في العنبر الأول المخصص للسيدات اللائي على وشك الولادة، مرت أم مبروكة بأوقات عصيبة، نظرت للساعة التي تُزين الحائط، كانت لا تتحرك عقاربها، وكأن الزمن قد توقف عند تلك اللحظات، وقفت أم مبروكة بجوار أحد الدواليب، ونظرت من النافذة، رأت قطة "أمًّا" لديها عدد كبير من القطط الصغيرة، كانت القطة الأم مُنهكة، لذا لم تشأ أن تنام حتى تُرضعهن، بل تحركت قليلًا.
وتركتهن يركضن بوهن خلفها دون جدوى، إلا قطة صغيرة واحدة كانت أضخمهن جسمًا ركضت بقوة خلف أمها، وكانت جائزتها: هي أن نامت القطة الأم، وتركت القطة الصغيرة الأضخم ترضع وتهنأ.
في حين كان يوجد عصفور يُحاول أن يُحلق وأنى له ذلك بعد تلك الإصابة البالغة، التي يُعانيها، بعدما تركته أمه، وذهبت تُعلم أخيه الأقوى فن الطيران، لكن توجد صرخات منعت أم مبروكة من مواصلة تأملاتها في الكون.
كانت صرخات سيدة بكرية تلد للمرة الأولى، كانت السيدة تلطم وتدعو على جنينها بالموت من شدة ما تُعانيه من آلام، أما أم مبروكة وقد اعتادت الولادة، فقد اندهشت، عندما علمت أن السيدة البكرية حامل في ولد.
طلبت الممرضة من أم مبروكة أن تذهب لغرفة السونار -موجات الأشعة الفوق صوتية- وفي الغرفة، حاول الطبيب التأكد من نبض الجنين، وسألها عن المدة التي توقفت فيها حركة الجنين، ثم هاتف أحد الأطباء وشرح له حالة أم مبروكة.
لم تفهم أم مبروكة من كلام الطبيب شيئًا، سوى أنها تحتاج لعملية جراحية على الفور، حفاظًا على حياتها.
اعتادت أم مبروكة أن تلد في منزلها، إذ كانوا يحضرون لها ممرضة أو داية "قابلة"، تُتابع أم مبروكة حتى تلد بسلام، أما هذه المرة فليست مثل كل مرة.
نُقلت أم مبروكة لغرفة العمليات، وغابت عن الوعي، ورأت في ما يرى النائم والدتها الحاجة سنية، وهي تقول لها: "يا ابنتي اهتمي بصحتك وصحة بناتك، نعم الأطفال أحباب الله، لكن لا يكن كل همك إنجاب ولد، فأنت وبناتك تُعانين الأنيميا وسوء التغذية، ومنهن المُصابات بحساسية الصدر أو التهاب اللوزتين.
والأمر شديد الْخَطَر، فقد يتطور التهاب اللوزتين إلى حمى روماتيزمية، تؤثر في صمام القلب -لا قدر الله- يا أم مبروكة بناتك نعمة اشكري ربنا عليها بحسن تربيتهن والاهتمام بصحتهن، فـ«كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته»، «وكفى بالمرء إثمًا أن يضيع من يعول».
فردت أم مبروكة قائلةً: هل تريدين أن أكون مثلك أتحمل الإهانات والسخرية وبذاءات الألسنة ممن حولي، ولولا وفاة أبي - بعدما ولدت- لكان حالك أسوأ من حالي، نعم إنها شكواي الدائمة من سوء الحظ، فالجميع يتهكمون علي ويسموني بأم البنات يا لحزني الدفين يا لمصيبتي، حتى إني لم أعد ألمس أي ولد رضيع مخافة أن يصاب بأذى فيقولون إني حسدته.
حتى لا تشمت في العقارب أخوات زوجي خاصة بعد أن أجبرهن على التنازل عن ميراثهن وجميع حقوقهن في تركة والدهن، في مقابل أن يتكفل برعايتهن، ويزورهن في المناسبات ومعه كثير من الهدايا، حتى يرفعن رؤوسهن أمام أزواجهن المتلهفين للهدايا والميراث، نعم إن أبا مبروكة كان يذهب لإخوته بالهدايا القيمة، وما إن وقعن التنازل عن جميع حقوقهن في الميراث، ونجحت الخطة.
صار أبو مبروكة يحضر لهن هدايا زهيدة الثمن، أو يحضر لهن الثمار التالفة، أو الثمار غير الناضجة، وكان يُقسم لهن -بأعظم الأيمان- إن الأشجار والزروع لم تؤتِ أكلها هذا العام، وتدريجيًّا قاطعهن واحدة تلو الأخرى.
قصة جميلة
شكراً جزيلا ً، في انتظار المزيد من مقالاتك الرائعة والمتميزة، دمتم بخير وسلام وسعادة.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.