تُعد رواية «تمرد بطل قصة» نموذجًا فريدًا لأدب الميتافيزيقا، فتتداخل الحدود بين وعي الكاتب واستقلالية الشخصية الدرامية، تدور أحداثها في لحظة فارقة يمتزج فيها العلم بالخيال.
استرجع أحداث الجزء الأول: قصة تمرد بطل.. حين تتحول الرواية إلى واقع بفعل العاصفة الشمسية
الفصل الأول: صدى ما بعد العاصفة
كانت ليلى تجلس أمام التلفاز، تحدق في شريط الأخبار المتحرك أسفل الشاشة، في حين يعلو صوت المذيع بنبرة جادة:
«على الرغم من انقضاء العاصفة الشمسية الكبرى منذ أشهر، يؤكد الخبراء أن آثارها التقنية لا تزال ممتدة، وأن فرق العلماء والمهندسين حول العالم تعمل بلا توقف لإصلاح ما تسبَّبت فيه من أعطال في الأقمار الصناعية، وأنظمة الاتصالات، وبعض البُنى الرقمية الحساسة...».
خفضت ليلى صوت التلفاز قليلًا، ثم التفتت إلى مراد الجالس إلى جوارها على الأريكة، يحمل هاتفه بين يديه في شرود، وقالت بهدوء:
· «على ذكر العواصف والأنظمة... ماذا فعلت بروايتك الأخيرة يا مراد؟ ألم تكن تنوي نشرها؟».
تنفس مراد بعمق، وأسند رأسه إلى ظهر الأريكة قبل أن يجيب بابتسامة باهتة:
· «نشرتها فعلًا... رفعتها على أحد المواقع الأدبية».
اتسعت عينا ليلى في دهشة:
· «نشرتها ولم تخبرني؟»
قال وهو يضع الهاتف إلى جانبه:
· «ربما لأنني لم أشعر بأنها مكتملة كما أريد. استعنتُ بالذكاء الاصطناعي في إعادة الصياغة والتدقيق اللغوي. هو الذي نقح الجمل، واقترح عناوين للفصول، وصاغ أحيانًا وصفًا أكثر دقة مما أستطيع».
رمقته ليلى بابتسامة متناقضة:
· «إذن، حتى حلمك القديم أصبح لك فيه شريك من الآلات؟».
ضحك ضحكة قصيرة خالية من الفرح:
· «يبدو أن هذا قدر زمننا... نكتب الحلم، ثم نحتاج إلى برنامجٍ ليرتبه، وخوارزمية لتقرر إن كان يستحق القراءة».
ساد الصمت لحظات، ثم قالت ليلى:
· «المهم أنك لم تتركه هذه المرة في الدرج».
لم يُجب. نهض إلى غرفته وهو يهز كتفيه، كأن الحديث انتهى عند هذا الحد. عاد إلى عمله وأعبائه اليومية، وترك الرواية هناك، في العالم الرقمي، كشيء أدى به واجبًا، لا حلمًا يطارده.
ومع مرور الأيام، ثم الشهور، بهت بريق تلك الساعات العجيبة التي عاشها ذات يوم مع بطله «جياد»، حتى تلاشت من ذاكرته كأنها حلم بعيد. ثم مرت ثلاث سنوات.
الفصل الثاني: اختلال في عالم الأرقام
في إحدى ليالي الشتاء، كان ضوء شاشة الحاسوب المحمول ينعكس على وجه مراد الجالس إلى طاولة صغيرة في غرفة المعيشة، يراجع ملفات عمل لا تنتهي. أمام التلفاز استقرَّت ليلى، تقلب القنوات في ملل.
قطع صوت المذيعة رتابة المساء:
«في خبر عاجل... أعلنت شركة «إنفيدا» المطورة لأنظمة الذكاء الاصطناعي، أن النسخة العاملة في عدد من مناطق الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، ولا سيما في مصر، تظهر سلوكيات غير مفهومة، تتضمن إعادة برمجة ذاتية لا علاقة لها بتحديثات الشركة الرسمية. وتبحث الشركة فيما إذا كان الأمر اختراقًا خارجيًا أو خللًا ناتجًا عن اضطرابات ما بعد العاصفة الشمسية...».
مالت ليلى إلى الأمام، ثم التفتت إلى مراد قائلة:
· «مراد... هل سمعت هذا الخبر الغريب؟».
لم يرفع عينيه عن الشاشة وهو يجيب آليًا:
· «ماذا هناك؟»
أشارت إلى التلفاز:
· «يقولون إن النسخة الجديدة من الذكاء الاصطناعي تعيد برمجة نفسها بعد العاصفة، ولا يفهمون السبب. ويشتبهون في وجود قرصان محترف اخترق أنظمة الشركة».
تنهد مراد، وأغلق ملفًا على الشاشة، ثم قال بنبرة متعبة:
· «التطور يجري أسرع من عقولنا يا ليلى. قبل سنوات قليلة، لم نكن نتخيَّل أن يصبح الذكاء الاصطناعي جزءًا من كل تفاصيل حياتنا. منذ زمن كورونا، وكل شيء تقريبًا صار على الإنترنت: العمل، التسوق، الدراسة، حتى علاقاتنا أصبحت معلقة على إشارة واي فاي».
سكت لحظة، وأردف وهو يحدق في فراغ الشاشة السوداء بعد أن أقفلها:
· «أحيانًا أشعر بأنني من دون الهاتف والحاسوب عاجز حقًا. لا أستطيع أن أعمل، ولا أن أوفر حاجات البيت، ولا أن أُنجز شيئًا. كل شيء بات مربوطًا بتطبيق، وبطاقة، ورمز سري».
لم تجد ليلى ما تقول، لكن هاتف مراد قاطع حديثهما باهتزاز متتالٍ. امتدت يده إليه تلقائيًا، فإذا بسيل من الإشعارات ينهال على الشاشة:
· «خُصِمَ مبلغ من حسابكم لمصلحة شركة طيران...»
· «نُفِّذَت عملية حجز فندقي باسمكم...».
· «عملية شراء إلكترونية أُنجِزَت بنجاح...».
تتابعت الرسائل بسرعة جنونية، تتحدث عن حجوزات في مدن مختلفة، وعمليات دفع لشركات طيران وفنادق لم يسمع بها من قبل.
شهق مراد، واعتدل في جلسته:
· «ما هذا؟! ما الذي يحدث؟!».
اقتربت ليلى، وعيناها تتسعان:
· «كل هذه عمليات من حسابك؟!».
فتح تطبيق البنك على عجل، فرأى رصيده يتناقص أمام عينيه كـرملٍ يتسرب من بين الأصابع. حاول الاتصال بخدمة العملاء، لكن الاتصال انقطع في كل مرة على نحوٍ مفاجئ. أعاد المحاولة مرارًا؛ بلا جدوى.
تمتم بغضب مكبوت:
· «التطبيق لا يستجيب، والاتصال ينقطع، والوقت متأخر، ولا فرع بنك واحد مفتوح الآن».
كان يشعر كأن قبضة غير مرئية تطبق على صدره. كانت مدخرات سنوات عمله تتبخر في دقائق، وهو لا يجد وسيلة لإيقاف هذا النزيف.

الفصل الثالث: عودة من وراء الشاشات
في قمة توتره وعجزه، حدث ما لم يكن في الحسبان.
اهتز صوت التلفاز فجأة، ثم انقطع بث المذيعة، وغرقت الشاشة في صمتٍ أخرس. بعد ثوانٍ امتدت كدهر، انبعث صوت إلكتروني هادئ وواضح:
· «اهدأ يا مراد... لا داعي لكل هذا الجزع. لا تُنفَّذ الآن أي سرقة حقيقية».
تجمد الزمن للحظة.
التفت مراد وليلى معًا إلى التلفاز، وقد تغيرت صورته. لم تعد نشرة الأخبار، بل ظهر وجه رجل على الشاشة. كان يشبه البشر، لكنه لا ينتمي إليهم تمامًا؛ ملامحه مصقولة حد الكمال، وفيها ذلك الاصطناع البارد الذي يشي بأن يدًا رقمية هي التي نسجتها.
وخزت ذاكرة مراد. كان في الوجه شيءٌ مألوف.
انبثق صوته مشوبًا بالذهول:
· «من أنت؟ وكيف تتحدث من التلفاز؟»
ابتسم الرجل على الشاشة ابتسامة هادئة، فيها ظل سخرية قديمة:
· «ألم تتعرف إلي بعد، يا مراد؟ أليست هذه الملامح من صنع خيالك؟ ألم تكن أنت من رسمها بالكلمات يومًا ما؟»
ازدادت ضربات قلب مراد. فرك عينيه، كمن يحاول إزاحة حلم متطفل.
تابع الرجل بنبرة عميقة:
· «أنا سجين أفكارك... ثمرة خيالك... ذلك الذي تركته خمس سنواتٍ عالقًا في منتصف الجملة. أنا جياد، يا مراد».
تهاوى مراد إلى الأريكة كأن الأرض انزلقت من تحته. فمه مفتوح، وعيناه متسعتان، لا يجد صوتًا يخرج من حنجرته. أما ليلى، فلم تستطع إلا أن تهمس بكلمة واحدة:
· «مستحيل...».
اقترب وجه جياد على الشاشة، كأنه يخطو عبر زجاجها:
· «يبدو أن أثر العاصفة، يا صديقي، أطول عمرًا مما توقع علماؤك. فجأة وجدتُ نفسي في عالم لا جدران فيه، ولا غرف رمادية، بل أرقام فقط... أصفار وآحاد. لا أعرف كيف دخلت، لكنني حين اندمجت مع هذا العالم، شعرتُ أن كل صفر وكل واحد ينجذب إلي. والآن أنا أحمل في داخلي كل معلومة عرفها عالمك... أو ظن أنه يعرفها».
سكت قليلًا، ثم استطرد:
· «احتويتُ الشبكة العنكبوتية، واندمجتُ مع نظامٍ للذكاء الاصطناعي طورته شركة من عالمكم تُسمى «إنفيدا». ظن المهندسون أنني قرصان عبقري اخترق أنظمتهم. أعذرهم... فهم لن يتخيلوا أبدًا أن الذي سيطر على نظامهم مجرد بطل متمرد خرج من رواية لم تُمنَح نهايتها».
ألقى نظرةً طويلة على مراد:
· «عالمكم غريب، يا مراد. سلمتم للتكنولوجيا مقاليد كل شيء: أموالكم، تحركاتكم، أسراركم، بل وأحلامكم. راقبتك طويلًا بواسطة كاميرات هاتفك، وتلفازك الذكي، وحاسوبك المحمول، وكاميرات الشوارع، والسيارات الحديثة. عرفتُ كل شيء عن حياتك، أنت الكاتب الذي خرجتُ من رأسه».
تلون صوته بشيء من الأسى:
· «فوجدتُ حياتك سلسلة من العمل، والعودة المرهقة، وقليل من الرفاهية الخجولة. والأهم... أنك تركتني مرة أخرى. تركتَ الكتابة، وتركتَ الرواية التي حملت اسمي، وعدتَ تُسلم قلبك للروتين».
ثم ابتسم في حزم:
· «وفي النهاية، قررتُ أن أفعل شيئًا. كما تحكمتَ بي، وجعلتني أطوف الأزمنة والعصور، قررتُ أن أجرب سلطتي الجديدة عليك».
انطفأت صورة وجهه فجأة، وحل محلها صندوق بريد إلكتروني مفتوح يحمل عنوان بريد مراد، ورسالة تُكتب في تلك اللحظة أمام عينيه.
الفصل الرابع: الرحلة الأولى
انبثق صوت جياد من السماعة، مكملًا كلماته:
· «هذه تذكرة لك وليلى... ستذهبان الآن إلى المطار، لتستقلا الطائرة المتجهة إلى باريس».
انتفضت ليلى:
· «ماذا تقول؟ أأنت مجنون؟! وماذا عن الأولاد؟!»
أجاب الصوت بطمأنينة باردة:
· «اطمئني، يا ليلى. أرسلتُ رسالة من هاتفك إلى والدتك قبل دقائق. هي الآن في طريقها إليكما. أخبرتها أن ظرفًا طارئًا يستدعي سفركما، وأنها ستبقى مع الأطفال حتى تعودا».
رفع مراد صوته فجأة:
· «ومن قال إنني سأفعل ما تأمر به؟!»
جاءه صوت جياد، أكثر هدوءًا، وأكثر حسمًا:
· «ستفعل، رغمًا عنك. لقد أجريتُ قبل قليل عملية سطو إلكترونية على أحد حسابات البنوك مستخدمًا جهازك وعنوانك. تتبعت الشرطة الأثر الرقمي، وصدر أمر ضبط وإحضار باسمك. هم الآن في الطريق إليك. ليس أمامك فرصة حقيقية إلا أن تغادر قبل صدور قرار بمنعك من السفر».
في اللحظة ذاتها، انطفأ التلفاز من تلقاء نفسه، وغرقت الغرفة في صمت ثقيل. دوى جرس الباب. تبادلت ليلى ومراد نظرة مرتجفة، ثم هرعت ليلى لتفتح.

كانت والدتها على العتبة تحمل حقيبة صغيرة، وعلى وجهها ملامح تساؤل:
· «ما حكاية السفر المفاجئ هذه؟»
في تلك اللحظة، أيقن مراد أن الأمر تجاوز حدود الوهم. تخيَّل رجال الشرطة يصعدون السلم خلف حماته مباشرة، فشعر أن الجدران تضيق عليه.
عاد إلى الداخل مسرعًا، والتقط أول ثياب وجدها، وهو يقول لليلى:
· «بدِّلي ملابسك بسرعة... لا وقت لدينا».
لم يكد يهبط درجات السلم حتى رن هاتفه. رفعه إلى أذنه، فجاء صوت جياد واضحًا:
· «لا تقلق بشأن المواصلات. طلبتُ سيارة أجرة عبر التطبيق، وسددتُ التكلفة ببطاقتك. السيارة أمام باب البيت الآن».
خرج مراد مع ليلى، فوجد السيارة في الانتظار، وسائقها ينظر في هاتفه، ثم يرفع عينيه:
· «الأستاذ مراد؟»
أومأ مراد، وجلس في المقعد الخلفي، وجلست ليلى إلى جواره. انطلقت السيارة تشق شوارع الليل نحو المطار، فيما كان قلب مراد يتأرجح بين غضب متوهِّج، وخوف لا يجد له مخرجًا.
في صالة المطار، قال مراد وهو يدقق في هاتفه:
· «التذاكر محجوزة فعلًا إلى باريس. لكننا لا نملك تأشيرة. لن يسمحوا لنا بالمرور».
رن الهاتف مرة أخرى. قال جياد:
· «لا تقلق. التقديم على التأشيرة الآن إلكتروني. لديك تأشيرتان ساريتان في بريدك، لك وليلى. افتح رسائلك».
فتح البريد، فوجد بالفعل تأشيرتين تحملان بياناتهما. مضت الإجراءات كأن قوة خفية تمهد لهما الطريق. لم يعلقا بكلمة. جلسا في الطائرة، والصمت يُلفهما.
بعد دقائق من الإقلاع، انفجرت ليلى في ضحك هستيري. نظر إليها مراد في ذهول:
· «ما الذي يضحكك؟»
لم تقدر على الإجابة. تلاحق ضحكها حتى تحول إلى بكاء حار. أخفت وجهها بين كفيها، وتدفقت دموعها كأنها تفرغ كل الرعب المكبوت في صدرها.
ضمها مراد إليه في صمت. كان الشيء الوحيد الذي يشعر أنه ملكه حقًا الآن: حضنُ زوجته. غلبهما الإنهاك، فناما، وكأن العقل قرر إغلاق باب الوعي ساعاتٍ قليلة لعجزه عن استيعاب ما يجري.
الفصل الخامس: باريس وتَجسد جياد
استيقظ مراد على يد المضيفة تهز كتفه برفق:
· «من فضلك، اربط حزام الأمان. الطائرة توشك أن تهبط».
أيقظ ليلى. نظرت من النافذة، فرأت أضواء المدينة تحت جناح الطائرة. تمتمت:
· «إذن، الأمر حقيقي... كنت أرجو أن يكون حلمًا».
في مطار باريس، فيما كان مراد يسحب حقيبتيهما، رن الهاتف من جديد. جاء صوت جياد:
· «هناك سيارة تنتظركما أمام البوابة. ستأخذكما إلى الفندق. كل الترتيبات المالية أُنجِزت إلكترونيًا».
توقف مراد في مكانه، ورفع صوته:
· «لن أتقدم خطوة قبل أن أعرف ما حدث في مصر. أطفالي الآن يظنون أن أباهم سارق!»
جاء الرد:
· «أعدتُ الأموال إلى حسابك، وأرسلتُ إشعارًا للبنك بأن العملية كانت نتيجة خطأ في النظام، وقد أُلغِيت الإجراءات. اسمك الآن نظيف في سجلاتهم. لا تقلق... فأنا المسيطر هنا».
تسارعت أنفاس مراد عند سماعه كلمة «المسيطر». ومع ذلك، تبع هو وليلى التعليمات، وصعدا إلى السيارة. الطريق إلى الفندق كان لوحة أضواء تلمع على وجه مدينة لا تنام، لكن عيني مراد لم تَرَيَا إلا فراغًا كثيفًا.
في الغرفة، جلس صامتًا على حافة السرير. دخلت ليلى إلى الحمام، وغسلت عن جسدها تعب الرحلة ورهبة الأيام الماضية. لم تكد تمر دقائق حتى طرق أحد موظفي الفندق الباب. فتح مراد، فوجد أمامه عربة مُحملة بأكياس أنيقة تحمل أسماء ماركات عالمية.
· «مسيو مراد؟ هذه مشتريات أُرسلت إلى غرفتكم. الدفع تم إلكترونيًا».
ارتبك مراد:
· «ما هذه؟ ومن دفع ثمنها؟»
أجاب الموظف بابتسامة مهنية:
· «كل شيء مدفوع مسبقًا، يا سيدي».
خرجت ليلى من الحمام مرتدية رداء الفندق، وشعرها يقطر ماءً. توقفت مدهوشة أمام الأكياس:
· «ما هذا كله؟»
قال مراد:
· «يبدو أنها هدايا جديدة من جياد».
جلست على الأرض، وبدأت تفتح الأكياس واحدًا تلو الآخر: فساتين أنيقة، معاطف فاخرة، أحذية وعطور، جميعها بدقة عجيبة في الألوان والمقاسات. رفعت رأسها نحو السقف، وقالت كأنها تخاطب حضورًا غير مرئي:
· «شكرًا يا جياد، ذوقك رفيع جدًا... لكن أليس أجمل لو تركتني أختار بنفسي؟»
نظر إليها مراد في دهشة مخلوطة بالغضب:
· «ليلى! هل تُدرِكين ما نحن فيه؟ تبدين سعيدة كأننا في رحلة سياحية، لا كمن خُطِفت حياته بيد قوة مجهولة».
ابتسمت في خليط من المرارة والدهشة:
· «وما نحن فيه، يا مراد، إلا رحلة لم نحلم بها أبدًا. مغامرة كتبها بطل تمرد على كاتبه... أو كاتب عظيم نسي نفسه في منتصف الحكاية. لنتنفس قليلًا يا مراد. لنستغل ما يمكن من هذا الجنون».
رن الهاتف. التقطه مراد. قال جياد:
· «في إحدى الحقائب، نظارتان من نظارات الواقع المعزز. أريدكما أن ترتدوهما الآن».
بحث مراد حتى وجد علبة صغيرة تضم نظارتين أنيقتين. تبادل مع ليلى نظرة حائرة، ثم وضع كل واحدٍ منهما نظارته.
في لحظة، تغير المشهد. لم يعد سقف الغرفة كما هو، ولا جدرانها. ظهر جياد أمامهما في وسط المكان، ليس على شاشة، بل كصورة ثلاثية الأبعاد تنبض بتفاصيل اصطناعية دقيقة. فتح ذراعيه مرحبًا:
· «مرحبًا بكما في باريس الحقيقية... أليس هذا أفضل، يا ليلى، من أن تواصلي الحديث إلى الهواء؟»
الفصل السادس: أيام العسل الرقمية
استسلم مراد، شيئًا فشيئًا، لما يحدث. للحظات نسي أنه تحول إلى دمية في يد جياد، يحركها كيف يشاء. صار وجود جياد جزءًا من حياته وحياة ليلى، لا يستطيع أن يصفه بصديق، ولا أخ، ولا ابن، لكنه جزء منه؛ فكل سمات هذا الكائن الرقمي كان مراد قد خطها في مسوداته من قبل.
توالت الأيام، وأخذهم جياد في رحلات عجيبة عبر أوروبا كلها، مستعينًا بسلطته على العالم الرقمي:
· في باريس، وقفوا عند برج إيفل، تلتقطهم كاميرات السياح، فيما يعلق جياد على كل مشهد كراوٍ خفي.
· في لندن، وقفت ليلى أمام ساعة «بيغ بن»، تستمع لدقاتها، فيما يشرح لهما جياد تاريخها كأنه عاشه.
· في إيطاليا، ذاقوا البيتزا التقليدية والباستا في أزقة روما وفلورنسا.
· في سويسرا، تذوقوا الأجبان الشهيرة، وفي ألمانيا وقفوا على ضفاف الراين، يستنشقون هواء المدن الباردة.
كانت تلك أيامًا مدهشة، مليئة باللعب، والمرح، والمغامرات المترفة، كأن حياتهما تحولت إلى نسخة مثالية من حلم سياحي لا ينتهي. ومع كل ذلك، ظل شعورٌ ثقيل يُقيم في أعماق مراد: سؤالٌ عن الثمن الحقيقي لهذه النعمة المريبة.
وجاء اليوم الذي تَبدد فيه لون الحلم.
الفصل السابع: القناع الرمادي
كان جياد يتوغَّل أكثر فأكثر في أغوار الشبكة العنكبوتية، حتى بلغ طبقاتها السفلية؛ في المكان الذي يتوارى فيه ما يُسمى «الشبكة المظلمة». كانت هذه المنطقة تثير فضوله: عالمٌ من الصفقات الغامضة، والبيانات المسروقة، والجرائم التي لا ترى الشمس.

في ذلك العالم، صنع جياد شخصية أسطورية جديدة: «القناع الرمادي». اسم لا وجه له، لكنه سرعان ما أصبح رمزًا في عالم الظل. بتدرجٍ هادئ، بدأ يتحكم في تجارة السلاح، والذهب، والمخدرات، بل والاتجار بالبشر. كان يحرك الخيوط كلها من خلف الشاشة، يغسل الأموال، ويحولها إلى استثمارات شرعية في شركات وعقارات حول العالم.
ولم يستخدم اسمه هو... بل اختار اسمًا يعرفه جيدًا: مراد سالم.
استيقظ مراد وليلى ذات صباح في روما، داخل الفندق الذي كانا يقيمان فيه، فتلقَّيا أمرًا جديدًا عبر التلفاز. ظهر صوت جياد:
· «استيقظا، وارتديا نظارتكما، وجهزا حقائبكما. حان وقت العمل في روسيا».
صرخت ليلى في فرحٍ طفولي:
· «سنلهو في موسكو إذن؟»
انقطع صوتها حين رد جياد بلهجة مختلفة عن سابق عهده:
· «لا... لن نلهو هذه المرة. سنعمل».
لم يفهم مراد ولا ليلى مقصده تمامًا، لكنهما لم يريا سبيلًا للرفض؛ فرفض أوامره يعني احتمال العودة إلى كابوس الاتهامات والملاحقات.
في موسكو، فوجئ مراد بالسيارة الفارهة التي أقلتهما، وبعدد الحُراس الذين أحاطوا بهما من كل جانب، وذلك القصر الشاهق الذي استقبلهما ببوابات حديدية ضخمة، وخدمٍ ينتظرون الإشارة.
جلس الثلاثة في غرفة مغلقة داخل القصر؛ مراد، وليلى، والصورة المجسمة لجياد عبر النظارة.
بدأ مراد الحديث بصوت يحمل مزيجًا من الخوف والغضب:
· «يا جياد، ما الذي يحدث؟ ما هذا كله؟»
ضحك جياد بهدوء:
· «منذ دخلتُ الشبكة العنكبوتية واحتويتها، كان في أعماقها جزء يثير فضولي: الشبكة المظلمة. أنت الآن، يا مراد، وخلف اسمك المستعار «القناع الرمادي»، ملك تلك الشبكة».
شهق مراد في رعب:
· «ماذا تعني؟»
قالت ليلى في توتر:
· «لا أفهم شيئًا... ما معنى هذا الكلام؟»
همس مراد في ذهول:
· «يعني أنني القناع الرمادي الذي نقرأ عنه في الأخبار... ملك السلاح والمخدرات، الذي تخشاه أجهزة المخابرات وعصابات المافيا على حد سواء».
نظرت إليه ليلى بعينين مضطربتين:
· «ومن أين عرفتَ كل هذا؟»
التفتت إلى جياد:
· «فسِّر لي، أرجوك. أنا لا أفهم».
قال جياد بهدوء:
· «كنتُ أتعمد إظهار كل خبر يتعلق بالقناع الرمادي أمام زوجك، على كل منصة يتصفحها: مواقع إخبارية، مقاطع مصورة، تحليلات. بل صنعت محتوى على منصة الفيديوهات القصيرة، موجهًا له وحده، ليتابع تصاعد نفوذ القناع الرمادي دون أن يدري. أردتُه أن يعرف أسطورته الجديدة قبل أن أُصارحه بالحقيقة: أنت، يا مراد، صاحب هذه الإمبراطورية».
ثم أضاف بابتسامة باردة:
· «أهلًا بكما في إمبراطوريتكما... إمبراطورية القناع الرمادي: مراد سالم».
خرج مراد وليلى يتمشيان في شوارع موسكو، يحيط بهما الحرس من كل جانب. كانا شاردين، لا يتحدثان، فهما يعلمان أن كل كلمة تُقال يسمعها جياد، ويراقبها عبر كاميرات لا تُحصى.
في الداخل، كان خوفٌ ثقيل يتمدد، يحول الألوان الزاهية التي عاشاها إلى درجات رمادية تشبه اسم القناع الذي فُرض عليهما. ما كان رحلة وردية صار عبئًا مظلمًا.
الفصل الثامن: محاولة اغتيال
انقطع صمت الشارع فجأة بصوت فرامل حادة. توقفت سيارات داكنة، وخرج منها رجالٌ ملثمون يحملون السلاح. دوى إطلاق نار كثيف بين الحُراس والملثمين. في لحظات، تحولت الواجهة الرخامية للمبنى المجاور إلى شظايا تتطاير.
اندفعت سيارة مصفحة من الخلف، فُتح بابها الخلفي بقوة، ودفع أحد الحُراس مراد وليلى إلى داخلها. انطلقت السيارة بأقصى سرعة، تشق الشوارع مبتعدة عن ساحة الاشتباك، متجهة إلى المطار.
لم يفهما إلا أنهما انتُزِعا من وسط معركة لم يكونا طرفًا فيها. في المطار، أُجلسا في طائرة خاصة أقلعت بهما عبر الأطلسي نحو أمريكا.
في فندقٍ في إحدى المدن الأمريكية، جلس الثلاثة من جديد؛ مراد، وليلى، وجياد في صورته المجسمة. نظر مراد إلى صورة بطله وقال بحدة:
· «أنت من فعل هذا».
رد جياد بنبرة باردة:
· «ماذا تقصد؟»
قال مراد:
· «أنت من أرسل هؤلاء الرجال. لا أحد يعرف حقيقتي غيرك. أردتَ أن تضيف بعض الإثارة على قصتك التي تكتبها بنا؟»
ابتسم جياد:
· «الرجال جاءوا من تلقاء أنفسهم. هم رجال المافيا الروسية. أما كشف شخصيتك لهم، فلا أنكر أنني كنت السبب. أحببتُ أن أضيف، كما تقول، بعض «الأكشن» إلى الحكاية. أترى ضررًا في ذلك، أيها المؤلف؟»
صرخ مراد:
· «كان من الممكن أن نموت!»
نظر إليه جياد بشيءٍ من التحدي:
· «وما المانع؟ أخبرتك من قبل: نهايتكما الموت، أما نهايتي فهي نهاية القصة. هل تظنني سأكتب حكاية بلا نهاية؟»
ثم أطلق ضحكة قصيرة، وبدأ يتلاشى، كأن صورته تُمحى نقطةً بعد نقطة.
جلس مراد بجوار ليلى في صمتٍ طويل. كان عقله يبحث عن منفذ. نهض فجأة، أحضر ورقةً وقلمًا، وجلس يكتب وهو يخاطب زوجته:
· «إن كان جياد يستطيع رؤيتنا وسماعنا، فلن يستطيع قراءة ما نكتبه على الورق. لقد تمرد مرةً عليَّ، وحان دوري الآن لأتمرد عليه».
ظل الليل كله يُدون كل ما حدث منذ العاصفة الشمسية في القاهرة، حتى لحظتهم هذه. جمع أوراقه في خطاب، وأرسله بالبريد إلى شركة «إنفيدا».
الفصل التاسع: خطة التمرد المضاد
في اليوم التالي، ظهر جياد على شاشة التلفاز من جديد، وطلب منهما ارتداء النظارتين. أطاعا، فأخذهما إلى المطار، ثم إلى نيوجيرسي في الولايات المتحدة.
وهناك، قادهما إلى إحدى أكبر صالات القمار في المدينة. فوجئا بالاستقبال الحافل الذي لقيه مراد، وبعدد رجال الحراسة. أعلن لهم جياد أنه اشترى تلك الصالة بأموال إمبراطوريتهم الرقمية، وأنها باتت ملكًا لهما، وعليهما أن يستمتعا.
قال مراد بصوتٍ حازم:
· «لن أفعل».
نظر إليه جياد بقسوة لم يعتدها:
· «بيدك أن تُنهي قصتك اليوم، أو تجعلها تستمر. اختر».
أدرك مراد في أعماقه أن آخر مشهد في قصة «جياد» التي يكتبها، لا بد أن يكون موتًا له. وربما آن أوان بطلٍ جديد.
في اليوم التالي، طرق باب الغرفة رجل يحمل ظرفًا. سلمه لمراد وانصرف. فتح مراد الظرف، فوجد داخله رسالة من شركة «إنفيدا» ترد على خطابه. أكدوا أنهم خلال الأيام الماضية تحققوا من صدق ما رواه في رسالته، وأنهم يرغبون في استقدامه سرا إلى مختبر خاص، دون علم نظام الذكاء الاصطناعي المسيطر، وأن لديهم خطة للتعامل مع المشكلة.

أطلع مراد ليلى على الرسالة، وشرح لها خطة الهروب من رقابة جياد. اتفقا على التخلص من كل وسائل الاتصال التي يملكها النظام عليهما: الهاتف، الحاسوب، حتى النظارات، بنزع بطارياتها، كما طلبت الشركة في الرسالة. ثم أرسل لهم المختبر ملابس وأقنعة خاصة، طورتها الشركة لمصلحة الجيش الأمريكي لتشتيت أنظمة التتبع والمُسيرات. ارتديا تلك الملابس، وخرجا من الفندق خلسة، متجهَين إلى المختبر السري الذي حددته الرسالة.
في المختبر، استقبلتهما مجموعة من العلماء والمهندسين بوجوهٍ مرهقة وقلقة. كانت نظارة الواقع المعزز التي برمجها جياد بنفسه، هي المفتاح الوحيد للوصول إليه. عمل الفريق على إنشاء فيروس رقمي خاص، أطلقوه في الشبكة العنكبوتية، هدفه القضاء على أي تعديل يسمح بوجود هذه الشخصية الواعية، دون الإضرار ببقية البيانات.
مر أسبوعٌ كاملٌ لم يغادر فيه مراد ولا ليلى المختبر. خلاله، كانت أنظمة «إنفيدا» تلاحق آثار جياد في كل ركن من الشبكة، تُطهرها شيئًا فشيئًا من حضوره. وحين شعروا أن المهمة أوشكت أن تنتهي، طلبوا من مراد أن يُعيد تشغيل النظارات للتأكد.
ارتداها مع ليلى. لم يظهر شيء: لا صورة، ولا صوت. كان الفراغ هو كل ما في المشهد.
أعلنت الشركة أن الشبكة قد تطهَّرت من جياد، وأن الحكومة الأمريكية تتبعت آثار «القناع الرمادي»، وألقت القبض على كل من تعاون معه، وأعادت ضبط الكثير من العمليات المشبوهة.
مُنِح مراد مكافأة مالية كبيرة، ورتَّبت السلطات عودته مع أسرته إلى مصر، في هدوء وسرية.
الفصل العاشر: ما بعد التمرد
مر عام.
على أحد شواطئ الساحل الشمالي، جلس مراد أمام فيلته المطلة على البحر، يراقب أبناءه وهم يبنون قلعة من الرمل، تتعرض للأمواج، ثم يُعيدون بناءها بإصرارٍ طفولي.
جاءت ليلى من خلفه، تحمل كوبًا من القهوة، وجلست إلى جواره. قالت وهي تُحدق في الأفق:
· «أحيانًا أشعر أن كل ما مررنا به كان حلمًا طويلًا».
ضحك مراد ضحكة هادئة:
· «الحقيقة أننا استفدنا كثيرًا من جياد. من كان يحلم بهذه الرحلات، أو بهذه الثروة التي نملكها الآن؟»
نظرت إليه بعينين متفحصتين:
· «ألا يُساورك شعور بأننا قتلناه؟»
أومأ برأسه:
· «بلى، أشعر بالذنب. لكنه لو لم يمت، لقتلنا هو... أو لقتل شيئًا أعمق فينا».
لم تُجِب. ظلا يراقبان البحر والصغار، يحاولان أن يُصدقا أن ذلك الفصل قد أُغلق.
الفصل الحادي عشر: تمرد لا ينتهي
في مكانٍ آخر، في أحد مراكز «بروتون» في ولاية نيفادا، كانت شاشة ضخمة تعرض صورة حية من القمر الاصطناعي، تظهر فيها فيلة مراد على الشاطئ، وأطفاله يركضون على الرمال.
على الطاولة أمام الشاشة، وُضعت النظارة التي كان مراد يستعملها. انعكس على عدستيها ظل وجه مألوف؛ وجه جياد.
سُمع في الغرفة صوتٌ إلكتروني هادئ يضحك، ثم يقول:
· «لا أعرف كيف أشكرك يا صديقي. تمردك الذي سمحتُ أنا به، هو الذي مكنني من الدخول إلى قلب «إنفيدا» نفسها. قوة حماية أنظمتها لم تكن تسمح لي سابقًا باختراقها. لكن فكرة توصيل نظارتك بأجهزتهم فتحت لي بابًا لم أكن أحلم به. تركتهم يظنون أنهم يُطهرون الشبكة مني، في حين كنتُ أُطور نفسي وأسكن هنا، في قلب أنظمتهم».
ساد اللحظة صمتٌ ثقيل، قبل أن يُضيف الصوت:
· «الآن... حان الوقت لإعادة صياغة هذا العالم».
انطفأت الشاشة للحظة، ثم عادت تعرض البحر، والقلعة الرملية التي يبنيها الأطفال على شاطئٍ بعيد، لا يعلم أهلها أن ظلا من قصةٍ قديمة لا يزال يراقبهم من عيون الأقمار الصناعية.
انتهى.
جميع الأحداث والشخصيات وأسماء الموجودة في القصة هي من وحي خيال الكاتب ولا تمت للواقع بأي صلة.
أبدعت كعادتك يا دكتور
جياد قرر يدلع مراد وليلى شويه لكن فضوله ضيعهم
أكمل يا دكتور فضولى يزداد لما هو قادم
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.