حريق لندن الكبير 1666: القصة الحقيقية لدمار العاصمة الإنجليزية وإعادة إعمارها

بدأ حريق لندن الكبير عام 1666 في الساعات الأولى من يوم 2 سبتمبر داخل مخبز صغير، وامتد بسرعة هائلة ليدمر معظم أجزاء مدينة لندن القديمة المبنية من الخشب. استمر الحريق لأربعة أيام، وأسفر عن خسائر مادية فادحة تمثلت في تدمير أكثر من 13 ألف منزل، قبل أن يتوقف بفضل تغير اتجاه الرياح وعمليات هدم المنازل الاستباقية. مثَّل هذا الحدث نقطة تحول كبرى؛ لأنه أدى إلى تغيير جذري في قوانين البناء والانتقال من العمارة الخشبية إلى الحجرية.

يُعد حريق لندن العظيم الذي وقع في 2 سبتمبر عام 1666 أحد أسوأ الكوارث في التاريخ الأوروبي، وللباحثين عن: كيف بدأ حريق لندن الكبير؟ في هذا المقال الوثائقي، نستكشف أسباب حريق لندن، ونكشف حقيقة خسائر الحريق العظيم، وكيف قاد الملك تشارلز الثاني جهود إعمار لندن بعد الحريق لتنهض المدينة من رمادها.

لم يكن حريقًا عاديًّا على مستوى الخسائر البشرية والمادية، ولا على مستوى نطاق انتشار النيران، فضلًا على كون الحريق طال إحدى أهم المدن في العالم، وهي العاصمة الإنجليزية لندن، التي عاشت أيامًا صعبة، وتشرد معظم سكانها، وكادت النيران أن تصل إلى قصر الملك.

تاريخ لندن القديمة قبل كارثة حريق لندن 1666

في منتصف القرن السابع عشر وقبل وقوع حريق لندن 1666، كانت لندن هي المدينة الأكبر والأعظم والأكثر جمالًا في بريطانيا، وكان عدد سكانها قد وصل إلى نحو نصف مليون نسمة، وأصبحت المدينة على قدرٍ كبيرٍ من التطور والحداثة.

إضافة إلى الطابع التاريخي الذي يظهر في تاريخ لندن القديمة التي تُحاط بسورٍ رومانيٍّ قديم، وهو ما جعل العاصمة محط أنظار الناس في كل مكانٍ في أوروبا، وكتب عنها المؤلفون والأدباء الكثير من القصص والروايات والأشعار.

من ناحيةٍ أخرى، كانت البيوت الخشبية تملأ مدينة لندن، وكان توجد كثير من الشوارع الضيقة التي ربما تضفي خصوصيةً كبيرةً على المدينة وتمنحها طابعًا تاريخيًا، لكنها أيضًا كانت مصدرًا للخطر، لا سيما في حالات الحريق، لأنه لم يكن من السهل تخطيط تلك الشوارع القديمة وإعادة تنسيقها، وهو ما يحتاج إلى هدم آلاف البيوت.

ومع زيادة أعداد السكان في مدينة لندن، أصبحت الطرق مكتظةً بالناس، وأصبحت الشوارع والحارات الضيقة ذات الرصف الرديء مزدحمةً بالمارة، ما سبب عددًا من المشكلات اليومية، وهو ما ظهر في بعض الحوادث التي وقعت في لندن قبل الحريق الكبير، مثل الحريق الذي اندلع عام 1632 وطال عددًا من البيوت الخشبية، لأن الناس كانوا دائمًا يستخدمون مواد البناء ذات السعر الزهيد، في حين كان قلب مدينة لندن هو المكان الذي يحتوي القصور والبيوت الحجرية التي تخص التجار والنبلاء والسماسرة.

قصة حريق لندن الحقيقية

حريق لندن الكبير

متى حدث حريق لندن العظيم؟ على الرغم من وجود عدد من الروايات المتضاربة بشأن بداية الحريق العظيم في لندن، فإن الرواية السائدة التي تتناولها معظم المصادر التاريخية مثل مذكرات الكاتب صموئيل بيبس الذي وثق الحدث لحظة لحظة، وتخبرنا كيف بدأ حريق لندن الكبير 1666؟ فتقول: إن الحريق بدأ يوم 2 سبتمبر عام 1666 عندما اشتعلت النيران في مخبز «توماس فارين» في شارع «بادينجلين»، قبل أن تنتشر النيران بعد ذلك إلى غرب المدينة، وهو ما يُعرف تاريخيًّا بأنه سبب حريق لندن الكبير.

ومع تصاعد ألسنة اللهب وضعف إجراءات الدولة في مكافحة الحرائق، امتدت النيران لتلتهم البيوت الخشبية وتكمل طريقها في اتجاه قلب المدينة، وهو الوقت الذي عجزت فيه سلطات لندن عن اتخاذ إجراءٍ قويٍّ لمنع انتشار الحرائق، لأن الأمر كان يحتاج إلى هدم بعض البيوت لإيقاف النيران، وهو القرار الذي تردد فيه عمدة المدينة قبل أن يصدر أوامره للعمال بهدم البيوت مساء اليوم نفسه، وبعد ساعاتٍ طويلةٍ من اندلاع النيران، وتُعد البنية التحتية الخشبية وتأخر القرار من أبرز أسباب حريق لندن الكارثية.

وفعلًا بدأ العمال في عملية هدمٍ استهدفت البيوت والمباني التي كان من المتوقع أن تتجه إليها النيران، لكن الرياح لم تُتح لهم الفرصة للسيطرة على الحريق، لأن الأمر تحوا إلى عاصفةٍ ناريةٍ أدت إلى اندفاع النيران نحو قلب المدينة، وانتشرت الحرائق في أغلب أجزاء لندن، وحطمت كاتدرائية القديس بولس، وكادت أن تصل إلى بلاط الملك تشارلز الثاني.

كيف بدأ حريق لندن الكبير؟

إخماد حريق لندن الكبير

كيف توقف حريق لندن الكبير؟ منذ يوم الأحد 2 سبتمبر عام 1666 حتى يوم الأربعاء 5 سبتمبر من العام نفسه، ظلَّت النيران تدمِّر كلَّ شيءٍ في طريقها حتى قضت تمامًا على مدينة لندن القديمة التي تعود إلى القرون الوسطى.

وسقط السور الذي يحيط بالمدينة الذي يُعَدُّ أحد الآثار الرومانية العظيمة، لكن السلطات في لندن استطاعت السيطرة على الحريق أخيرًا بعدما ساعد المناخ على إخماده حين انخفضت الرياح الشرقية، ثم كان لعمليات الهدم السريعة دورٌ في السيطرة على الحريق، إضافة إلى استخدام حامية برج لندن لتكوين حواجز لمنع النيران من الانتشار نحو الشرق.

والغريب في الأمر أن مدينة لندن، التي كانت تعاني انتشار الحرائق، عاشت عددًا من الاضطرابات في أثناء اندلاع النيران بالشائعات التي انتشرت كالنار في الهشيم، فقد تحدَّثت عن وجود مجموعةٍ من الأجانب يضرمون الحرائق في المدينة، وهو ما جعل السلطات تشتبه في الفقراء والهولنديين والفرنسيين.

وعلى هذا، أُقيمت المحاكمات السريعة التي أدَّت إلى إعدام كثير من الأبرياء لإرضاء الرأي العام، بدلًا من الاهتمام بالبحث عن الأسباب الحقيقية التي أدَّت إلى الحريق.

خسائر حريق لندن الكبير

على مدار أكثر من ثلاثة أيام، كانت النيران تدمِّر كلَّ شيءٍ في طريقها في مدينة لندن العظيمة، وهو ما أدَّى إلى هدم المدينة القديمة بالكامل. كما كادت النيران أن تلحق بالقصر الملكي وحي وستمنستر الذي يسكنه معظم الأغنياء والنبلاء والأرستقراطيين.

وعلى هذا، فقد تدمرت معظم المناطق العشوائية في المدينة، وكان الخاسر الأعظم في حريق لندن العظيم 1666 الفقراء وأصحاب المنازل القديمة، مثلما يحدث في أي كارثةٍ في أي مكانٍ من العالم.

وتقول المصادر التاريخية إن النيران دمَّرت أكثر من 13 ألف منزلٍ في مدينة لندن كان يسكنها بين 70 و100 ألف شخص، إضافة إلى معظم المباني والهيئات الموجودة في المدينة. وكذلك دمَّرت النيران 87 كنيسةً رعوية، وهو ما يُعَدُّ خسارةً فادحةً لم تشهدها لندن من قبل، على الرغم من أنها شهدت عددًا من الحرائق قبل حريق لندن الكبير.

نوع الخسارة الإحصائيات والأرقام الموثقة
المنازل السكنية تدمير أكثر من 13,200 منزل خشبي.
السكان المشردون تشريد ما بين 70,000 إلى 100,000 شخص من سكان لندن.
المباني الدينية تدمير 87 كنيسة رعوية، بالإضافة إلى احتراق "كاتدرائية القديس بولس" التاريخية.
المعالم العامة تدمير بورصة لندن الملكية، والجمارك، والسجون، والبوابات الرئيسة للمدينة.

خسائر حريق لندن الكبير

كم عدد ضحايا حريق لندن عام 1666؟

والغريب في الأرقام التي سُجِّلت بعد الحريق أن السلطات الإنجليزية وثَّقت فقط ستَّ حالاتِ وفاة، وهو ما يتنافى مع المنطق. ثم إن عددًا من البحوث الحديثة التي تناولت قصة حريق لندن الحقيقة أشارت إلى أن السلطات لم تُحصِ حالات الوفاة من الفقراء والطبقة الوسطى بعد الحريق، وإنما اقتصرت على الأرستقراطيين والنبلاء فقط. لذا فإن الحالات الست تعود إلى هذه الطبقة.

ثم إن هذا المستوى من الحرائق غالبًا ما يُخلِّف عددًا كبيرًا من الضحايا الذين يتحوّلون إلى رماد، ما يجعل من الصعب التعرف على أي بقايا لهم.

بصفتي باحثًا ومهتمًا بالتاريخ الأوروبي، أرى أن توثيق 6 حالات وفاة فقط في حريق دمر 13 ألف منزل هو تجميل سياسي متعمد من السلطات في ذلك الوقت لتجنب غضب العامة وتفادي ثورة شعبية.

من ناحية أخرى، كانت هذه الكارثة، على الرغم من قسوتها، هي عملية تطهير عمراني إجباري، لولا هذا الحريق، لما ظهر المهندس العبقري كريستوفر رن الذي أعاد تصميم كاتدرائية القديس بولس وأكثر من 50 كنيسة أخرى، محولًا لندن من مدينة خشبية قابلة للاشتعال إلى عاصمة حجرية صامدة، وهو أعظم تأثير لحريق لندن على العمارة.

آثار الحريق الاقتصادية والاجتماعية

كان للحريق آثار اقتصادية واجتماعية كبيرة، فقد بدأ السكان ينزحون إلى مناطق أخرى بعيدة عن لندن لعدة أسباب، أولها أن كثيرًا من النبلاء والأرستقراطيين كانوا يخافون من ثورة الفقراء اللاجئين، إضافة إلى تشجيع الملك تشارلز الثاني نفسه على مسألة مغادرة لندن التي لم تعد مناسبة في تلك المدة للإقامة، لا سيما بعد تهدم كثير من المباني والهيئات الخدمية والحكومية.

ما بعد حريق لندن الكبير

كما يحدث في المصائب الكبرى، بعد أن تنتهي الكارثة، يبحث الجميع عن كبش فداء من أجل إلقاء المسؤولية عليه، وهو ما جعل الإنجليز يتهمون «روبرت هوبرت» الذي يعمل ساعاتيًّا، وكان معروفًا بكونه ضعيف القدرات الذهنية.

فاتُّهِم بأنه يعمل جاسوسًا للبابا وأنه من أشعل الحرائق، وسريعًا ما جرى تقديمه للمحاكمة وإعدامه شنقًا يوم 28 سبتمبر عام 1666. وبعد قليل ثبت أنه لم يكن موجودًا في لندن في أثناء الحريق، وأنه جاء إلى المدينة بعد يومين من اشتعال النيران.

ومن ناحية أخرى، تبرز علاقة الملك تشارلز الثاني وحريق لندن في أنه كان خائفًا من حدوث أعمال شغب ومظاهرات، وهو ما قد يتطور إلى ثورة في مدينة لندن؛ لذلك أصدر القوانين التي تجبر المدن والقرى المجاورة على استقبال اللاجئين والسماح لهم بممارسة الحرف والمهن بحرية تامة.

وأُقيمت محكمة استثنائية أُطلق عليها «محكمة الحريق» للفصل في المنازعات القضائية التي تخص أصحاب الأراضي والمستأجرين، ولتحديد المسؤوليات عن الجهة التي تتولى مثلًا عملية البناء أو الترميم. وكانت تصدر أحكامها بسرعة، وغالبًا في اليوم نفسه، وذلك من أجل الخروج من الحالة المعقدة والمتشابكة بين الناس بعد حريق لندن الكبير.

إعمار لندن بعد الحريق الكبير

على الرغم من أن الملك تشارلز الثاني كان في قمة الحماس لإعادة إعمار لندن، وأن كثيرًا من الخطط والتصاميم التي قُدِّمت له بغرض بناء مدينة حديثة تنافس مدينة باريس في ذلك الوقت، لكن عقبات عدة واجهت الإعمار؛ من أبرزها صعوبة جذب العمال، وخروج عدد كبير من الطبقة العاملة من مدينة لندن إلى المدن والقرى البعيدة.

ونشبت نزاعات كثيرة بين الملاك والمستأجرين، فلم تحدد الملكيات بصورة واضحة للتفاوض مع أصحابها في عمليات شراء الأراضي لتوسيع الشوارع وبناء المدينة الجديدة.

وفي النهاية، أُعيد بناء مدينة لندن مرة أخرى على مخطط الشوارع السابق الذي كان موجودًا قبل الحريق، لكن إعمار لندن بعد الحريق شمل كثيرًا من التحسينات في أنظمة الأمان والنظافة، وتوسيع بعض الشوارع، وإقامة عدد من الأرصفة على المواني لتسهيل الوصول إلى نهر التايمز.

وحرصت السلطات في لندن على ألا توجد أبنية تعيق الوصول إلى النهر، والأهم من ذلك يظهر تأثير حريق لندن على العمارة بتوجه المسؤولين إلى بناء المباني بالطوب والحجارة بدلًا من الأخشاب.

وعلى مدار عام كامل، أزالت السلطات في مدينة لندن الأنقاض ونظفت المدينة، كما استخدمت كثيرًا من أموال الضرائب التي فُرضت حديثًا في إعادة بناء المباني الحكومية والكنائس والمدارس.

 والأهم من ذلك أن الحريق علَّم الناس في لندن ضرورة اتباع التعليمات والقوانين التي تحول دون تكرار مثل هذه الكارثة. وشمل الأمر أيضًا تحسينات كبيرة في الطرق والمجاري، وأُضيف إلى المدينة شارعان جديدان. ثم جرى تكوين أول فرقة من الرجال المتخصصين في إطفاء حرائق المنازل، وتخصيص ميزانية تسمح لهم بالاستعداد وأداء العمل طوال العام.

وهكذا كان حريق لندن أحد أكبر الكوارث البشرية التي شهدتها العاصمة الإنجليزية في القرن السابع عشر، وقد كان له تأثير بالغ على حياة الناس، وأدى إلى صدور عدد من القوانين وتغيير كثير من الأفكار. وعلى الرغم من الخسائر العظيمة، فقد أدى الحريق إلى إعادة تجديد مدينة لندن التي عادت مرة أخرى إلى قائمة أجمل المدن والعواصم في العالم.

إعادة إعمار لندن بعد الحريق

متى حدث حريق لندن العظيم؟

وقع الحريق العظيم في المدة من الأحد 2 سبتمبر حتى الأربعاء 5 سبتمبر من عام 1666.

ما أبرز تأثير حريق لندن على العمارة؟

التحول الإلزامي من العمارة الخشبية السريعة الاشتعال إلى العمارة الحجرية والطوبية، وتوسيع الشوارع، وبناء نظام صرف صحي متطور، وتأسيس أولى وحدات مكافحة الحرائق المدفوعة الأجر.

ما أهم نتائج حريق لندن الكبير؟

أهم النتائج تمثلت في القضاء على البنية الخشبية القديمة التي كانت بؤرة للأوبئة (مثل طاعون لندن العظيم الذي سبقه بعام)، وتأسيس أول فرق إطفاء منظمة، وبداية عصر العمارة الحجرية الحديثة في لندن، بالإضافة إلى تأسيس شركات التأمين ضد الحرائق.

وهكذا كان حريق لندن 1666 أحد أكبر الكوارث البشرية التي شهدتها العاصمة الإنجليزية في القرن السابع عشر، وقد كان له تأثير بالغ على حياة الناس، وأدى إلى صدور عدد من القوانين وتغيير كثير من الأفكار.

وعلى الرغم من الخسائر العظيمة المترتبة على حريق لندن الكبير؛ فقد أدى الحدث إلى إعادة إعمار لندن وتجديدها لتتحول من مدينة خشبية هشة إلى عاصمة حجرية صلبة عادت مرة أخرى إلى قائمة أجمل المدن والعواصم في العالم. نأمل أن تكون هذه الجولة التاريخية قد نالت إعجابكم، ونسعد بمشاركتكم لهذا المقال التاريخي عبر منصات التواصل الاجتماعي.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.