفكر إلا بشيء واحد: كيف تكون صادقة مع الناس؟

كيف تطلق روحها لتتحدث بصوت عالٍ دون خوف؟

كيف تتوقف عن الاختباء في الظل؟

كانت تحلم أن يكون صوتها ملكًا للناس. 

ثم بعد أن نشرت أحلامها، ورسائل من روحها، صفَّق لها الناس بحماسة القلب، وعجز اللسان عن مجاراة انسيابية مفرداتها وسلاسة تعبيراتها، واجتمعت الأرواح على رأي واحد: لقد أصابت القلب في ألمه، وشرحت أوجاع البشر. 

لكن تلك لم تكن نهاية الفتاة الناعمة، فلم تتوقف قصة كفاحها عند هذا الحد. وقعت في حب الشاب الذي أعادها إلى ذاتها، أحبته بقلب طاهر، وروح لم تدنسها خيبات الحب.

كيف نلومها، ومعها كل الحق في عشقه؟ كيف نلقي اللوم عليها، وهي بريئة القلب، لا تعرف الخيانة ولا النكران؟ 

عدَّته شيئًا من رد الجميل، لكنها جعلت منه ملاكًا خاليًا من الذنوب والعيوب، علَّقت تفاصيل حياتها عليه، وبادرت إلى الاعتراف بذلك العشق الطاهر تجاهه.

لكنه لم يرَ من ليان سوى جوهرة مميزة لم تصقل بعد، ولا يريد لأحد أن يحجزه؛ فهو طائر محارب، عتيق في تجارب الحياة، ولا يريد أن يعود إلى تلك البراءة التي توجع القلب وتغسل العين. 

تمنى لو كانت قاسية القلب، تمنى لو كانت متعجرفة أو متصنعة،  لكان وجد عذرًا شديدًا لعدم ندمه على محبتها. لكنه تركها وسط هتافات الناس لها، وافترض أن محبة الله والناس أجدر بقلبها من حبه.

تركها مع نفسها، ومع معجبيها، ثم رحل، رحل.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة