قصّة بعنوان (الشيطان يعظ في المدينة)


ملّ الشيطان يومًا من جلوسه في المدينة بلا عمل، فقد كان دومًا يوقع العداوة والبغضاء بين الناس، وينشر الصّراع والحقد بينهم، ويثير الحروب والفتن بين الناس، ولم يعد يرى صراعًا أو دمارًا بين بني البشر، فحزن لذلك الأمر حزنًا شديدًا؛ لأنّ دوره في المجتمع الإنساني قد تناقص كثيرًا، ولا يرى فيه ما يشبع غريزته في الغواية والضّلال، وهو الذي أمره الله تعالى أن يهبط إلى الأرض مع بني الإنسان ليكونا عدوان بعضهما لبعض، أخذ الشيطان يسأل نفسه قائلًا: ماذا حدث لبني آدم؟ !لم لا أراهم يتصارعون ويتقاتلون؟! هل فشلت أو أصبحت عاجزًا في غوايتهم وأداء مهمتي على الأرض؟! ثمّ فجأة توقّفت كلّ الأسئلة على لسانه، واعتدل في جلسته، ولمعت عيناه بالبريق، فقد تفتقت في ذهنه حيلة لخداع بني آدم...، أخيرًا وجدتها وجدتها، لم لا يلبس ثياب الواعظين ويحمل مسبحة في يده؟ لم لا يلبس قناعًا يخفي به فكره وغوايته؟! لم لا يسير بين الناس بالمكائد ويقلب القلوب ليحجب الفضيلة من المجتمع؟ نعم إنها فكرة مذهلة، فليبدأ العمل من الآن، فالوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك، ارتدى الشيطان مسوح العباد الزاهدين، وخرج من مملكته لنشر الغواية بين الناس، وفي طريقه وجد رجلًا فقيرًا لا يملك من حطام الدنيا شيئًا، لكنّه باسم الوجه، راض بحياته، اقترب منه وبادره بالسلام، فردّ الرّجل عليه السلام، قال الشيطان له: لماذا أراك باسم الوجه راضيًا رغم فقرك؟! فأجابه الرّجل: ليس لي مطمع في الحياة إلا شربة ماء وكسرة خبز أقتات بها، وثوبًا يستر جسدي، تظاهر الشيطان بالاقتناع بكلام الرجل، لكنه سأله سؤالًا آخر: ألست تحتاج إلى بيت كبير وسيارة فارهة وأموال كثيرة؟! هذه الحياة لا تصلح لك، أمامك الكثير من أسباب السعادة، لا تقبل هذه الحياة، شارك الناس في قصورهم وأموالهم وممتلكاتهم يا رجل، صمت الرجل برهة حتى تهللت أسارير وجهه واقتنع أن الشيطان على حق، فقد أسرع ليخطف من ملذات الحياة، ابتسم الشيطان كثيرًا، وعلت ضحكاته حتى هزت جوانب الطريق وهو يقول: ها أنا أخيرًا قد نجحت.

انطلق الشيطان يبحث له عن فريسة أخرى، وفي الطريق رأى شخصين متنازعين يقول أحدهما للآخر: سامحك الله، اقترب الشيطان منه قائلًا: كيف تسامحه؟! لماذا ترد له الإساءة بالإحسان يا رجل؟! أجابه الرجل: لأن ربي قال: "والعافين عن الناس والله يحب المحسنين"، بادره الشيطان قائلًا أنت إنسان ضعيف، هذا القول ليس لك، لا بد أن تقتص لنفسك... أنت صاحب حق، انتبه الرجل كثيرًا، بدت على وجهه ملامح الاقتناع، أمسك بحديدة في يده وأسرع يضرب بها رأس الرجل حتى سالت دماؤه، ضحك الشيطان كثيرًا حتى ظهرت أنيابه واتسعت حدقتا عينيه السوداوين، ومشى وهو يردد في سعادة، لقد نجحت، لقد نجحت.

مضى الشيطان في طريقه فرأى رجلًا يعمل راعيًا لأغنام رجل من الموسرين، يسوسها إلى الماء والكلأ، فأوقفه قائلًا: مهلًا يا رجل، لم أنت متعجل؟ !أجابه الرجل: هذه الأغنام لرجل أرعاها وأحافظ عليها، أوردها الكلأ والماء وأتلقى أجري عن عملي من صاحبها، وأنا أحمد الله أن مكنني من رعايتها وحفظها من الذئاب ووحوش البيداء، فسأله الشيطان: وهل تحصل على أجر يناسب المشقة التي تكابدها من هذه الأغنام يا رجل؟ !أنت تمضي يومك في الجري خلفها ومراقبتها من الوحوش، ما أشدّ عنائك يا رجل! جهد ومشقة صيفًا وشتاء من أجل قروش زهيدة؟ ماذا لو أخذت بعضًا من هذه الأغنام لك وأخفيت الأمر عن صاحبها؟! إنّ البيداء مليئة بالوحوش، تعلل له بأن الذئاب قد افترستها في غفلة منك، أرهف الرجل أذنيه لكلام الشيطان وبدا له الأمر جيدًا، وظهرت على شفتيه ملامح السعادة والابتسامة، والشيطان ينظر إلى الراعي في سرور فرحًا بالنّصر على بني آدم، وانطلق مسرعًا باحثًا عن ضحية أخرى من ضحاياه، وفي الطريق رأى رجلًا وقورًا يظهر على وجهه سمت الفضيلة والخلق، فنظر إليه حتى كاد الحقد يأكل كبده، اقترب منه قائلًا: لماذا أراك تسير مطأطىء الرّأس إلى جانب الطريق؟! فأجابه الرجل: حتّى أفسح الطريق للمارة ولا تقع عيني على حرام، قال له الشيطان: ويحك يا رجل، ولماذا تقسو على نفسك كل هذه القسوة؟! إنّك تشدّد الأمر عليك، الله رحيم بالعباد، قال الرجل:وماذا في ذلك؟ أجابه الشيطان: ولم لا تأخذ نصيبك من الدنيا ومتاعها؟! الحياة مليئة بالمتاع يا رجل والعمر طويل، هنا أدرك الشيطان أنه نجح، فقد بدأ الرجل  يضع قبضة يده على لحيته ويهز رأسه يمنة ويسرة، فأصر ذلك اللعين على أن يراقب تصرفات الرجل عن كثب، فرآه يومًا يدخل بيتًا متلصصًا فأدرك أنه وقع في حب امرأة بغيً، دلف إليها سرًا فناولته كأسا من الخمر حاول أن يصدّها فأبت فشربه كارهًا، ثمّ دعته إلى فراشها فاستجاب لها، ولمّا أفاق من سكره وأراد النجاة بنفسه قدّت قميصه من دبر وهو يحاول الفكاك منها فلم يستطع فهوى بيده يقبض على أنفاسها حتّى تهاوت تحت أقدامه، والشيطان ينظر إليهما ضاحكا، حتى ارتجت جوانب المكان، ثمّ أطلق اللعين ساقيه للريح وهو يقول: "وعزتك وجلالك لأغوينهم ما دامت أرواحهم في أجسادهم"، فيقول الله تعالى: "وعزتي وجلالي لأغفرن لهم ما داموا يستغفرونني".

بقلم الكاتب



ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

مقال رائع ومعبر جدا عن مهمة الشيطان في الأرض وإرادة الإنسان الضعيفة أمامه
سلم قلمك 🌹

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

عزيزنى الخلاقة المبدعة أشكر لك هذا الثناء الذى هو قطرة من فيض أخلاقك الرقيقة وإبداعاتك الرشيقة تمنياتى لك بموفور السعادة والنجاح والإبداع.

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

عزيزنى الخلاقة المبدعة أشكر لك هذا الثناء الذى هو قطرة من فيض أخلاقك الرقيقة وإبداعاتك الرشيقة تمنياتى لك بموفور السعادة والنجاح والإبداع.

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية