تاريخ قاموس أكسفورد: كيف شارك سجين في كتابة أعظم معجم إنجليزي؟

خلف المجلدات الضخمة لقاموس «أكسفورد» العريق، لا تقبع الكلمات وتعاريفها فحسب، بل تختبئ واحدة من أغرب القصص الإنسانية التي شهدها القرن التاسع عشر. هي حكاية لم تبدأ داخل أروقة الجامعات الفارهة أو المكتبات الملكية، بل نُسجت خيوطها عبر مراسلات بريدية غامضة بين لغويٍّ عبقري كرس حياته لضبط فوضى اللغة، وطبيبٍ عسكري سابق قادته أوهام الجنون إلى خلف قضبان مصحة للمجرمين.

في هذا المقال، نسلط الضوء على رحلة البروفيسور «جيمس موراي» في بناء أعظم مرجع للغة الإنجليزية، وكيف تحول قاتل «منبوذ» إلى اليد اليمنى التي أمدت هذا المشروع بآلاف الاقتباسات اللغوية الفريدة.

أسهم ويليام مينور -رغم كونه نزيل مصحة- بأكثر من 10,000 اقتباس لغوي، ما جعله أحد أبرز contributors في إنجاز قاموس أكسفورد الذي استغرق نحو 70 عامًا واكتمل عام 1928.

من هو جيمس موراي؟

يُعد البروفيسور جيمس موراي (Sir James Murray) أحد أبرز علماء اللغويات في العصر الحديث، والرجل الذي وهب حياته لمشروع لغوي عد حينها ضربًا من الخيال. ولد موراي في اسكتلندا عام 1837 لأسرة بسيطة، حيث كان والده يعمل خياطًا، ولم يمنعه عدم إكمال تعليمه الجامعي من إتقان لغات عديدة وبرع في فقه اللغة بجهد شخصي.

بدأت شهرته الحقيقية عندما اختارته جامعة أكسفورد في عام 1879 ليكون المحرر الرئيسي لقاموس أكسفورد الإنجليزي (OED) -الذي يعده كثيرون أفضل قاموس للغة الإنجليزية- وهو المشروع الذي سعى فيه إلى تأريخ كل كلمة في اللغة وتتبع تطورها عبر العصور، ليعمل من داخل كوخه الحديدي الشهير بـ «المخطط» محاطًا بملايين القصاصات الورقية.

قضى موراي في هذا العمل الشاق ما يقرب من ستة وثلاثين عامًا، واشتهر بتعاونه الفريد مع الدكتور «ويليام ماينور» الذي كان يرسل له آلاف الشواهد اللغوية من داخل مصحة عقلية، وهي العلاقة التي كشفت عن إيمان موراي العميق بأن العلم متاح لكل شغوف أيًا كانت ظروفه.

أكسفورد: مدينة الأبراج الحالمة ومهد العلم

تقع مدينة (أكسفورد) بمقاطعة (أكسفورد شير) في وادي نهر التايمز جنوب شرق (إنجلترا)، وتُعرف باسم (مدينة الأبراج الحالمة)، كما وصفها الشعراء نسبة إلى الهيكل المتناغم في مباني جامعة أكسفورد العريقة التي يعود تاريخ إنشائها إلى القرن الحادي عشر الميلادى.

وتُعد أقدم جامعة في العالم الغربي المتحدث بالإنجليزية، وهي أقدم جامعات بريطانيا السبع العتيقة، وتُعد من أفضل جامعات العالم، وتضم الجامعة حاليًا 44 كلية، منها 38 كلية مستقلة، و6 قاعات خاصة دائمة، و8 متاحف.

لغز الطبيب المتخفي خلف رسائل البريد

في الجزء الشمالي من المدينة، وقف البروفيسور (جيمس موراي) يتطلع إلى مباني كلية سانت جون من شرفة منزله، وتساءل في نفسه «لماذا يرفض زيارتي؟»، كان يشعر بالضيق بعض الشيء لأن الدكتور (ويليام مينور) كان دائمًا ما يتجاهل دعوته للزيارة.

في ذلك اليوم من عام 1889 كان البروفيسور جيمس موراي لا يزال يستكمل العمل العظيم الذي كُلِّف به وهو أن يكون محررًا رئيسًا لقاموس أكسفورد للغة الإنجليزية، وهو مشروع ضخم يتطلب ساعات طويلة من العمل الجاد، لذا قبل ذلك بتسع سنوات دعا موراي إلى التطوع للمشاركة في العمل، كان يرغب أن يقدم المتطوعون اقتباسات وأمثلة لاستخدامها في تعريفات القاموس.

كان الدكتور ويليام مينور من أوائل الذين استجابوا لدعوة البروفيسور جيمس موراي وراسله بالبريد ليعرب عن رغبته في التطوع للمشاركة فى العمل. وعلى مدى عدة سنوات أثرت إسهاماته التى لا تقدر بثمن قاموس أكسفورد بمئات الاقتباسات المعبرة والأمثلة المكتوبة بحرفية شديدة.

كانت جميع رسائل الدكتور مينور تأتى من مستشفى برود مور، وهي مصحة للمجرمين المصابين بالأمراض العقلية بمدينة (كروثورن) القريبة من أكسفورد، وبالتالي اعتبر موراي أن الدكتور مينور هو أحد أطباء المستشفى المشغولين بشدة، ولذلك يُرسل إسهاماته دائمًا بالبريد. ولكن كان الشيء الأخير بالنسبة للبروفيسور هو أن المستشفى لا يبعد عن أكسفورد سوى ثمانين كيلومترًا فقط، فبالتأكيد كان بإمكان الطبيب أن يحصل على عطلة ولو ليوم واحد ليأتي لزيارته، وذلك ما كان يشعره بالضيق.

الحقيقة المذهلة: من هو الدكتور مينور؟

قطعت أفكار موراي شعلة مفتعلة من خادمه أعقبها بقوله: «سيدي.. الدكتور (وينسور) جاء لزيارتكم حسب الموعد». استقبل موراي صديقه وينسور أمين مكتبة كلية هارفارد بترحاب شديد، وجلسا معا يتحدثان، وفي أثناء محادثتهما الودية بالصدفة تكشَّفت حقيقة أذهلت موراي.

قال الدكتور وينسور: «لقدت أسعدتنا للغاية نحن الأمريكيين، إننا ممتنون لحديثك اللطيف عن الدكتور مينور المسكين». تجهَّم وجه موراي وقال لصديقه: «ما الذي تقصده بكلمة مسكين؟!».

بعد ذلك عرف موراي السبب في رفض دعوته للزيارة، فالدكتور مينور الذي يُعد أحد أعظم المشاركين في قاموس أكسفورد لم يكن طبيبًا بمستشفى برود مور، بل كان مريضًا بها، كان في الواقع قاتلًا مجنونًا.

من جراح الجيش إلى جدران المصحة: رحلة ويليام ماينور

الدكتور وليام تشيستر مینور هو جراح من عائلة ثرية، تلقَّى تعليمًا راقيًا بجامعة (بيل) الأمريكية، وانضم إلى جيش الاتحاد عام 1863 في ذروة الحرب الأهلية الأمريكية، ولكن بعد فترة وجيزة من انتهاء الحرب بدأت أعراض المرض العقلي تظهر عليه، وتم تسريحه من الجيش عام 1868.

فهل كانت الفظائع التي شاهدها في أثناء الحرب هي السبب في جنونه؟.. ربما.

ولكن الأكيد أن مينور كان يعانى عددًا من الاضطرابات النفسية، منها انفصام الشخصية والوساوس وجنون الارتياب، وكان يعتقد أن الأيرلنديين يخططون لقتله، ربما بسبب مواقفه تجاههم في أثناء الحرب التي شارك فيها كثير من الأيرلنديين كمرتزقة.

في عام 1872 سافر الدكتور مينور إلى لندن لسبب غير معروف، ربما للبحث عن علاج لمرضه، ولكن ذات ليلة تخيَّل أن شخصًا ما قد اقتحم الغرفة التي يعيش فيها، وظل لعدة ساعات يبحث عن الجاني (من وجهة نظره) وبالفعل قام بإطلاق النار، فقتل بالخطأ رجلًا بريئًا في الشارع هو (جورج ميريت)، الذي كان زوجًا وأبًا لستة أطفال.

بعد القبض عليه ومحاكمته رأت المحكمة أنه مجنون وحكمت بإيداعه مستشفى برود مور، وعندما اكتشف مينور أن جورج ميريت كان بريئًا ولم يكن ينوي قتله، شعر بالذنب، وظل لسنوات طويلة يدعم أرملته وأولاده بجزء كبير من راتبه التقاعدي.

ونظرًا لكونه رجلًا ثريًا، كانت له بعض الامتيازات الخاصة داخل المستشفى، حيث تمكَّن من جمع مئات الكتب النادرة التي توقف إصدار نسخ جديدة منها ويصعب الحصول عليها. إضافة إلى ذلك، كانت أرملة جورج ميريت تزوره في المستشفى من وقت لآخر وتجلب له الكتب لعلمها بشغفه بالقراءة. وفي عام 1880 أخبرته عن الإعلان الذي نشره (جيمس موراي) لدعوة متطوعين للمشاركة في تحرير قاموس أكسفورد، فوافق على الفور.

لقاء تاريخي ووفاء للغة حتى النهاية

التقى موراي ومينور أخيرًا بمستشفى برود مور في عام 1891. كان مرض مينور العقلي واضحًا، حيث اشتكى من أن أشخاصًا يقتحمون عليه غرفته، وأنهم يعتدون عليه ويعبثون في الأشياء الموجودة بالغرفة. إلا إن موراي تجاهل تمامًا جنون الارتياب الواضح عند مينور.

وفي المقابلة تبادل الرجلان الحديث عن اهتماماتهما المشتركة مثل الكتب والكلمات التي يجب أن يحتويها قاموس أكسفورد، وبعد اللقاء عزم موراي على مساعدة مينور على الخروج من المستشفى وإعادته إلى بلاده؛ لأنه كان يرى أن العلاج الذي يتلقاه لن يسفر عن تحسن حالته أبدًا.

لسنوات عدة حاول الأخ الأصغر غير الشقيق لمينور إعادته إلى موطنه واستكمال علاجه هناك. وأخيرًا في عام 1910 نجح في ذلك بمساعدة كبيرة من جيمس موراي، وتم إطلاق سراحه من المستشفى، وعاد إلى الولايات المتحدة الأمريكية، بعد أن شارك بأكثر من 10 آلاف مساهمة قيِّمة لقاموس أكسفورد في أثناء خضوعه للعلاج بالمستشفى. وفي عام 1915 تُوفي البروفيسور جيمس موراي، وتبعه الدكتور ويليام مينور في عام 1920.

إرث باقٍ: القاموس الذي لم يره مؤسسوه

ظلت قصة موراي ومينور في طي النسيان حتى أحياها الصحفي والكاتب البريطاني (سيمون وينشستر) في كتابه الشهير (جراح كروثورن)، والتي تحوَّلت إلى فيلم سينمائي فيما بعد.

بالنسبة لقاموس أكسفورد فقد انتهى العمل فيه أخيرًا في عام 1928. استمر المشروع الهائل نحو سبعين عامًا، واحتوى على معاني أكثر من 400.000 كلمة، ومن المحزن أن لا جيمس موراي، ولا ويليام مينور عاشا ليريا قاموس أكسفورد يخرج إلى النور.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.