ملخص قصة جئت لأتكلم في الهاتف فحسب لغابرييل جارسيا ماركيز

قصة «جئت لأتكلم في الهاتف فحسب» المأساوية تلخص كيف تحولت رغبة بريئة في إجراء مكالمة هاتفية طارئة إلى أسر دائم داخل مصحة عقلية بسبب سلسلة من سوء الفهم وتخلي زوجها عنها. وتُعد هذه التحفة السردية التي صاغها ( غابرييل غارسيا ماركيز ) نموذجًا صارخًا للواقعية العجائبية فيتقاطع سوء الحظ العاثر مع الشكوك القاتلة ليدفع بامرأة بكامل قواها العقلية إلى غياهب النسيان والاستسلام المرير داخل أسوار المصحة.

يُعد الأديب الكولومبي ( غابرييل غارسيا ماركيز ) واحدًا من أعظم روائيي القرن العشرين، أسس ببراعته مدرسة أدبية فريدة غيرت وجه الأدب العالمي. في هذا المقال الشامل، نغوص في أعماق سيرته الذاتية وأبرز أعماله الخالدة التي توجت بجائزة نوبل للآداب، كرائعته (مئة عام من العزلة).

ونسلط الضوء بالتحليل على واحدة من أكثر قصصه القصيرة رعبًا نفسيًا وتأثيرًا، وهي قصة (جئت لأتكلم بالهاتف فحسب) التي تستكشف هشاشة المصير الإنساني والخط الفاصل بين العقل والجنون، وكيف يمكن لصدفة بحتة أن تدمر حياة إنسان داخل أسوار مصحة عقلية قاسية.

من هو غبرييل غارسيا ماركيز؟

غابرييل غارسيا ماركيز المعروف بلقب «غابو» هو روائي وصحفي وناشط كولومبي، يُعد من أبرز أعلام الأدب العالمي. اشتهر بريادته لمدرسة «الواقعية العجائبية»، وحصل على جائزة نوبل للآداب عام 1982 تقديرًا لما أبدعه من روايات وقصص قصيرة جمعت بين الخيال والواقع.

نبذة عن حياة غابرييل غارسيا ماركيز

وُلد في 6 آذار / مارس 1927 م في بلدة «أراكاتاكا» بكولومبيا، بدأ مسيرته صحفيًا؛ ما أضفى طابعًا واقعيًا ودقة سردية على أدبه العجائبي. ورحل عن عالمنا في 17 نيسان / أبريل 2014 م في مدينة ( مكسيكو ) ب ( المكسيك ) عن عمر ناهز 87 عامًا.

أجمل رواياته و أشهر أعماله

يزخر الرصيد الأدبي لـ «غابو» بكثير من التحف السردية؛ وإذا تساءلنا ما هو أشهر كتاب لماركيز؟ فستبرز لنا القائمة التالية التي تبين أشهر محطاته الأدبية:

  • مئة عام من العزلة (1967): تُعد تحفته الفنية وأيقونة الواقعية العجائبية. تسرد قصة سبعة أجيال من عائلة «بوينديا» في قرية «ماكوندو» الأسطورية، وتُرجمت إلى عشرات اللغات.
  • ليس للكولونيل من يكاتبه (1961): رواية قصيرة ومؤثرة عن كولونيل متقاعد ينتظر رسالة بمعاشه التقاعدي لا تصل أبدًا.
  • وقائع موت معلن (1981): رواية بوليسية نفسية تدور حول جريمة قتل يعرف الجميع أنها ستقع دون أن يمنعها أحد.
  • الحب في زمن الكوليرا (1985): ملحمة رومانسية تروي قصة حب استمرت أكثر من نصف قرن بين «فلورينتينو أريثا» و«فيرمينا دثا».

ما أول رواية لغارسيا ماركيز؟

أما عن بداياته الروائية، فإن رواية «العاصفة» (La Hojarasca) الصادرة عام 1955 هي أول رواية له التي مهدت لظهور قرية ماكوندو الأسطورية. وبخلاف الروايات الطويلة، تميز ماركيز بقصصه القصيرة المأساوية الغامضة، ومنها هذه القصة الروائية الممتعة (ماريا دلا لوث ثرفنتيس: رحلة بريئة تقود إلى الجحيم).

الروائي الكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز من أبرز أعلام الأدب العالمي

ملخص قصة جئت لأتكلم في الهاتف

بمساء يومٍ من الأيام، استأجرت (ماريا دلا لوث ثرفنتيس) البالغة من العمر سبعة وعشرين عامًا سيارة لتعود لزوجها الساحر (ساتورنو) في (برشلونة)، بعد أن زارت أقاربها في (سرقسطة)، لكن السيارة تعطلت في صحراء (مونخيروس) بها.

فتركتها، ونسيت أن تأخذ المفتاح منها، وأوقفت حافلة، وقالت لقائدها أن يُنزلها في أقرب مكان به هاتف، كي تُخبر زوجها أنها لن تستطيع الوصول قبل السابعة مساءً، وفي الحافلة بدأت (ماريا) تغني، فأمرتها المرأة الجالسة بجوار قائد الحافلة أن تصمت كي لا توقظ النسوة النائمات من نومهن، فنظرت (ماريا) خلفها فوجدت الحافلة ممتلئة بسيداتٍ مسنات.

لما وصلت الحافلة لوجهتها، ظلت النسوة بأماكنهن حتى أمرتهن المرأة الجالسة بجوار قائد الحافلة بالنزول، ببادئ الأمر ظنت (ماريا) أنهن راهبات، لكنها تراجعت عن فكرتها تلك حين رأت عدة نساء يرتدين زيًا موحدًا في استقبالهن عند باب الحافلة ويوجهنهن بكل حزمٍ إلى الداخل دون التحدث إليهن.

الفخ اللامرئي: عندما يصبح الهاتف حلمًا بعيد المنال

تركت (ماريا) الصف، وركضت داخل المبنى بحثًا عن الهاتف، فأعادتها إحدى الحارسات إلى الصف، وقالت لها: من هنا يا عزيزتي يوجد هاتف.

واصلت (ماريا) السير مع النسوة الأخريات إلى أن دخلت عنبر نومٍ جماعي، بعدها جاءت امرأة مختلفة، بدت لـ (ماريا) أكثر إنسانية، واستعرضت الصف وهي تقارن بين قائمة بيدها وأسماء النسوة اللاتي وصلن للتو، والمكتوبة على بطاقاتٍ تعريفية معلقة في سلاسل بأعناقهن، وعندما وصلت إلى (ماريا) فوجئت بعدم وجود بطاقة تعريفية لها، فسألتها عن اسمها، فأجابتها، فلم تجد المرأة الاسم بعد أن راجعت القائمة عدة مرات.

فقالت لها (ماريا): لقد جئت لأتكلم في الهاتف فحسب، وأخبرتها بما حدث لها، بدا على المرأة أنها تستمع إليها باهتمام، لكنها قالت لها وهي تقودها نحو سريرها: حسنًا يا عزيزتي، لا بأس، يمكنك التحدث بالهاتف مع من ترغبين، لكن ليس الآن... غدًا.

حينها أدركت (ماريا) السبب الذي جعل نساء الحافلة يتحركن بهذا الشكل، فقد كن تحت تأثير المهدئات، وهذا المكان التي هي به الآن ما هو إلا مشفى نسائي للأمراض العقلية، فاستولى عليها الذعر، وركضت محاولةً الهرب من العنبر، وقبل أن تصل للباب أمسكت بها حارسة تُدعى «هرقل»، فقالت لها (ماريا) متوسلة: أقسم لك بأمي الميتة أنني جئت لأتكلم في الهاتف فقط.

مواجهة مع «هرقل» والوقوع في الأسر

كان يكفيها رؤية وجه الحارسة لتعرف أنه ما من توسل ممكن أمام تلك المرأة بسبب قوتها الهائلة، كانت «هرقل» مسؤولة عن الحالات الصعبة، وقد ماتت سجينتان بذراعيها الشبيهتين بذراعي الدب القطبي، والمدربة على فنون القتل غير المتعمد، وهي إلى ذلك تنتمي بالأصل لأسرة ذات تاريخٍ حافل بحوادث مشبوهة في عدة مصحات للأمراض العقلية.

كي تنام (ماريا) ليلتها الأولى اضطروا لحقنها بمنومٍ، وحينما استيقظت وجدت يديها مقيدة بالسرير، فراحت تصرخ، لكن لم يأبه أحدٌ لصراخها، واضطروا لنقلها للعيادة لأنهم وجدوا أن حواسها قد فقدت من الحزن وظائفها.

حين استعادت رشدها، رأت أمامها رجلًا عجوزًا يبتسم لها، فاستعادت سعادة الحياة، كان ذلك مدير المشفى، وقبل أن تقول له شيئًا، طلبت منه أن يعطيها سيجارة، فأعطاها علبة، فلم تتمالك (ماريا) نفسها وانهارت في البكاء.

فقال لها: انتهزي الفرصة الآن وابكي كما تريدين، فلا علاج أفضل من الدموع.

فتكلمت معه، وأنصت الطبيب إليها، وتحققت بذلك أول مرة بحياتها، أعجوبة أن تجد رجلًا يتفهمها ويصغي إليها دون أن يأمل بمضاجعتها مقابل ذلك. بعدها طلبت منه أن يسمح لها أن تتصل بزوجها، فقال لها: ليس الآن يا عزيزتي، كل شيء في أوانه.

بذلك اليوم سُجلت (ماريا) بالمشفى، مع عدم معرفة كيفية مجيئها إليها، وعلى الهامش تشخيص للحالة مكتوب بخط يد مدير المشفى: اضطراب في الشخصية.

الزوج الساحر (ساتورنو) والشكوك القاتلة

كما توقعت (ماريا)، فقد خرج (ساتورنو) لعمله من شقته المتواضعة بحي (هورتا) متأخرًا نصف ساعة، وكانت تلك هي المرة الأولى التي تتخلف فيها عن موعدٍ محدد منذ سنتين من زواجهما، وقبل أن يخرج، ترك لها على الباب رسالة، وبعد انتهائه من كل عرض كان يتصل بالبيت أملًا في أن ترد عليه (ماريا)، حتى تيقن تمامًا من أن مكروهًا قد أصابها.

وأخذ يفكر بطريقة تشاؤمية: كيف يمكن أن تكون المدينة دون زوجته، وقد تلاشى الأمل الأخير عندما وصل ووجد رسالته ما زالت معلقة على الباب، فاضطرب حتى إنه نسي تقديم الطعام للهر.

فاتصل بجدتها ليسألها عنها، لكن الجدة أخبرته أن (ماريا) قد غادرت البيت بعد تناول الغداء، بعدها ذهب للنوم وكأن شيئًا لم يكن، لما نام (ساتورنو) رأى حلمًا بدت فيه (ماريا) بثوب زفافٍ ممزقٍ ملطخٍ بالدم، فاستيقظ متيقنًا أنها قد تركته وحيدًا من جديد.

لقد فعلتها من قبل ثلاث مرات، ومع ثلاثة رجال مختلفين، كان هو واحدًا منهم، ففي صباح أحد الأيام اختفت (ماريا) من البيت، وتركت متعلقاتها بما في ذلك خاتم زفافها السابق، وتركت له رسالة كتبت فيها أنها لم تعد قادرة على العيش معه، فظن (ساتورنو) حينها أنها عادت لزوجها الأول، زميلها بالمدرسة الثانوية، لكنها عادت فيما بعد.

تلاشي الأثر وإغلاق ملف القضية

بيوم الإثنين من الأسبوع التالي، اتصلت شركة تأمين السيارة المستأجرة بالبيت لتسأل عن السيارة، فقال لهم (ساتورنو): إنه لا يعرف عنها شيئًا، ونصحهم بالبحث عنها في (سرقسطة)، وبعدها بأسبوع جاء شرطي إلى البيت ليخبر (ساتورنو) أنهم وجدوا السيارة بطريق (قادش)، أي على بعد تسعمئة كيلومتر من المكان الذي تركت (ماريا) فيه السيارة، فطلب (ساتورنو) منه أن لا يضيع وقته، لأنه متيقن من أنها قد هربت من البيت وهو لا يعرف مع من ولا إلى أين، فغادر الشرطي، وهكذا أُغلق ملف القضية.

راودت (ساتورنو) الشكوك بأن (ماريا) قد هربت مع ذلك الشاب الذي كان في حانة (ماريتيم). ففي أحد الأيام بعد أن استنزفت (ماريا) علبة السجائر، أعطاها ذلك الشاب سيجارة، فشكرته (ماريا) دون حتى أن تنظر إليه، لكن (ساتورنو) رآه.

بأحد مطاعم المأكولات البحرية في حي (برشلونيتا)، سلم عليهما كصديقين قديمين، وبسبب الطريقة التي قبل بها (ماريا)، والطريقة التي ردت عليه بها، ساروت (ساتورنو) الشكوك بأنهما كانا يلتقيان سرًا، وبعد عدة أيام وجد بالمصادفة اسمًا جديدًا ورقم هاتف سجلتهما (ماريا) بدفتر أرقام الهاتف المنزلي، فكشف له الرقم وصاحبه، فقد جاءت مذكرة ملاحظات (ماريا) لتقضي عليه نهائيًا: فنان ديكور يبلغ من العمر اثنتين وعشرين سنة، ابن وحيد لأسرة ثرية.

عندئذ اتصل به هاتفيًا، فردت عليه الخادمة، وقالت له: لقد خرج. ثم سألها عما إذا كانت (ماريا) موجودة، فقالت له الخادمة: إنه أعزب، ولا تسكن هنا أية (ماريا). فبدا له رد الخادمة السلبي دليلًا آخر على ما لم يعد مجرد شكوك بالنسبة إليه. بالأيام التالية اتصل بمعارفهما، لكنهم أخبروه أنهم لا يعرفون عنها شيئًا، فقرر نسيانها.

التعايش المرير داخل أسوار المصحة

مرت الأيام وشيئًا فشيئًا بدأت (ماريا) تندمج، وتحديدًا منذ الأسبوع الثالث، وكان الأطباء يقولون إنهن جميعهن يبدأن هكذا، ثم ينتهي بهن الأمر عاجلًا أو آجلًا إلى الاندماج، لكنها وعلى الرغم من مرور شهرين، فإنها لم تعتد بعد على حياة المصحة.

بعد أن نفد المال الذي بحوزتها، اضطرت للعمل بمشغل الزهور الاصطناعية، إذ وفرت لها البيزتات القليلة التي تكتسبها من صنع الأزهار الاصطناعية ما تحتاجه لشراء السجائر، وبذلك تغلبت على مشكلة شراء السجائر بعد أن كانت تبيعها لها إحدى الحارسات بأثمانٍ باهظة، ونسيت تمامًا أمر سجائر ورق الجرائد التي كانت تصنعها مع بعض السجينات من أعقاب يجمعنها من القمامة.

لم تتذكر (ماريا) كيف وجدت نفسها فجأة بمفردها بمكتبٍ مهجور به هاتف لا يكف عن الرنين، فأمسكت (ماريا) السماعة، وسمعت صوتًا يتسلى بتقليد خدمات الساعة الناطقة، فقد كان يقول: الساعة الآن الخامسة والأربعون، واثنتان وتسعون دقيقة، ومئة وسبع ثوانٍ.

فأغلقت الهاتف، واتصلت بـ(ساتورنو)، فرد (ساتورنو) على الهاتف، وقال: من؟ فقالت له متنهدة والدموع في عينيها: أنا (ماريا) يا عزيزي. فقال (ساتورنو) لها: يا لكِ من وقحة، ثم أغلق الهاتف.

فدخلت في نوبة هستيريا، تمكنت عبرها من التصدي لضرب السجانات اللواتي أردن إخضاعها، لكنهن لم يتمكن بنهاية المطاف، إلى أن جاءت «هرقل» وأخذتها إلى جناح المجنونات الهائجات، وسكبت عليها ماءً باردًا، فأدركت (ماريا) حينها أنه لا يوجد شيء في العالم تمتنع عن الإقدام عليه في سبيل نيل حريتها والهرب من ذلك الجحيم. وفي الأسبوع التالي، طلبت من إحدى السجانات إيصال رسالة لزوجها، فوافقت على طلبها، شارطة أن يبقى ذلك الاتفاق سرًا.

اللقاء الصادم: عندما ينقلب المنقذ إلى سجان

وهكذا ذهب (ساتورنو) إلى هناك، بشاحنة السيرك التي أعدها للاحتفال بعودة (ماريا)، فاستقبله المدير بمكتبه، وقدم له تقريرًا عن وضع زوجته، وأخبره أن حالتها خطرة، وكان أكثر ما شغل بال المدير معرفة الطريقة التي علم بها (ساتورنو) بمكان زوجته، لكن (ساتورنو) لم يخبره بما حدث، فقال له: لقد أخبرتني بذلك شركة تأمين السيارة المستأجرة.

أبدى المدير استعداده للسماح له بزيارتها مع اتخاذ الاحتياطات اللازمة، حال وعده (ساتورنو) بأن يتبع تعليماته، وذلك من أجل مصلحة زوجته، فعليه أن يتعامل معها بحذر لتفادي إصابتها بنوبة من نوبات الغضب ويصبح الوضع أكثر خطورة.

فقال (ساتورنو): إنه لأمر عجيب!، لقد كانت عصبية دائمًا، لكنها كانت تتحكم بنفسها جيدًا. فقال له الطبيب: هناك أنواع من السلوك تبقى كامنة لسنوات طويلة، ثم تنفجر فجأة، لذلك فهي محظوظة لأنها وقعت هنا، لأننا متخصصون بتلك الحالات.

كانت (ماريا) بوسط القاعة، وكان واضحًا أنها مستعدة للذهاب معه، وفي أحد الأركان كانت تقف «هرقل» مبتعدةً عن الأنظار، لم تتحرك (ماريا) حينما رأت زوجها يدخل، ولم يبد على وجهها أي تأثر بسبب جروح الزجاج. سألها: كيف حالك الآن؟ فقالت له: إنني سعيدة لأنك جئت أخيرًا، لقد عانيت الموت.

حدثته وهي تختنق بالدموع عن بؤسها، وعن بربرية الحارسات، وطعام الكلاب، وليالي الأرق الطويلة من الرعب. ثم قالت: لم أعد أعرف كم يومًا أو شهرًا مضى عليّ هنا، أظن أنني لن أعود أبدًا لأكون الإنسانة التي كنتها من قبل. فقال: سأواظب على المجيء كل سبت وبأيامٍ أخرى إن سمح المدير بذلك، وسيكون كل شيء على ما يرام. ثم قال لها: «باختصار، أنتِ ما زلتِ بحاجةٍ لبضعة أيام أخرى كي تستردي عافيتكِ تمامًا».

فقالت له: لا تقل لي إنك قد صدقت أنني قد جننت. فقال لها ضاحكًا: كيف يخطر ببالك شيء كهذا؟ كل ما في الأمر هو أنه من المناسب للجميع أن تبقي هنا لبعض الوقت. فقالت له: لكنني أخبرتك بأنني جئت لأتكلم بالهاتف فحسب.

النهاية المأساوية والاستسلام للواقع

حينها قالت لها «هرقل» إن وقت الزيارة قد انتهى، فتشبثت (ماريا) بعنق زوجها وهي تصرخ كمجنونة حقيقية، فأبعدها عنه، وتركها تحت رحمة «هرقل».

وبيوم السبت التالي ذهب إلى هناك، وقدم عرضًا مدهشًا استمتعت به السجينات، باستثناء (ماريا) التي رفضت مقابلته.

بعدها حاول تسليمها رسالة خطية منه، بعد أن رفضت مقابلته عدة مرات، لكنها أعادت إليه الرسالة دون أن تقرأها، ودون أي تعليق منها.

فقرر الزواج من إحدى عشيقاته، وقبل مغادرته (برشلونة) ترك الهر -الذي كاد يموت جوعًا- عند إحدى عشيقاته، وطلب منها الاعتناء به، وإيصال السجائر إلى (ماريا)، فواصلت حمل السجائر إلى (ماريا)، وقد بدت لها (ماريا) بصحةٍ جيدة يوم التقت بها آخر مرة، وكانت سعيدة في المصحة، وبذلك اليوم أخذت إليها الهر، لأن النقود التي تركها لها (ساتورنو) لإطعام الهر قد نفدت.

تجسِّد قصة ماريا دلا لوث ثرفنتيس السوداوية ذروة العبقرية الروائية لدى غابرييل غارسيا ماركيز في صياغة مآسي العزلة المفروضة والشرخ الإنساني الحاد المترتب على انعدام الثقة.

إن المفارقة الصادمة المتمثلة في تحول المكالمة الهاتفية إلى مبرر للاعتقال، وتفسير ردود فعل ماريا الطبيعية للدفاع عن حريتها أعراض صريحة للاضطراب الشخصي، يظهران هشاشة الخط الفاصل بين العقل والجنون في الأنظمة المؤسسية الصارمة. 

ومع انقطاع صلتها بالعالم الخارجي وتخلي ساتورنو عنها مدفوعًا بظنونه، يضعنا ماركيز أمام نهاية تراجيحية تبرز كيف يستسلم الإنسان في نهاية المطاف لواقعه الجديد عندما تغدو المحاولة في نيل الحرية ضربًا من المستحيل.

إن ما قرأتموه يعرض فقط بعض ملامح الرواية و لا يغني إطلاقًا عن قراءة الرواية.

إذا حاز ما كتبناه على إعجابكم فلا تنسوا الاشتراك حتى يتسنى لكم قراءة كل جديد.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة