ملخص قصة بوبوك لدوستويفسكي: أسرار الموتى تحت التراب

تُعد قصة بوبوك للكاتب الروسي فيودور ميخايلوفيتش دوستويفسكي محاكاة أدبية ساخرة، تسرد تجربة الراوي (إيفان إيفانوفيتش) الذي يقوده حظه إلى المقبرة، ليستمع فجأة إلى أصوات وحوارات الموتى الراقدين تحت الثرى. تكشف هذه المحادثات عن استمرار كبرياء البشر، وفضائحهم، وصراعاتهم الطبقية حتى بعد وفاتهم، وتنتهي بعزم الراوي على نشر تلك الأسرار.

يُمثل الفكر الفلسفي والتشريح النفسي للمجتمعات الركيزة الأساسية في أدب الكاتب الروسي فيودور دوستويفسكي، وتأتي قصة بوبوك أحد النماذج الساخرة الفريدة التي تظهر هذا التوجه ببراعة. وتبدأ القصة باستعراض الأزمة الفكرية والاجتماعية التي يعيشها بطل الرواية الذي يجد نفسه وسط مقبرة تضج بأصوات الموتى وحكاياتهم الغريبة والمخفية تحت التراب.

يسلط هذا العمل الضوء على زيف العلاقات البشرية والكبرياء الإنساني الذي لا ينتهي حتى بانتهاء الحياة، وفي هذا العرض التحليلي، نقدم لكم ملخصًا شاملًا لأحداث قصة بوبوك، وأبرز محاورها الفلسفية، مع استعراض أشهر أقوال دوستويفسكي عن الحياة والذكاء والحب الإنساني

من هو فيودور دوستويفسكي؟ رحلة العبقرية من رحم المعاناة

لم يكن الأديب الروسي الذي استأثر بمكانة فريدة في الأدب العالمي موثق للحكايات، بل كان ظاهرة فكرية ونفسية استثنائية. 

ولد فيودور دوستويفسكي في موسكو عام 1821، ونشأ في بيئة قريبة من مشافي الفقراء؛ ما جعله يلمس الشقاء الإنساني في سن مبكرة. هذا التماس المبكر مع الألم مثَّل ركيزة أساسية في حياته، فعاش في كفاح مرير ضد الفقر والمرض وسياط السياسة، وصولًا إلى النضج الذي جعله يُصنف كأحد أعظم المحللين للنفس البشرية.

لقد واجه في حياته منعطفًا كاد يعصف بوجوده حين أُدين بالانتماء لمجموعة سياسية سرية وحُكم عليه بالإعدام، لينجو في اللحظات الأخيرة بعفو ملكي بدّل العقوبة إلى النفي والأشغال الشاقة في سيبيريا. تلك التجربة القاسية تجلت بوضوح في الكتب والروايات التي أنتجها لاحقًا التي امتازت بالغوص في المعاناة الإنسانية كسبيل للتطهر والفهم الأخلاقي. 

روايات فيودور دوستويفسكي

تبدأ من الأعمال القصيرة كـ «الفقراء» و«الليالي البيضاء»، مرورًا بمرحلة النضج النفسي في «مذكرات من تحت الأرض»، ووصولًا إلى الملاحم الكبرى مثل «الجريمة والعقاب»، «الأبله»، و«الإخوة كارامازوف» التي تُعد ذروة أفكاره الفلسفية.

صاغ دوستويفسكي في رواياته أطروحات وجودية عميقة حول الحرية والعدالة والضمير. وامتدت بصيرته الفكرية لتشمل أبعادًا ثقافية ودينية متعددة. 

كيف مات دوستويفسكي؟

توفي دوستويفسكي في 9 شباط / فبراير 1881 م عن عمر يناهز 59 عامًا من جراء نزيف رئوي حاد ومضاعفات الصرع، تاركًا خلفه ثروة فكرية لا تنضب.

الأديب الروسي فيودور دوستويفسكي

ما هو ملخص قصة (بوبوك) لدوستويفسكي؟

منذ يومين سألني (سيميون آرداليونوفيتش): متى سأراك يا (إيفان إيفانوفيتش) دون أن تكون سكران؟
سؤال غريب! لكن لن أستشيط غضبًا بلا داعٍ، فأنا امرؤ خجول، لكنهم يعدونني مجنونًا، ذات مرة، رسم أحد الرسامين صورة لوجهي، ووافقت على أن يعرضها على الجمهور، وإليكم ما قرأته: «اذهبوا فانظروا لذلك الشخص المريض الذي يوشك أن يهوي لقاع الجنون».
هبني مجنونًا، ولكن لماذا نُشِرَ هذا الكلام في الصحف؟ إن الصحف بحاجةٍ لموضوعاتٍ نبيلة.

أزمة الأدب والكتابة

ثمة طريقة للتلميح: فلهذا وُجِدَ الأسلوب، ولكن لا يُسمح لك بالتلميح، اختفت اليوم روح النكتة والدعابة، وأصبحت الشتائم لطافة، لكنني لن أكون مستاء، فما أنا أديب كأي أديب حتى أصدع رأسي.
كتبت قصة، فلم ينشروها، وكتبت مقالة، فرفضوها، وأرسلت مقالات لعدة جرائد، فلم يقبلوها، وقالوا لي: «يعوزك الظرف».
فسألتهم ساخرًا: أي ظرف تعنون؟ الظرف الأثيني؟
لم يفهموني، وأنا أُترجم عن اللغة الفرنسية لأصحاب المكتبات، وأحرر إعلانات للتجار، إن تأبيني لصاحب المعالي (بطرس ماتفتش) لم يمر بغير صدى في أوساط المجتمع العليا، لقد ألفت -تلبية لطلب أصحاب المكتبات- كتابًا بعنوان: «كيف تحظى بإعجاب النساء» وأنوي جمع أقوال (فولتير) في كتاب، لكنني أخشى أن يبدو هذا بلا طعم لأهل زماني.
إن هذا العصر هو للهراوة لا لـ (فولتير)، فليكسر الناس أفواه بعضهم بعضًا! تلكم هي مهنتي الأدبية كلها، هل عن عبث تراني أغرق إدارات تحرير الجرائد برسائل لا أنسى توقيعها؟ إنني أقضي وقتي في إغداق التنبيهات والنصائح، إن طوابع البريد التي استعملتها كلفتني حتى الآن أربعة روبلات.

 فلسفة الغباء والذكاء

أعتقد أن الرسام لم يرسم وجهي إلا بسبب الثؤلولين المتناظرين اللذين يزدان بهما جبيني، إن الناس يتهافتون اليوم على الأحداث، لعدم وجود فكرة يهتمون بها، لشد ما أحسن هذان الثؤلولان إلى الصورة!
أما عن الجنون فإن عددًا كبيرًا من الكتاب قد وصموا بالاختلال العقلي، وقد قيل عنهم: «موهبة أصيلة جدًا...»، فانظروا ماذا كانت النتيجة! على كل حال، ليس يخلو هذا الكلام من مكر، ولكن لئن كان سهلًا عندنا إفقاد أحد الناس عقله، فليس هناك مثال قِيس العقل عليه.
أذكى الناس في رأيي هو ذلك الذي يصف نفسه بالغباء مرة كل شهر، وما من أحد يقدر أن يفعل ذلك في هذه الأيام!، في الماضي كان الغبي يدرك عند اللزوم مرة في السنة في الأقل أنه ليس إلا غبيًا، أما الآن، فلا، كلا! لقد اختلط الحابل بالنابل حتى صار الإنسان الذكي لا يتميز عن الإنسان الغبي.

حضرتني نكتة إسبانية، حين بنى الفرنسيون في بلادهم أول ملجأ للمجانين منذ نصف قرن، قيل حينها: «لقد حبسوا جميع مجانينهم في منزل خاص حتى يصفوا أنفسهم بأنهم هم عقلاء». لست تبرهن على أنك عاقل إذا أنت حبست قرينك في بيمارستان. «فلان أصبح مجنونًا... أيعني هذا أننا نتمتع بجميع قوانا العقلية؟»، لا، أبدًا.

 أصوات غريبة في المقبرة

ما بالي أحدث هذه الجلبة كلها، بمساء الأمس جاءني صديق، قال لي: أسلوبك يَفسد، صار مفرومًا، أنت تهرسه هرسًا، جمل عارضة، ثم في الجمل العارضة جملة أخرى عارضة، وتستأنف الفرم من جديد.

إنه مُحق، فشيء ما غير عادي يحدث، ورأسي يصيبه صداع، أخذت أسمع أشياء غريبة ما هي بأصوات، وكأن أحدًا يدندن على مقربةٍ مني: بوبوك، بوبوك!، تُرى ما «بوبوك» هذه؟

خرجت كي أُسلي نفسي، فوقعت عيناي على جنازة شخصٍ تجمعني به صلة قرابةٍ بعيدة، هو موظف بالدرجة السابعة وقد مات تاركًا زوجته وخمس بنات يجب تزويجهن، يا له من حظٍ عثر! كان المتوفى يستطيع أن يجني رزقًا، أما الآن فيجب الاكتفاء بمعاشٍ ضئيل، آه… كان أفراد هذه الأسرة يستقبلونني دائمًا على مضض، على كل حال، ما كنت لأشهد الجنازة في ذلك اليوم لولا المناسبة الطارئة، فصحبت الموكب إلى المقبرة، وبعجرفة نحوني.
الرائحة! لقد جيء إلى المكان بنحو خمسة عشر ميتًا، ثمة نعشان أحدهما لـ «جنرال» والآخر لسيدة، عدد من الوجوه الحزينة، قليل من الأسى المتصنع، كثير من فرحٍ صريح، ولكن الرائحة!
تفرست في وجوه الأموات متأنيًا، دون أن أنقاد لطبيعتي شديدة التأثر، ثمة وجوه لطيفة، وثمة وجوه لا يحلو النظر فيها.
في أثناء القداس خرجت من الكنيسة لأتنشق الهواء، كان النهار باردًا بعض الشيء، فنحن في شهر تشرين الأول/ أكتوبر، تجولت بين القبور وطبقاتها، فالطبقة الثالثة تُكلّف ثلاثين روبلًا: لائقة وغير باهظة الثمن، الطبقتان الأوليان لهما حق في الكنيسة وحوشها، ولكن ما أبهظهما! بذلك اليوم كان هنالك ست جنازات من الطبقة الثالثة، بينهم جنازة الـ «جنرال» وجنازة السيدة!

ألقيت نظرة على القبور: شيء مقزز، ماء، وأي ماء! ماء أخضر متعفن، يمتحه الحفار لتفريغ القبر، خرجت على الرغم من أن القداس لم يكن قد انتهى بعد، أخذت أتجول خارج السور، كانت هناك مضيفة بجوارها مطعم ليس سيئًا كل السوء، وما هي إلا دقائق حتى امتلأ المطعم بالناس الذين شهدوا المأتم.
ثم ساعدت بيدي في جرجرة التابوت من الكنيسة إلى القبر، لماذا يصبح الميت ثقيلًا هذا الثقل كله في التابوت؟ يُقال إن ذلك بسبب فقدان الجسم القدرة على التحكم بنفسه، ويُقال سخف أكثر من هذا القبيل، لكن هذا الكلام يناقض الميكانيكا والعقل بآنٍ واحد، أنا لا أحب لامرئ حَصّلَ ثقافة عامة أن يُقحم نفسه فيما لا علم له به، وأن ينصب نفسه اختصاصيًا، وما أكثر أمثال هذه الحالة في بلادنا، المدنيون يعشقون الاهتمام بالشؤون العسكرية، حتى ما تعلق منها بالاستراتيجية العليا؛ والمهندسون يعشقون أن يهتموا بالفلسفة والاقتصاد السياسي.
لم أحضر الصلاة؛ فأنا امرؤ ذو كبرياء، فإذا كانوا لا يطيقونني، فلمَ أذهب إذًا لولائمهم، حتى تلك التي يقيمونها بعد الجنازات؟ لا أدري لماذا بقيت في المقبرة، على كل حال، جلست على قبر، وغرقت في أحلام شتى.
فكرت في مشكلة «الاندهاش» التي كانت موضوع تأملي، فإليكم ما خلصت إليه في أمر «الاندهاش»:
لا شك أن الاندهاش من كل شيء غباء، ولا شك أن عدم الاندهاش من أي شيء أعظم أناقة، وعندي أن عدم الاندهاش من أي شيء أغبى كثيرًا من الاندهاش لكل شيء، بل وأكثر من ذلك، أن عدم الاندهاش من أي شيء يكاد يساوي عدم تقدير أي شيء، والغبي لا يستطيع أن يقدر شيئًا.
منذ بضعة أيام قال لي شخص أعرفه: إنني أحرص على التقدير أكثر من حرصي على أي شيء، قلت بيني وبين نفسي: ستعرف الحاجة للتقدير إن فكرت بطبع شيءٍ بيومٍ من الأيام!
عندئذ انقطعت سلسلة أفكاري، إنني لا أحب قراءة ما يُكتب على شواهد القبور، فكلها متشابهة، رأيت على شاهد قبر قريب سندويشة أُكِلَ نصفها، قلت لنفسي: «هذا غباء»، فكنستها إلى الأرض؛ لأنها ليست خبزًا وإنما هي سندويشة، ثم إن تفتيت خبز على التراب ليس بالإثم على ما أظن، وإنما الإثم تفتيته على أرض غرفة، يستحسن أن أسأل في هذا الأمر.

أحاديث الموتى

سمعت فجأة أصوات جشاء، فأخذت أصغي بانتباه.

 - صاحب المعالي، حقًا ليس هذا بممكن، كان يجب لك أن تقول إن معك الديناري.
 - ولكن الاعتماد على الذاكرة في اللعب ليس بالشيء المسلي أيضًا.
- صاحب المعالي، لا يمكن اللعب بغير ضمانات، لا بد لنا من لاعبٍ لا يلعب؛ يجب منح توزيعة بغير مقابل.
- ولكن آنَ لنا هنا لاعب لا يلعب!
إنها لأحاديث بغير محلها! إنه لأمر غريب وغير متوقع بآنٍ واحد، ما كنت لأصدق لولا أني سمعت بأذني، كيف يلعبون القمار في مثل هذا المكان؟ ومن هو ذلك «الجنرال»؟ نظرت على شاهد القبر لأقرأ: «هنا يرقد جثمان «الجنرال ميجر» (برفويادوف)، حامل أوسمة كذا وكذا، وقد توفي في شهر آب/ أغسطس» في السابعة والخمسين من العمر، ارقد في سلام، أيها الرماد الغالي.
عجبًا! هو إذن «جنرال» حقًا!، أما القبر الآخر فليس له ضريح، ولا بد أن نزيله قادم جديد، إن الصوت يدل على أن صاحبه موظف بالدرجة السابعة.
قال صوت لم أسمعه من قبل، على مسافة بضعة أمتار من مكان «الجنرال»، تحت قبر يبدو جديدًا: أوه! أوه!
هو صوت حاد لرجل من عامة الشعب.
فزعق صوت عصبي فيه احتقار، هو صوت سيدة من المجتمع الراقي على ما يبدو، ها هو ذا تأخذه الحازوقة مرة أخرى! إنه لقصاص سديد أن أكون بجانب هذا الدكاني!
 ليس بي حازوقة، فلم آكل شيئًا، ذلك كله يأتي من تلقاء نفسه، ماذا يا سيدتي الجميلة؟ ألا سبيل إذن إلى تخليك عن نزواتك؟
فقالت له: ما سبب اضطجاعك هنا؟
 أولادي وامرأتي هم الذين حشروني هنا، فلم أجئ بإرادتي، إنه سر الموت! لولا الموت ما كنت لأرضى أن أرقد بجانبك ولو أُعطيت ذهب الأرض كله، وقد جئت إلى هذا المكان بعد دفع آخر ما كنت أملك من نقود، فنحن أيضًا نملك ما ندفعه نفقات الجنازة من الطبقة الثالثة.
- أجمعت ذلك من سرقة أموال الناس؟
- وكيف أسرق وأنتِ لم تدفعي لي قرشًا واحدًا منذ شهر كانون الثاني/ يناير، مع أن لدكاني عليك دينًا!
- ما أشدها بلاهة أن يُطالب المرء هنا بديون له! اذهب وطالب بدينك بنت أخي التي ورثتني.
- كيف أطالب الآن، وأين لي أن أذهب؟ كلانا تحت التراب، ونحن أمام محكمة الرب متساويان في خطايانا.
فأجابته المتوفاة باستعلاءٍ وتكبر: يا لها من لهجة عامية! لا تسمح لنفسك بأن تكلمني بعد الآن!
لقد أطاع الدكاني السيدة يا صاحب المعالي، نحن أموات إن صح التعبير.
إذا كان هذا هو ما يحدث بمثل هذا المكان، فلا داعي أن يتساءل المرء عما يحدث بالطابق الأعلى! يا لها من أحاديث سخيفة! ومع ذلك ظللت أصغي، رغم أن غضبي قد بلغ ذروته، فسمعت صوتًا ينبعث من مكان آخر في المسافة بين «الجنرال» والسيدة.
- هل تسمع يا صاحب المعالي؟ ها هو ذا يقول!... إنه هنا منذ شهر نيسان/ أبريل، ويظل مصرًا على الصمت بعنادٍ شديد ثلاثة أيام، ثم يعود يهتف فجأة: «وددت لو أعيش، أود لو أحيا».
- ما رأيك يا صاحب المعالي في استئناف إغاظة (آفدوتيا اچناتيفنا)؟
- لا، اعفنا من هذا! لا أستطيع احتمال هذه المرأة الفظيعة سليطة اللسان!
فقالت (آفدوتيا اچناتيفنا) باشمئزاز: أنا أيضًا لا أستطيع احتمال أحد منكما! إنكما تعجزان عن إجراء أي حديث رفيع، إياك أخاطب يا صاحب المعالي، أؤكد لك أنك لا تملك ما يجيز لك اصطناع الكبرياء، لقد علمت عنك كيف أن خادمًا لوث وجهك بمقشته ذات صباح، حين كنت مختبئًا تحت سرير عشيقتك.
فقال «الجنرال» مدمدمًا: امرأة قذرة.
فقال الدكاني لها: عزيزتي الشهمة (آفدوتيا)، قولي لي: أأنا أُبتلى الآن بالمحن الأولى من عذاب الآخرة، أم هذا شيء آخر.
- إن رائحتك لا تحتمل.
- ليست رائحتي، لأن جسمي لا يزال محفوظًا، أما أنتِ يا جميلة فقد نتن لحمك نتنًا حلوًا، لذلك تفوح منك رائحة لا تطاق، بصرف النظر عن المكان، وإن كنت لا أقول شيئًا، فذلك أدب مني.
- يا لك من وقح! أنت الذي تفوح منه رائحة كريهة تدعي أنني أنا التي تفوح مني تلك الرائحة.
- ليت يوم الأربعين يسرع مجيئه، فأسمع فوقي أصواتًا مكلومة: أسمع انتحاب زوجتي وتداعي أبنائي.
- تتكلم عن البكاء؟ ههه، لسوف يأكلون ثم ينصرفون.
- انتظري لحظة يا (آفدوتيا)، سيتكلم الجدد، إن من بينهم شبانًا وفتية.
سأل صاحب المعالي: لماذا لم يبدؤوا حتى الآن؟
- لم يفيقوا بعد يا صاحب المعالي، أنت نفسك تعلم أنهم قد يصمتون في بعض الأحيان أسبوعًا كاملًا، من حسن الحظ أننا قد أتينا بأموات جدد، قبل أمس، وأمس، واليوم، ولولا ذلك لبقيت الدائرة حولنا، إلى مسافة عشرين مترًا، أمواتًا من السنة الماضية، لقد دُفِنَ اليوم (تاراسفتش) يا صاحب المعالي، وهو موظف في الدرجة الثالثة، وقد أدركت ذلك من أصواتهم، إني أعرف ابن أخيه، هذه فرصة لتتعرف إليه يا صاحب المعالي سيشرفه هذا كثيرًا.
حشرج صوت آخر على حين فجأة قائلًا: آه!... ماذا جرى لي؟
- سرعان ما أفاق ذاك القادم الجديد، يبدو أنه شاب يا صاحب المعالي.
فتمتم الشاب قائلًا: حدثت الوفاة بغتة، لقد أُصيب الصدر أولًا، وقال لي الطبيب (شولتس) أمس: عندك اختلاط، وفجأة مت في الصباح.
قال «الجنرال»: لا يملك الإنسان أن يفعل شيئًا أيها الشاب، يجب علينا أن نسيطر على أنفسنا، وأن نغلب العقل في سلوكنا، أهلًا وسهلًا بك عندنا في وادي جوزافات، نحن أناس طيبون، وسترى ذلك بنفسك، أنا «الجنرال ميجر» (فاسيلي فاسيلفتش برفويادوف) في خدمتك.
ثم قال الموظف الصغير للشاب المسكين: تقول إن الصدر هو الذي أصيب أولًا، إذن كان يجب عليك أن تستشير الدكتور (إيك)، بدلًا من الدكتور (شولتس).
- لكنني كنت أتأهب للذهاب إلى الدكتور (بوتكين).
فقاطعه «الجنرال» قائلًا: عجيب! إن (بوتكين) يسلخ سلخًا...
فقال الموظف الصغير مصححًا: ملاحظة صاحب المعالي تتناول مسألة السعر، لكنه لا يسلخ البتة، فهو يأخذ ثلاثة روبلات في أكثر تقدير، وسمعت أنه يحسن التشخيص بعنايةٍ كبيرة، ويتنبأ دائمًا بما سيقع.
فقال الشاب: قولوا لي إذن يا سادة أأذهب إلى (إيك) أم إلى (بوتكين)؟
فسأله «الجنرال» وجثمانه يهتز ضاحكًا: ماذا؟ إلى من تريد أن تذهب؟
إن تلك الفوضى جعلتني لا أتذكر الآن شيئًا، فقد استيقظ عدد كبير من الأموات في آن واحد: منهم موظف الدرجة السابعة الذي أسرع يشرح للـ «جنرال» مشروعًا يتعلق بلجنة جديدة في الوزارة، فأثار هذا اهتمام «الجنرال» كثيرًا، وقد استغرب (لبزياتنيكوف) -(اتضح أن اسم موظف الدرجة السابعة المسجى بجانب «الجنرال»، كان اسمه لبزياتنيكوف)- أن يستيقظ الجميع هذه المرة بهذه السرعة.
أعلن (لبزياتنيكوف) فجأة: صاحب المعالي، لقد استيقظ موظف الدرجة الثالثة (تاراسفتش).
فقال (تاراسفتش) باحتقار: ماذا؟ ماذا تريد؟
فقال (لبزياتنيكوف): كيف حالكم يا صاحب المعالي؟ لا أريد إلا الاستفسار عن صحة معاليك، إن الجميع يشعرون هنا في البداية بشيءٍ من الضيق لعدم التعود، إن «الجنرال» (برفويادوف) يود التشرف بالتعرف إلى معاليك.
- لكنني لم أسمع بهذا الاسم من قبل.
فقال «الجنرال» (برفويادوف) مقاطعًا من أجل وضع حد لشراسة هذا النزيل الجديد المتكبر: دعه!
فقال (لبزياتنيكوف) مخاطبًا «الجنرال» (برفويادوف): إنهم لم يفيقوا بعد إفاقة تامة يا صاحب المعالي.

فضائح وأسرار تحت التراب

وفجأة هتف -بالقرب من (آفدوتيا) صوت فتى لم يُسمع من قبل- مخاطبًا «الجنرال»: (فاسيلي فاسيلفتش) يا صاحب المعالي، هل تتذكرني، أنا (كلنيافتش)، لقد التقينا عند (آل فولوكونسكي).
فقال «الجنرال»: كيف؟ «الكونت» (بطرس بتروفتش)، هل يعقل أن تكون أنت، أنت بمقتبل العمر، ما أشد أسفي!
فقال (كلنيافتش): إنني لست «كونتًا» بل «بارونًا»، لست إلا «بارونًا» لا أكثر.
ثم أخذ يسترسل في حديثه: كان أبي «جنرالًا»، وقد قمت في السنة الماضية، أنا واليهودي (زيفل)، بطرح خمسين ألف ورقة من الأوراق المالية المزورة في التداول، ثم وشيت به، ولكن (جولييت شاربانتييه دو لوز جنان) هي التي مضت بالمال إلى (بوردو)، وتصور أنني كنت قد تعاهدت على الزواج من (شتيفالفسكايا)، وهي فتاة عمرها ستة عشر عامًا، ومهرها تسعون ألف روبل! يا (آفدوتيا) هل تذكرين كيف أفسقتني منذ خمسة عشر عامًا حين كنت غلامًا في السنة الرابعة عشرة من العمر؟

- هذا أنت إذن أيها الشيطان! لقد أحسن الرب صنعًا بإرسالك إلى هنا.
- لقد ظلمتِ جارك التاجر حين ظننتِ أنه من أخرج رائحة كريهة، لقد سكت أنا وأخذت أضحك، فالرائحة صادرة عني، فقد وضعوني في تابوتٍ مُسمّر.
- يا صاحب المعالي (تاراسفتش)! ما بالُك لا تُجيب؟ أنا (كلينافتش) الذي قدتك في الصوم الكبير إلى عند الآنسة (فوري)، هل تسمعني؟
- أسمعك يا (كلينافتش)، وإني لسعدت بك، صدقني.
- لكني لا أصدق من كلامك شيئًا أيها الشيخ اللطيف، هل تعرفون يا سادة، ما فعله هذا «الجد»؟ لقد مات مدينًا بأربعمائة ألف روبل، وكان هذا المبلغ لأرامل ويتيمات، وكان يتولى وحده -لا أدري لماذا- تصريف شؤون هذه الثروة، كنت أتساءل كيف يتاح لهذا الشيخ الذي يبلغ من العمر سبعين عامًا، ويعاني من داء النقرس، أن يملك من القوة ما يؤهله للاسترسال في الدعارة، فهل عرفتم الآن السر؟ تلكم الأرامل واليتيمات، كان ذلك يكفيه لشحذ قوته، لقد علمت بذلك منذ مدة من الآنسة (شاربانتيه)، يا جد؟
- عزيزي (كلينافتش)، أنا أوافقك الرأي، ولم تكن بحاجة لقص تلك التفاصيل، فالحياة زاخرة بآلام.
- أراهن أنه قد شم وجود (كاتيش بيروستوفا)!
هتف الشيخ سائلًا: وجود من؟ (كاتيش) ماذا؟
- ليتك تعلم، يا جد، أية شيطانة صغيرة هي، (كاتيش) أجيبيني!
فأجابت بصوت حاد صارخ: هئ هئ هئ!

 ميثاق الصدق المطلق والعزم على العودة

قال (كلينافتش) بصوتٍ حازم: يكفي هذا، سندبر شؤوننا هنا على أحسن وجه، لنقضي بقية الوقت في استمتاع، ولكن كم بقي لنا من وقت؟ قل أنت يا (لبزياتنيكوف).

- حسنًا، اسمي هو (لبزياتنيكوف)، (سيميون افزئتش لبزياتنيكوف)، موظف في الدرجة السابعة، سعيد جدًا بأن أنفذ أوامرك.
- لا يهمني أن تكون سعيدًا أم لا، ولكن يبدو أنك هنا الشخص الوحيد الذي يعرف كل شيء، قل لي كيف يمكن أن نتكلم ونحن بهذا المكان؟ فنحن أموات، ومع ذلك نتكلم، فكيف هذه المهزلة؟
- هذا أمر، إذا شئت يا «بارون»، يستطيع أن يشرحه لك فيلسوفنا الرسمي (أفلاطون نيقولافيتش) خيرًا مني.
- قل لي إذًا كيف أشم رائحة النتن وقد فقدت حاسة الشم؟!
- فيما يتعلق بالشم، يرى فيلسوفنا أن النتن الذي نشمه هنا نتن روحي بمعنى من المعاني، أي نتن يصدر عن الروح.
- سخافات! إن الشيء الثابت المحقق أن الحياة ستستمر شهرين أو ثلاثة، ثم «بوبوك»، سيداتي سادتي أقترح عليكم أسسًا جديدة! أقترح عليكم أن تتخلوا منذ الآن عن كل حياء أو حشمة.
فرددت أصوات كثيرة مؤيدة: أجل، أجل.
- يجب أن ننتظر حتى يستفيق (كودا ياروف) ليشرح لكم كل شيء، وفي الغد سيجيئوننا بعالمٍ من علماء الطبيعة، وربما جاءونا بضابط، وإن لم يخطئ تقديري فسيأتون بكاتبٍ ينشر مقالات بإحدى الجرائد، على كل حال، لا يهمنا أمر هؤلاء جميعًا، إنني أطالب قبل كل شيء بأن لا نكذب، على الأرض تستحيل الحياة بدون كذب، فالحياة والكذب مترادفان، أما هنا فلن نكذب، وذلك من أجل أن نضحك قليلًا، سيقص كل منا قصة حياته دون أي تحفظ! وسأكون أنا أول من يروي قصة حياته.
قالت (آفدوتيا اجناتفنا): أرى أن الجو سيكون مرحًا هنا، فلا أريد الذهاب إلى د/ إيك! أود لو أعيش مدة أطول.
فضحكت (كاتيش) ساخرة: الشيء الأساسي هو أن أحدًا لا يستطيع أن يمنعنا من أن نفعل ما عقدنا العزم عليه؟ إن (برفويادوف) -رغم أنه غاضب على ما يبدو- لن يستطيع أن يبلغني، هل أنت موافق يا جد؟
- كل الموافقة، وبأعظم سرور، ولكن على شرط أن تكون (كاتيش) هي البادئة بقص قصة حياتها.
قال «الجنرال» (برفويادوف): إنني أحتج بشدة.
فأسرع (لبزياتنيكوف) يحاول إقناع «الجنرال» متعجلًا: صاحب المعالي، سيكون في هذا نفع كبير لنا، أؤكد لك.
قال (كلينافتش): يا «جنرال»، أنت تلعب هنا بالورق، ونحن لا نكترث بك.
قال «الجنرال»: أيها السيد العزيز، أرجوك ألا تنسى نفسك فتقول ما لا يُقال.
- ههه؟ ماذا؟ إنك لن تستطيع أن تنالني على كل حال، وبوسعي أن أغيظك كما شئت، ثم من يجديه هنا أن يكون له لقب «جنرال»؟ كان هناك جنرالًا، أما هنا فليس إلا جيفة!
قال «الجنرال»: كلا، أنا لست جيفة، أنا هنا...
- أنت هنا تتفسخ في تابوتك، ولن يتبقى منك إلا ستة أزرار نحاسية.
عطست فجأة فأصبح كل شيء ساكنًا كأي مقبرة، إن تفسيري لذلك أنه لا بد أن لهم سرًا يجهله الأحياء، وأنهم يحرصون على عدم إفشائه، ثم قلت لنفسي: «هيا يا أصدقائي، سآتي لزيارتكم مرة أخرى» وغادرت المقبرة.
سأعود حتمًا إلى هؤلاء؛ لقد تعاهدوا على أن يرووا قصص حياتهم ونوادر شتى، وسأحمل مقالتي إلى جريدة «المواطن»، لقد نُشِرت فيها صورة محرر، فمن الجائز أن ينشروا لي أنا أيضًا.

من أشهر أقوال فيودور دوستويفسكي

تمتاز كلماته بعمق وجداني فريد، ومن أبرزها تحذيره من الكذب على الذات قائلًا: «الرجل الذي يكذب على نفسه ويصدق كذبته يصل إلى مرحلة لا يستطيع فيها تمييز الحقيقة في داخله». 

ومن أقواله:

- اختفت اليوم روح النكتة والدعابة، وأصبحت الشتائم لطافة.

- إن الناس يتهافتون اليوم على الأحداث؛ لعدم وجود فكرة يهتمون بها.

- على الأرض تستحيل الحياة من دون كذب، فالحياة والكذب مترادفان.

- إن عدم الاندهاش من أي شيء أغبى كثيرًا من الاندهاش لكل شيء، بل وأكثر من ذلك، إن عدم الاندهاش من أي شيء يكاد يساوي عدم تقدير أي شيء، والغبي لا يستطيع أن يقدّر شيئًا.

- أنا لا أحب لامرئ حَصّلَ ثقافة عامة أن يُقحم نفسه فيما لا علم له به، وأن ينصب نفسه اختصاصيًا، وما أكثر أمثال هذه الحالة في بلادنا، المدنيون يعشقون الاهتمام بالشؤون العسكرية، حتى ما تعلق منها بالاستراتيجية العليا؛ والمهندسون يعشقون أن يهتموا بالفلسفة والاقتصاد السياسي.

ما هو أبلغ ما ذكره فيودور دوستويفسكي عن الحب؟

رأى أن الحب الحقيقي ليس عاطفة عابرة بل هو جهاد وتضحية يومية، وصاغ ذلك في قوله البليغ: «أن تحبَّ يعني أن ترى الإنسان كما هو في نظر الله، وأن تُجاهد لتصل به إلى ما أراده الله له». ونفى صفة الحب عن العلاقات الخالية من الصداقة والاهتمام المشترك، معتبرًا إياها لذة أنانية وتفاهة منمقة.

تنويه: إن ما قرأتموه يعرض فقط بعض ملامح الرواية و لا يغني إطلاقًا عن قراءة الرواية.

إذا حاز ما كتبناه على إعجابكم فلا تنسوا الاشتراك حتى يتسنى لكم قراءة كل جديد.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة