قصة "بعض الصمت أذية".. قصص قصيرة

دخلت سيدة بريطانية عجوز البقالة يوماً ما فرأت سعر الطماطم مرتفعاً، فأعادت ما حملت وأرسلت لصديقاتها: لا حاجة لنا في الطماطم اليوم! 

 وقد سبقها وفدٌ في زمن سيدنا عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - لاحظوا أنّ تجار اللحم قاموا برفع سعره، فذهبوا إلى الفاروق ليطلبوا منه تخفيض الأسعار، ‎فقالوا له: غلا اللحم فضع له تسعيرة.

 ‎فقال لهم: أرخصوه أنتم. 

 ‎فقالوا: كيف يا أمير المؤمنين؟

 ‎قال: اتركوه لهم.

‎فترك الناس شراء اللحم أياماً، واضطر التجار إلى تخفيضه مجبورين. 

وأيضاً سبقها أهل مكة حين لاحظوا غلاء الزبيب، فكتبوا إلى عليّ بن أبي طالب - رضي الله عنه - بالكوفة: إنّ الزبيب قد غلا علينا. 

فكتب لهم أن أرخصوه بالتمر، أي استبدلوا التمر به.

‎يلفتني جداً قدرة الفرد على إحداث تغييرٍ ولو بخطوةٍ فرديةٍ بسيطةٍ، أو بمبادرةٍ صادقةٍ أو بردِّ فعلٍ مُعبِّر، يشدُّ انتباهي ذاك الذي لا يقف على صراط الحياد طالما الحقيقة بيِّنة!

ولا يتهاون في قول الحق ولو في غريمه!

ارتفاع سعر اللحم والزبيب والطماطم لن يسجل ويتداول كقصةٍ لولا ردّ الفعل الفردي والجماعي، لولا الإيمان بأثر الواحد! 

إنّنا نتحدث هنا عن نجاح تلك الخطوات رغم كونها على مستوى اقتصادي، قد لا يأتي الامتناع فيه بنتيجة، لكنَّها كرامة المحاولة، وشرف الإفصاح عن الرأي! 

وإن كان ذلك في عالم الاقتصاد والمال صعبًا، أليس في عالم العلاقات والحياة الاجتماعية العامة أيسر وأولى؟

‎فنحن نعاني من انهزاميةٍ شديدةٍ تجاه ذواتنا، وتجاه قدراتنا التي تحتضر ببطء، إنّنا نخذل أنفسنا أمام سيلٍ من المجاملات التي نعجز عن إيقافها، وأمام طوفانٍ من التملُّق الذي نتهرب من مواجهته نلتزم الصمت!

إنّنا نخذل أنفسنا، ونورث أبناءنا عاداتٍ وتقاليد تضيِّق علينا الحياة، وتسلبنا حيوية سعتها، إنّنا نخذل أنفسنا بالصمت والسكوت، وبردود الأفعال الباردة التي لا تتناسب مع المواقف الساخنة، إنّنا نخذل أنفسنا بالتمويه الذي نمارسه عليها من خلال فهمٍ خاطئٍ لمواعظ أو نصائح، والتي نلوي بها الموقف وما يتطلَّبه من ردِّ فعلٍ عزيزٍ بعيداً عن الإهانة والخذلان.

 يعلِّمنا التاريخ أنَّ الأفعال الصغيرة والفردية قادرةٌ على إحداث تغييرٍ اجتماعيٍّ إيجابي، لذلك لابدّ لنا من اقتحام العقبة، وفكِّ رقبة الصمت المريض!

‎إنَّ ثقافة التعبير والإفصاح يحافظان على كيان الإنسان من الهزيمة والتراجع، وتعيد للمرء هيبته، وتحفظ له مقامه وحقه.

فالتاجر مثلاً لا يفكِّر في المستهلك المستسلم فهو مضمون بالنسبة له، إنّما يفكِّر في المستهلك الذي يعبِّر عن رأيه، ويفكّر، وينتقد، ويتخذ موقفاً، ‎أي إنّ التاجر يتأثّر كثيراً بمن يقول (بضاعتك لا حاجة لنا بها).

‎أخيراً: قالت العجوز لا حاجة لنا في الطماطم اليوم، ولابدّ لنا أن نقول: كلُّ علاقةٍ تؤذينا لا حاجة لنا في الصمت والسكوت عنها، بل يتوجُّب علينا الإفصاح والتعبير، فإن كان يخيّل إليك أنَّك تبني بالصمت تلك العلاقة؛ فالحقيقة أنَّك تهدمها، فبعض الصمت أذى.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة