هذه واحدة من قصص البطولة والتضحية التي أظهرت أصالة معدن الإنسان المصري ونبله حين يبذل روحه رخيصة في سبيل الدفاع عن تراب الوطن؛ حتى لا يدنس هذا الوطن وتظل رايته مرفوعة خفاقة.
قصتنا هذه هي قصة وجود وصمود وإباء وشمم حيث بدأت أحداث قصتنا منذ ما يزيد على عقدين من الزمان حيث كان العم صابر يعيش في أقاصي صعيد مصر بإحدى محافظات الوجه القبلي النائية فينهل من نيلها الرقراق العذب الذي ينساب بين ضفتيه ويقتات من زرع أرضها الأخضر .
وكان لديه قطعة من الأرض ورثها عن أبيه يزرعها ببعض المزروعات التي تسد حاجته ويبيع ما فاض منها عن حاجته وتظهر على ملامح وجهه المشوب بسمرة طين الأرض وساعديه القويين الذين يساعدنه في زراعة الأرض وزوجته محتسبة التي تظهر على ملامحها طيبة الصعيد وأرضه وحرارة شمسه وقد أنجبت له من الأبناء سبعة حيث ثلاثة من الذكور وأربع من البنات.
كان أكبر هؤلاء الأبناء هو مجاهد الذي كان شاباً يافعاً فتياً قوياً ذا يدين قويتين لكثرة ما ضرب بفأسه هذه الأرض الطينية السوداء الصلبة وكان قد أنهى تعليمه وحان عليه الدور لأداء الخدمة الوطنية. جاء مجاهد لأبيه في الصباح في الحقل وكان أبوه يروى الزرع وينتقل من مكان إلى مكان ودار بينهما الحوار التالي:
مجاهد: "يا بوي"
التفت الأب لنداء ابنه فوجده أمامه فأجابه: "أيوه يا مجاهد"
رد مجاهد على أبيه وقال: "أنا مطلوب نعم مطلوب للخدمة يا بوي ولازم أروح للجيش، كان هذا الأمر قاسياً على قلب الأب والأم فهو أكبر الأبناء وهو أكثر الأبناء حرصاً على والديه وإخوته والأكثر ارتباطاً بأبويه. لم يبد الأب امتعاضاً أو نفوراً مما قاله ولده مجاهد ونادى على زوجته فلما اقتربت الزوجة منهما قال صابر: "سمعتي يا محتسبة كلام ابنك"
فأجابته: "كلام إيه" فقال لها: "مجاهد هيروح الجيش"؛ قطبت محتسبة جبينها وظهر على وجهها الضيق لرحيل ابنها عنها وحاولت أن تخفى دمعتين انحدرتا من عينيها لكنها عجزت عن ذلك، وهنا احتضن الأب ابنه وضمه إلى صدره.
وقال: "أنا عايز أوصيك يا مجاهد قبل ما تسافر إياك يا ولدي تغمض عينك، إياك يا ولدي تفرط في حبة رمل من ترابها.؛ دي أرض آبائنا وأجدادنا، فيا ولدى سلاحك شرفك أرضك وعرضك ويرد عليه ولده مجاهد: "متخافش يابوي ولدك راجل ابن راجل أنت يابوي علمتني الشرف والشجاعة والكرامة" ويبادره الأب بالسؤال: "وتروح فين يا مجاهد؟" ليرد عليه مجاهد: "أنا سامع يابوي أنهم راح يحطونا علي سينا"، فتظهر على وجه الأب ملامح القلق فيقول: "خلي بالك وحياة أبوك يا مجاهد من نفسك؛ فياما سمعنا عن الأرض دي مليانة ديابة وثعالب.
خلي بالك من سلاحك يا ولدي إياك تنام وأنت في الحراسة بتاعتك" ثم وضع الأب يده في جيب جلبابه وأخرج منه كيساً به بعض النقود التي جمعها من عمله في الحقل ودسها في يد ابنه قائل له: "خد الفلوس دي يا ولدى يمكن تنفعك وأنت مسافر وعايز أقولك على حاجة تفرحك قوى أنا كلمتاك عمك حسنين وخطبتلك بنته منصورة وأنا عارف يا ولدي قد إيه أنت رايدها وبتحبها وإن شاء الله وأنت راجع إجازة تلبسها الشبكة يا ولدي".
هنا تهللت أسارير وجه مجاهد وارتسمت الابتسامة على شفتيه؛ لأن أباه يعلم ما في قلبه من حب لابنة عمه وأشرق وجهه وأكب على يد أبيه يقبلها ويحتضنه. أمضى مجاهد بعد ذلك اليوم ثلاثة أيام في الاستعداد للرحيل عن حضن أبويه وإخوته وقريته وأصدقائه لينطلق إلى ذلك المكان البعيد المترامي الأطراف بصحرائه الموحشة وذئابه العلوية ليكون جندياً مدافعاً عن تراب الوطن وقد أقسم في نفسه أن ينفذ وصايا أبيه له فلا يترك سلاحه أبدا فإما النصر أو الشهادة وألا يغمض له جفن حتى يقضى على تلك الذئاب العاوية التي تستبيح لنفسها أن تفترس طيور الوطن وتقتلع وروده وتنشر الخراب والخوف في أرجائه. كانت السيارة التي تقله إلى موقعه تنهب الأرض نهباً بينما كان هو سابحاً في أفكاره التي تعود به إلى قريته ومسقط رأسه وإلى أسرته التي افتقدها الآن وإلى أحضان أبيه وأمه وذكرياته في قريته وأصدقائه بينما كانت عيناه تراقبان معالم هذا المكان وهو يرى بعض القرى المتباعدة في هذه الصحراء القاحلة وبعض الأشجار المتناثرة هنا وهناك ويدور في ذهنه حديث أبيه له وبينما هو غارق في أفكاره انتبه على صوت بعض رفاقه يطلبون من السائق أن يتوقف بهم في هذا المكان فقد وصلوا إلى معسكرهم فتنبهت أذناه وعيناه لهذا الأمر وترجل من السيارة وحمل حقيبته في كتفه ونزل إلى معسكره صامتاً حتى قادته قدماه إلى الداخل فيصافحهم بعض الضباط والجنود ويرحبون بهم ليجلسوا معاً ويتناولون بعضاً من الطعام الذي أحضروه معهم في حب وفرح ولم يمض إلا قليل من الوقت حتى انتقل كل منهم إلى موقعه ودوره المنوط به في المعسكر حتى جاء المساء وأطبق الظلام الدامس على المكان وغشي الصمت المكان.
كان مجاهد قد أمسك سلاحه بيديه القويتين ونور عينيه يشق هذا الظلام وما زالت كلمات أبيه تتردد في أذنيه وفجأة ترتد من عينيه نظرة فيرى نوراً قادماً من بعيد يسير في اتجاههم فكان هذا النور يذيب ظلام الليل وراح يرهف السمع فتسمع أذناه عواء الذئاب والثعالب التي تبحث عن فرائسها في البرية في الليل البهيم فينصب قامته ويشهر سلاحه والذئاب الضالة تقترب من المكان رويداً رويدا، في هذه اللحظة يتذكر كلمات أبيه فيحدد هدفه بأن لا بد من القضاء على قطعان الذئاب الضالة والفتك بقائد القطيع الذي يتقدمهم فهو الأخطر بينهم فيصوب سلاحه إليه فيرديه قتيلاً وينبه زملاءه بالاستعداد لرحلة صيد ثمين هذه الليلة فيستعد الجميع بأسلحتهم وتنطلق رصاصاتهم في صدور بعض هذه الذئاب فتتساقط أشلاؤهم ودماؤهم وتفر بعض هذه الذئاب إلى دروب الصحراء وبيديها ويقسم مجاهد أن يلاحق هذه الشراذم الهاربة ويطلب من زملائه أن يقوموا بحمايته من الخلف فيتسللون في الظلام بحثاً عن هذه الذئاب الهاربة فيشاهدون أشباحهم المذعورة فيضغط على سلاحه ليقتل خمسة منهم وفي طريق عودته يتجاذبون أطراف الحديث عن رحلة الصيد هذه فلا ينتبه مجاهد إلى أن بعض هذه الذئاب تختفي خلف التلال وفوق الروابي وتصوب هذه الذئاب سلاحها إليه وتخترق رصاصاتهم جسده فيحاول أن يقف شامخاً رافعاً سلاحه؛ لكن جسده يتهاوى إلى الأرض فيسقط إلى جوار صخرة يتحسس جراحه فيجد الدماء تسيل منها بغزارة فيضع إصبعه في جرحه وقد بدت أنوار الفجر تنير الظلام ويكتب بدمه على هذه الصخرة أنا مجاهد شاب مصري ارتويت من نيل الوطن وأكلت من خيره جئت إلى هنا لأحمي الوطن بشرف وكرامة وتظل رايته مرفوعة ًخفاقةً لا أخاف الموت النصر أو الشهادة وتروي دماؤه تراب الوطن ويقبل وجهه أرض الوطن وينطق بآخر كلماته وهو يجود بآخر أنفاسه "سلاحك شرفك وطنك عرضك" ليحمله زملاؤه إلى موقعهم وفي الصباح يحمل جثمان مجاهد) على قريته ويعلم والداه بقصة استشهاده فيحبس دموعه عن المواسين له ويواري جسده الطاهر في مقابر القرية وقد كتب على قبره شهيد الوطن مجاهد بن صابر لتنبت على قبره شجرة الحرية والعزة والكرامة.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.