مزرعة الأطفال.. مأساة إيفيلينا وجرائم أميليا داير

في قلب إنجلترا الفيكتورية خلال القرن التاسع عشر، حيث الفقر والوصم الاجتماعي يدفعان بكثيرين إلى حافة اليأس، تكشفت فصول مظلمة من التاريخ الإنساني، قصة «مزرعة الأطفال» ليست حكاية فحسب، بل نافذة على واقع مؤلم تجسد في ظاهرة مزارع الأطفال (Baby Farms) التي استغلت ضعف الأمهات غير المتزوجات وحاجتهن للتخلص من أطفالهن غير الشرعيين، من مأساة الشابة إيفيلينا، نغوص في تفاصيل هذه التجارة المروعة، ونكشف عن الوجه الحقيقي لواحدة من أبشع المجرمات في التاريخ (أميليا داير) التي حولت الأمومة إلى كابوس والرحمة إلى جريمة.

نتحدث عن قصة من أسوأ القصص التي تثير الاشمئزاز بسبب الأذى الكبير الذي حدث فيها، بطلة هذه القصة هي امرأة لا تشعر بالسعادة إلا في تعذيب وقتل الأطفال، تلك الكائنات البريئة التي تمثل الطهارة والبراءة. فما الذي حدث في قصة مزرعة الأطفال؟ سنعرف هذا في السطور التالية.

مَن بطلة القصة؟

كانت فتاة صغيرة تُدعى إيفيلينا قدمت للتو من قريتها الهادئة التي كان يقطنها عدد قليل من الناس، وبسبب الظروف الصعبة في إنجلترا في القرن التاسع عشر قررت أن تذهب للعمل في المدينة الصاخبة، وهناك رأت حولها أمواجًا من المحلات التجارية والبضائع المتناثرة في كل مكان، كانت عيناها تدور في المكان تراقب كل تفصيلة صغيرة وكبيرة بعينين واسعتين وفم مفتوح، وكان وجهها المتجمد خاليًا من التجاعيد.

كان عليها أن تجد عملًا يعينها على تأمين مصروفاتها وطعامها وشرابها، وفي لحظة غير متوقعة، وجدت نفسها تسقي الخمر في إحدى الحانات لزبائن سكارى، يوجهون إليها نظراتهم الجائعة ويتنقلون بين أجزاء جسمها بعيونهم، فقد كانت تتمتع بجمال لافت وفائق؛ ما جعل كثيرًا من الرجال يقتربون منها، وتوالت العروض المالية أمامها وهي في أمسِّ الحاجة إليها.

هذه العروض دفعتها للانسياق خلف أول كلمات معسولة قُدمت لها، وانتهى الأمر بأن حملت وأنجبت طفلة غير شرعية، ما اضطرها للاختفاء عن الناس في المجتمع الذي كان في ذلك الوقت ينبذ النساء العازبات اللواتي لديهن أطفال، فكانوا ينظرون إليهن بازدراء ويحذرون من التعامل معهن.

وقد كانت كثير من النساء في مثل حالها، يلجأن إلى التخلص من أطفالهن، إما بتركهم على الأرصفة أو أمام الكنائس والجمعيات الخيرية، أما بعض آخر فقد عرضن أطفالهن للتبني من قبل الأغنياء ليصبح ذلك تجارة جديدة يتربح منها كل طماع يتظاهر بالرحمة.

مزارع الأطفال

كان أغلب الأطفال غير الشرعيين ينشؤون من علاقات غير شرعية بين النبلاء والخادمات، فعندما يفرغ الرجل شهوته مع الخادمة ويكتشف حملها يرفض الاعتراف بالطفل، فيتم إرسال الأم إلى مكان بعيد، وهو ملجأ يتم فيه رعاية الأم حتى تضع حملها، وبعد ذلك تترك الأم الرضيع في الملجأ لتتجنب تحمل مسؤولية تربيته، فيصبح الطفل يتيم الأب والأم.

كان الأطفال غير المعترف بهم يلقون في أماكن تسمى «مزارع الأطفال»  في القرن الـ19 يربون فيها ويعاملون كأنهم ماشية

كانت هذه الأطفال تربَّى في أمكنة تسمى «مزارع الأطفال» في القرن التاسع عشر، فكانوا يعاملون كما لو أنهم ماشية في المزارع، بل أحيانًا كانوا يُعاملون بأبشع من ذلك، ومع ذلك كان هناك ملاجئ تتعامل مع الأطفال بقدر من الإنسانية، وهي التي كانت تحت إشراف الكنائس أو الجمعيات الخيرية، وكانت هناك ملاجئ أخرى لا تتبع أي جهة، وكان الأطفال فيها يعانون قسوة شديدة، وتتعرض أرواحهم لكثير من صنوف العذاب، وقد يصل الأمر إلى القتل في بعض الأحيان.

كانت هذه المزارع تتربح بطرائق عدة، فبعض أهالي الأطفال كانوا يدفعون أموالًا دفعة واحدة عند وضع الطفل في الملجأ، ولتوفير هذه الأموال أطول مدة ممكنة كانت كميات الطعام والأدوية تُقلل على نحو كبير؛ ما يؤدي في كثير من الأحيان إلى وفاة الأطفال، بل كانت المشرفة على الملاجئ تلجأ أحيانًا إلى قتل الطفل فور استلامه لكي تحتفظ بكامل المبلغ الذي دفعه الأهل.

ماذا حدث لإيفيلينا؟

كان يمكن لإيفيلينا أن تُودع طفلتها في أكثر من مكان من أجل العناية بها حتى تتمكن من العمل، ثم تعود لاستردادها عندما تتحسن حالتها المادية، لكن بدلًا من ذلك قررت أن تضع إعلانًا في الصحيفة برسالة قصيرة تطلب فيها مربية تعتني بطفلتها. ولحسن الحظ كان هناك إعلان آخر أسفل إعلانها يطلب فيه أبوان طفلًا أو طفلة للتبني، وكانت صاحبة هذا الإعلان السيدة هاردنك.

راسلت إيفيلينا السيدة هاردنك عدة مرات من أجل أن تأتي لاستلام الطفلة للتبني، وأرادت إيفيلينا أن ترسل مبلغًا شهريًا للأسرة من أجل الرعاية، ولكن السيدة هاردنك أصرَّت على أخذ مبلغ واحد فقط عند استلام الطفلة وهو 10 جنيهات إسترلينية، وهو مبلغ كبير في ذلك الوقت.

وفعلًا تم الاتفاق على المقابلة، وذهبت هاردنك إلى حيث تسكن إيفيلينا، فوجئت الشابة الصغيرة بسيدة عجوز تختلف تمامًا عما كانت تتخيله، وجدت سيدة ذات وجه عبوس وتجاعيد غائرة في جبينها ووجنتيها ورقبتها نتيجة لتقدم العمر.

ترددت إيفيلينا للحظة في إعطاء ابنتها لها، لكن هذا التردد سرعان ما تبدد عندما لاحظت يد السيدة الحانية وهي تحمل طفلتها، ثم أوصلت السيدة إلى محطة القطار وأعطتها حقيبة تحتوي ملابس الطفلة وجميع أغراضها والمبلغ المطلوب، ودَّعت إيفيلينا طفلتها ودموعها تسبق كلمات الوداع.

السيدة هاردنك والجريمة البشعة ونهايتها

لم تذهب هاردنك بالطفلة موريس ابنة إيفيلينا إلى المنزل الريفي الجميل كما فهمت والدتها، بل أخذتها إلى فندق قديم على أطراف لندن، فكانت ابنتها العشرينية تقيم هناك، ألقت السلام على صاحبة الفندق وصعدت إلى غرفة ابنتها، وضعت موريس على منضدة خشبية قذرة ثم سحبت حقيبة من تحت المنضدة وأخرجت منها شريطًا لاصقًا، قطعت منه قطعة لفَّتها حول رقبة الصغيرة بإحكام حتى اختنقت وفارقت الحياة وسط ضحكات وقهقهات الأم المجرمة وابنتها.

استمرت السيدة هاردنك في ارتكاب جرائمها مع أكثر من 20 طفلًا معظمهم في ظروف مشابهة لحالة إيفيلينا بطلة هذه القصة

ثم كررت الفعل نفسه مع طفل آخر عمره 13 عامًا، وضعت هي وابنتها الجثتين في حقيبة قماشية كبيرة، ونزلتا من الغرفة وألقتا السلام على صاحبة الفندق الغافلة، وتوجهتا إلى نهر التايمز في بلدة ريدينج الريفية الهادئة وألقتا الحقيبة القماشية في النهر!

استمرت هاردنك في ارتكاب جرائمها هذه مع أكثر من عشرين طفلًا، وكان معظمهم في ظروف مشابهة لحالة إيفيلينا بطلة هذه القصة، هذا ما اكتشفته الشرطة عندما تلقت بلاغًا من ربان أحد القوارب التي تجوب نهر التايمز بعد عثوره على حقيبة قماشية تحتوي جثة رضيعة، وعليها ورقة مكتوب عليها اسم «أميليا داير» وهو الاسم الحقيقي لهاردنك، حُكم عليها بالإعدام شنقًا بعد أن اعترفت بجرائمها، في حين أنكرت اشتراك ابنتها معها في تلك الجرائم.

تُلقي قصة إيفيلينا وجرائم أميليا داير الضوء على فصل مظلم من التاريخ الاجتماعي، حين اجتمعت قسوة الظروف مع جشع الإنسان وانعدام الرقابة لتنتج مآسٍ لا تُحصى، إن ظاهرة (مزارع الأطفال) لم تكن حوادث فردية فقط، بل نتيجة لضغوط مجتمعية واقتصادية هائلة على النساء، ونقص حماية الأطفال غير الشرعيين، وعلى الرغم من أن هذه القصة قد تكون مؤلمة، فإنها تذكرنا بأهمية العدالة الاجتماعية، وحماية حقوق الطفل، واليقظة الدائمة ضد كل أشكال الاستغلال والقسوة.

إن مصير إيفيلينا وطفلتها، ومئات الأطفال الآخرين الذين لقوا حتفهم في تلك المزارع، يظل شاهدًا على ضرورة بناء مجتمعات أكثر رحمة وإنسانية، ويمكن للقراء المهتمين البحث أكثر عن (قضية أميليا داير) لفهم أعمق لهذه الجرائم المروعة وتأثيرها على التشريعات المتعلقة بحماية الطفل والتبني في بريطانيا لاحقًا.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة