قصة بعنوان"لا تبك يا حبيب العمر".. قصة قصيرة

اعتاد صديقي أحمد أن يذهب كل يوم إلى المدرسة الثانوية سيراً على الأقدام، فقد كان من الأسر المتعففة التي تكاد تحصل على قوتها بالكد والعمل، وتعاني شظف العيش، فأبوه يحصل على جنيهات قليلة في اليوم تكاد تكفي حاجة الأسرة من بعض أرغفة الخبز وبعض حبات قليلة من طعام الفقراء.

ومع ذلك فقد كانت أمه تحاول أن تدبر أمور البيت وأبناءها بهذه الجنيهات المعدودة، ولحسن الحظّ كان صديقي هذا من الطلّاب المتفوّقين في المدرسة، وأكثر ما يميزه هو عفة النفس وحلاوة الرّوح، فلا يضيق بالحياة ولا يتبرّم، بل يواجهها بالابتسامة.

وإذا قابلته في الطريق ودعوته ليركب معي يعتذر بأدب جمٍّ وكبرياء متعللاً أنه يفضِّل السير على الأقدام لفوائده الصحية، حتى اقتربنا من امتحانات نهاية العام وكان متحمّساً لذلك حتى انتهينا منه انتظاراً للنتيجة، فانصرف هو يبحث عن عمل يكسب منه بعض الجنيهات لينفق منها  على نفسه إذا ما التحق بالجامعة.

وفي خضم ذلك ظهرت نتيجة العام فإذا به يحقق مجموعاً عالياً يؤهله للالتحاق بكلية الطب، فيُقبل على الدراسة بنهم وشغف، ويصبح من الطلاب البارزين الذين تلتفت إليهم الأعين، لتلتقي عيناه مع إحدى الطالبات الجميلات والتي ترتدي أفخر الثياب والحليّ، فيعيد نظرات عينيه إلى الأرض حسيرة كأنه يقول لنفسه: أين أنا من ذلك الملاك؟ ويحاول أن يصرف فكره عنها دائماً بالتفكير في الحاضر والمستقبل، فلا وقت للحبّ، فهو بالكاد استطاع أن يشتري قميصاً وحذاءً جديدين يذهب بهما إلى الجامعة.

وتمرّ الأيّام وكلما كان جالساً في المحاضرات تذكّر طيف هذه الفتاة فاختلس النظر إليها، باحثاً عنها بين زميلاتها، ليجدها تبادله نظرات الحب والإعجاب.

انقضى العام الأول وحصل على تقدير امتياز مع مرتبة الشرف، التف الأصدقاء حوله لتهنئته، وكانت فتاته من بين المحيطين به والمهنّئين له، والتقت أعينهما وعبرت عما لا تستطيع الأفواه أن تصرِّح به، تعاهدا على الحب والوفاء، وأن يكونا لبعضهما البعض، لا تفرّق بينهما الأنواء، أصبحا صديقين وحبيبين مقربين داخل الجامعة حتى انقضت أيام الدراسة وتخرجا سويّاً.

عمل صديقي معيداً في كليّة الطبّ، وحانت اللحظة التي يتقدّم فيها طالباً يد محبوبته من أسرتها حتى يُكلِّلا هذا الحب بالزّواج، ذهب إلى أسرتها يُمنّي نفسه بالسعادة، إلى أن كانت دهشته عندما وجد نفسه أمام بيت فاره من بيوت الأثرياء.

فتح الخادم الباب وانحنى له ثم طلب منه الدخول إلى حجرة واسعة يبدو عليها مظاهر الأُبهة والفخامة، وطلب منه انتظار سيده، كان سيده من أثرياء هذا الزمان الذين ينظرون إلى الناس باستعلاء، حاول صديقي أن يقف ويمدَّ يده لأبيها ليصافحه.

لكن الرجل لا يبدو مُرحِّباً به، جلس في مقعده  يدور في رأسه صراع، فشتّان ما بين ظروفي وظروف هذا الرجل، تكلم الرجل قائلاً: من أنت؟ استجمع صديقي شتات نفسه قائلاً: دكتور أحمد، سأله الرجل: ماذا تريد يا دكتور أحمد؟ أجاب أحمد في ارتباك: أتيت لأتشرف وأطلب يد ابنة حضرتك.

بدت على وجه الرجل ملامح الغضب قال: قبل أن تتقدم إلى بنات الناس كان يجب عليك معرفة من هي ومن أهلها؟ هل بإمكانك شراء بيت لها مثل ذلك البيت الذي تعيش فيه الآن؟ طلبك مرفوض يا دكتور أحمد.

نهض صديقي من مجلسه على عجل، لا يقوى على السير، أوصله الخادم إلى الباب، أسرع إلى البيت، مادت به الأرض، جلس على سريره حزيناً مهموماً، في الصباح ذهب إلى عمله، وجدها بانتظاره عند أحد المدرجات، اعتذرت له عما بدر من أبيها.

أقسمت له أنها تحبه وأن قلبها لن يكون لأحد غيره، وأنها ترغب في أن تعيش إلى جواره فقط مهما كانت الحياة، لكنه اعتذر لها بأدب جمٍّ قائلاً: لا أقبل أن أسلب منك سعادتك، تركته وهي تبكي، وانصرفت إلى سبيلها.

ومرّت الأيام وفي جلسة مع بعض الأصدقاء أخبروه عن فتاته وأنها تزوجت بالأمس من أحد الأثرياء من رجال الأعمال، تمنّى لها كل السعادة، تقدم الدكتور أحمد في عمله وأصبح من أساتذة الجامعة المرموقين، لكن قلبه مازال مغلقاً بعد أن سكنت فيه محبوبته ورفضت أن تغادره، يكتوي بذكراها.

بضع سنوات تَلت واتصل به أحد أصدقائه طالباً منه الانتظار وعدم مغادرة الجامعة لأمر هام، جلس على أحد المقاعد يُسائل نفسه: لماذا يطلب مني صديقي الانتظار في الجامعة؟ّ ما الأمر الهام الذي يطلبني من أجله؟ وفجأة لاحت منه نظرة إلى الأمام ليجد صديقه ومعه امرأة ترتدي ثوباً أسود جميلاً.

وعلى عينيها نظارة سوداء تخفي خلفها تعاسة الدنيا، تقدما إليه، صافحه صديقه ثم قدمها إليه فمدت يُمناها إليه لتصافحه وتنزع بيسراها نظارتها السوداء عن عينيها، اضطربت يداه، ارتجف قلبه، اهتزت أقدامه، إنها تلك الحبيبة، أخفى يديها في قلبه، هل يعقل أن تعود السعادة إليه؟ استأذن صديقه للانصراف.

تركهما يستعيدان الذكريات الجميلة، حدّثته قائلة: لم أستطع أن أعيش طوال هذه السنوات بدونك، إن همسات قلبك تشغل كل جزء في قلبي، لقد تمردت على حياتي وحصلت على الطلاق من أجلك أنت، يا لأقدار السماء! أيعقل بعد كل هذه السنوات أن يعود الحب؟ تحادثا طويلاً.

أقسم هذه المرة أنه لن يتركها أبداً ولو كلّفه الأمر روحه في سبيلها، افترقا في المساء على أن يعود في الصباح التالي لطلب يدها، انطلق بسيارته مسرعاً إلى بيتها.

طرق الباب ففتح الخادم الباب، استأذن في الدخول، يعرف الطريق إلى البيت، نزل والدها إليه، لكن نظرة الاستعلاء قد زالت عن وجهه هذه المرة، حيَّاه الدكتور أحمد، صافحه، طلب منه يد ابنته، وافق لكنه اشترط عليهما أن يعقدا قرانهما بعيداً عنه، انطلق الحبيبان مع قليل من الأصدقاء وعقدا قرانهما.

احتفلا وانطلقا إلى عشهما سعيدين لينهلا من ينابيع الحب، ويسطرا صفحة جديدة من صفحات الخلود، رُزقا بمولودهما الأول ثم مولودتهما الثانية ليربط الحب بين قلبيهما بهذين الطفلين.

مرت السنون وبدأ أحمد يرى على وجهها ملامح الضيق، وإذا سألها عن أسباب ذلك لا تجيبه، ما الذي غيَّر هذا الحب؟ أين ذهب الحب؟ ما الذي ألمَّ بها؟ تُراها اشتاقت إلى حياتها القديمة؟

طلبت منه العودة إلى أسرتها، سألها عن الأسباب رفضت الإجابة، انطلقت إلى بيت أسرتها دون أن يعرف سبباً لذلك، لكنها وعدته أنها ربما تعود يوماً ما.

انتظر عودتها، حاول أن يتحسس أخبارها، ففي أحد الأيام اتصل به صديقه السابق، يبلغه بالخبر الصادم، لقد توفيت زوجتك وحبيبتك في بيت أهلها، ينهار على مقعده، يرتدي ثيابه على عجالة، يدخل البيت، يبحث عنها تنظر العيون إليه باكية.

إنها تنام كالملائكة على سريرها، يحتضنه والدها، يعطيه ورقة، يفتحها، يقرأ سطورها: "حبيبي أحمد، إن قلبي لم يدخله أحد غيرك، أحبك وسألتقي بك في الجنان، وأنا أحبك، تركتك بعد أن مرضت، لقد كنت أُخفي مرضي عنك  حباً لك وخوفاً عليك حتى لا تتعذب بحبي لك، أحبك كثيراً، تذكرني دائما".

انهمرت الدموع من عينيه، واحتضن طفليه اليتيمين.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

مقال جميل

ارجو ان تقرا مقالاتى و تعطينى رايك
أضف ردا

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

سأفعل ذلك أن شاء الله و إنى لعلى يقين بموهبتك الأدبية و أنك تمتلكين إحساسا أدبيا رائعا
أضف ردا

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقال رائع يخطف الانفاس، ويجعل مشاعر قلبك تتارجح بين الاصرار ،الحب،الحزن،الحنين.... بالتوفيق والنجاح.
أضف ردا

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

شكرا سيدتى على كلماتك الرقيقة
أضف ردا

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة