قصَّة بعنوان "حبّ لا يرى الشمس"


اعتاد صديقي أن يستيقظ في الصباح الباكر دائماً ليستنشق نسمات الربيع الجميلة، ويلقى بنظرة فاحصة متأملة على أزهار الحديقة الجميلة المقابلة لشرفة منزله ويتأمل الشمس بسلاسل أشعتها الذهبية وهي تولد في الصباح الباكر، لكن هذا اليوم لم يكن يبدو كغيره من الأيام السابقة التي اعتاد فيها أن يكون جالساً في شرفة المنزل مع إشراقة الصباح الأولى فقد تنبهت عيناه إلى أمر لم يألفه، هناك في شرفة المنزل المقابلة لحديث يظهر وجه فتاة جميل الملامح لكن نظرات عينيها تخفيان آلاماً دفينة.

اعتدل صديقي في جلسته ووضع يديه على عينيه يمسحهما ويزيل ما بقي فيهما من آثار النعاس، وأخذ يسترق النظر إلى الشرفة المقابلة ليتأكد مما تراه عيناه من ذلك الملاك الجميل فالتقت عيناها بعينيه ثم أسرعت إلى الداخل، في هذه اللحظة بدت على شفتي صديقي ابتسامة جميلة، يبدو أن شيئاً قد اخترق قلبه، ظل صامتاً في الشرفة ينظر إلى الشرفة المقابلة ويطيل النظر إليها، ما الذي يشعر به؟ لماذا يضطرب قلبه؟ ماذا أصابه؟ هل يمكن أن يكون هذا هو ما يسمونه الحب؟ أسرع إلى الداخل أخرج ورقة وأمسك بقلم كتب فيها:(حبيبتي الجميلة، أنا لا أستطيع أن أعبر عن مدى حبي وشوقي إليك أيتها الزهرة الجميلة بستان حياتي، ثم فجأة توقف عن الكتابة فهو لا يعرف لمن يكتب هذه الرسالة، ولا يعرف من تكون هذه المحبوبة، بل لا يعرف شيئا عنها. 

هنا تغيَّرت ملامح وجهه، وظهر على وجهه شيء من الحزن والألم، ظل يرافقه حتى أوى إلى فراشه مسهدًا متعباً، استيقظ صديقي عندما أشرقت تباشير صباح اليوم التالي، وأعدَّ لنفسه على عجل فنجاناً من القهوة وخرج إلى شرفة المنزل كعادته، ليجد تلك الفتاة واقفة في شرفتها وكأنها كانت على موعد معه، تنتظر خروجه إلى شرفته وهي ترتدي ثوباً جميلاً، وشعرها الأسود ينسدل على وجنتيها، فما أن لمحته حتى ابتسمت شفتاها ابتسامة السعادة وتهللت أسارير وجهها لرؤيته، وردَّ ابتسامتها بابتسامة منه، ولوحت له بيُمناها فأشار إليها بيمناه محييا لها...

والتقت نظرات الحبيبين، وأصابت سهام الحبّ هذين القلبين ومكثا في شرفتيهما قليلاً وهما يمنيان نفسيهما أن تنمو شجرة الحبّ بينهما حتى تمنحهما أطيب ثمارها، ثم ودعته بإشارة منها وأسرعت إلى الداخل، وتركته سابحاً في أفكاره، لم ينم صديقي تلك الليلة، فقد خاصم النوم عيونه وظل مؤرقاً في فراشه مشغولاً بها، يمني نفسه برؤيتها في اليوم الثالث ومحادثتها والتعرُّف عليها، فنهض من فراشه مسرعاً، وخرج إلى شرفته ينظر إلى شرفتها من بعيد متلهفاً إلى رؤيتها، لكنه لم يجدها، لبث قليلاً ينتظرها فخرجت على استحياء منها بعد أن تمكن الحبّ من قلبها الصغير وأشار إليها بيده فابتسمت ولوحت له بيدها، وأفهمته من بعيد أنها في الغد لن تتمكن من رؤيته ولم تبيّن له الأسباب وعليه ألا ينتظرها كثيرًا.
وفي اليوم التالي اشتاق صديقي إلى رؤية محبوبته رغم أنها طلبت منه ألا ينتظرها، لكنه خرج إلى شرفته ينظر أمامه فلم يجدها، فالتفت يمنة ويسرة لعلها تكون آتية إلى الشرفة لكنها لم تأتِ فأصابه الحزن لعدم رؤيتها لكنه قرر أن ينتظرها في اليوم التالي فلم تأتِ.

مضت الأيام كئيبة على قلبه وعقله وحاول أن يعرف لها طريقاً، أو يعلم خبرًا عنها، وبالفعل التقى مصادفة بإحدى الفتيات المقيمات بالقرب منها، وسألها عنها فأخبرته بأن محبوبته كانت تقيم في إحدى القرى وأنها جاءت منذ فترة قصيرة إلى المدينة كي تزور طبيباً شهيراً في المدينة لأنها مريضة، وأن الطبيب أخبرها بأنها تحتاج إلى جراحة عاجلة، وأنها قبلت إجراء الجراحة بسبب حبها الشديد له، وأنها أرادت أن تعيش حياة سعيدة مع حبيبها، وأوصتها بألا تخبر أحداً بذلك حتى عودتها وفي أثناء الجراحة توقف قلبها فجأة وحاول الأطباء إنقاذها لكنهم فشلوا، وأن أقاربها نقلوا جثمانها إلى القرية لتدفن هناك. 
أجهش صديقي بالبكاء وامتلأت عيناه بالدمع على الحبّ الذي مات جنينا.

بقلم الكاتب



ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية