قصة " ليل شتاء بارد ".. قصة قصيرة

ذهب الرجل ليأوي إلى فراشه مهموماً كعادته، وحيداً تطارده الوساوس والأفكار، محاولاً أن ينسى أو على الأقل أن يتناسى حالة السأم والكآبة اللتين تسيطران عليه، بل وتطبقان على أنفاسه، لكن هذه الليلة لم تكن كسابقتها من الليالي التي مضت، فقد اكتوى قلبه الليلة بالوحشة والرهبة اللتين يعانيهما، وأبى النوم أن يداعب جفونه، يبدو أنه قد تهيأ هذه الليلة إلى ليلة شتاء باردة، فقد أخذ يتحسس أطرافه فوجدها باردة، واعترت جسده الذي ناهز الستين عاماً رعشة باردة.

ماذا دهاها تلك الليلة؟ إنها ليست كالليالي التي اعتاد عليها رغم أنه إلى وقت قريب لم يكن يحظى بمرقد مريح، أو غطاء وثير، فهو لا يلتفت كثيراً إلى هذا الأمر.

هنا انتبه الرجل إلى نفسه وقد تدثر بالكثير من الأغطية، لكنه لم يشعر بالدفء يسري في جسده، فقد انعكست صحراء قلبه الباردة على كل جسده برداً، وتوقفت حركة الدماء في هذا الجسد المنهك، فقد انفضّ السامر من حوله منذ أمدٍ طويل، فلا جليس ولا أنيس، العقل مشتت والقلب مفتت، وانصرف العوّاد من الأبناء والأصدقاء عنه، كما انصرف الآخرون إلى ما يشغلهم، أما نصفه الآخر فقد طوى صفحاته، وأطبق الصمت الكئيب على المكان، وانفرد هو في حجرة خاصة به يجترّ مرارة الذكريات، ويصارع الألم فيصرعه مرة، ويصرعه الألم مرات عديدة، يشكو وحشة الليل البهيم وهدوءه القاتل.

أخذ يقرأ بعض الآيات التي بات يحفظها عن ظهر قلب لكثرة ما رددها، والكثير من الأذكار والأدعية لعلّ في ترديدها ما يطمئن فؤاده، ويريح قلبه المهموم، أو يجد النومُ إلى عينيه سبيلاً، لكن هيهات، أنى له ذلك؟ إن الوصول إلى ذلك هو بمثابة صعوده إلى سطح القمر سيراً على الأقدام.

ازداد قلبه برودة، وتجمدت أطرافه، ودبّ الألم في جسده، وأخذ ينظر إلى كل مكان في حجرته، فيرتد إليه البصر حسيراً، اتجه ببصره نحو النافذة فصكّت أسماعه أصوات الرياح الشديدة وهي تزمجر، وقطرات المياه الباردة التي تتساقط من السماء، وأخذ ينظر مذعوراً من نافذته، فهاله ما رأى، رأى عيون الليل تتلصص عليه، وأرهف أذنيه ليسمع في الخارج أصوات الأشباح الصاخبة وهي تهزأ به، بل تكاد تدخل إلى مخدعه لتخطفه إلى عالمها، لم يثنها عن ذلك سوى أنه أوصد الباب عليه جيدا خشية منها.

انتفض من مكانه وأصابت جسده رعشة، حاول أن يلملم الأغطية على نفسه، أخفى رأسه في الظلام تحت غطائه، قرر أن يستسلم لوساوسه وأوهامه فلا سبيل إلى النوم هذه الليلة، بل وربما الليالي التي تليها، نظر إلى سقف حجرته، وبدأ يمعن النظر إلى لا شيء لينسى، وجد قطعة من المعدن معلقة في السقف، وتمتد إلى الأسفل، ساورته الخيالات والأفكار، لم لا يصرع هذه الحياة البائسة؟ لم ينله شيء منها، تراه يفعلها هذه الليلة، ويكتفى بما أصابه من آلام الحياة؟

ظلت نفسه تراوده على ذلك، وتهيئ له أن الأمر للخلاص سهل، الفارق بين الموت والحياة لحظات قليلة، أيهما ينتصر وتكون له الغلبة، عليه رغبة الموت أم إرادة الحياة؟ هنا بدأ عقله في التخاذل والتراجع عن الأمر فهو يدرك تماماً أنه لا راحة في الموت، كما أنه لا توجد راحة في الحياة.

لم يمتلك تلك الليلة إلا أن يستعيذ بالله من الشيطان، وأن يطرد وساوسه، فما أن انتهى من ذلك حتى طرقت أسماعه من بعيد أصواتُ المؤذنين وهم يؤذنون لصلاة الفجر، وهو يردد خلفهم، لكنه توقف ولم يكمل ذلك، فقد غلبه النوم هذه اللحظة، وأغمض جفنيه، ولم يشعر بجسده بعد ذلك، فربما يفعلها في الأيام القادمة، تراه لو استجاب لوساوسه تلك الليلة ما الذي كان سيحدث؟ أغلب الظن فقط أنه ما كان ليكتب هذه القصة التي بين أيديكم.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

جميل ورائع وابداع متواصل
أضف ردا

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

نعم الخلوق أنت دمت أخا عزيزا وكاتبا لا يشق لك غبار وأديبا مفوها.
أضف ردا

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

دمت سيدتى. خلوقة و سديدة و أديبة
أضف ردا

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

جميل جدا رائع 👍🏻 مزيد من التقدم والنجاح
أضف ردا

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

جميل جدا رائع 👍🏻 مزيد من التقدم والنجاح
أضف ردا

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

تحياتى و تقدير و احترامى لشخصكم النبيل
أضف ردا

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة