الحياة يا عزيزي لا تسير كما ترى، وكما تظن.
فالحياة لها قواعد أخرى قد تقودك إلى بلوغ قمم المجد أو الهبوط إلى مستنقعات الفشل، لن تعلم نتيجة ذلك الأمر أبدًا إلا وقت الحدث فقط، كن مستعدًا، كن حذرًا.
باهر
على أرض سيناء الطاهرة وقف باهر، الشاب ذو الثلاثة والعشرين عامًا وسط مجموعة من العساكر الآخرين، يتلقون مهام خدمتهم بعد التحاقهم بالخدمة الإجبارية في القوات المسلحة.
نحن الآن في يناير 2015
اشتد المطر ذلك اليوم من الصباح الباكر، والجميع في شرود وفي صمت وفي ترقب من مهابة ما يمرون به الآن، فأن تكون عسكريًا مستجدًا في القوات المسلحة ليس بالأمر الهين السهل، بل هو أمر له هيبة، وله قيمة لا يتحملها إلا الرجال، وما قُهر الرجال إلا بمشقة وصعوبة الأيام.
باهر صاحب الجسد القوي والعيون الواثقة والوجه العابث يقف تحت قطرات المطر يتذكر ما كان قبل أيام، يتذكر حياته العابثة والساخرة؛
أصدقاءه والسهر واللعب، وتخرجه من الجامعة من عدة شهور قليلة، وحفلة تخرجه، وأخاه الدكتور محمد الذي يوبخه دائمًا بسبب سوء سلوكه وتصرفاته الصبيانية، ونظرة الفخر في عينيه عندما علم أن باهر قد التحق بسلاح الصاعقة المصري، لقد قال لباهر في سعادة:
- لن تعود لنا ذلك الشاب المستهتر الذي رحل، ستعود أقوى يا أخي.
ابتسم باهر، وهو يتذكر والدته هيام وأخته بهية وحبيبته ريم، ابتسم وهو يتذكر أصدقاءه وسهره، ورغم ذلك استقبل التجنيد بصدر رحب، ليس حبًا في تراب بلده، لكن لأنه لا يقاوم الغصب إلا بالرضا، لم يغب عنهم سوى أيام فقط منذ أن التحق بمركز التدريب في بداية العام الجديد، ورغم ذلك ظن أنه قد مر دهر كامل، لم يكن باهر مهتمًا بالأمور السياسية والأحداث الجارية، لم يكن يُلقي بالًا لكل هذا.
مرت الأيام، وانضم باهر إلى كتيبة مقاتلة في شمال سيناء، لم يكن الأمر بتلك الصعوبة التي كان يظنها باهر، بل استمتع بالحياة وسط أصدقائه، وأحبه الجميع بسبب دمه الخفيف وسخريته من كل أمر، فقد كان مصدرًا للسعادة والبهجة لباقي العساكر.
نعم، تغير باهر، لم يعد ذلك الشاب المستهتر، لكنه لم يفقد روح الدعابة، بل استغلها لتمر الأيام القاسية بسهولة، كان يتلقى دومًا وابلًا من التوبيخ والتهديد من الضباط بسبب روح دعابته، لكنهم يتجاوزون الأمر في كل مرة بسبب حبهم لباهر، وبسبب تفوق باهر في كل الألعاب الرياضية والجسدية.
فجر يوم 1/7/2015
اقتربت أيام تخرج باهر من القوات المسلحة، لقد أصبح الآن عسكريًا رديفًا كما يسمون كل من شارفت خدمته على الانتهاء.
تغير كل شيء، هاجمت القوات التكفيرية مقر الكتيبة في خسة ونذالة، أطلقوا النار على العساكر في غفلة، استيقظ باهر على صوت مرعب:
- حرس سلاح...
ينظر حوله؛ ليرى دمارًا ودمًا وجثثًا وشهداء، لم يدر ما يفعله، وهو يرى الموت يزحف نحوه، أمسك سلاحه بين يديه، وخرج من عنبره إلى الخارج ليرى الجنود تقاتل ببسالة، ويستشهدون أمامه واحدًا تلو الآخر، حتى أتى أمامه أحد قادته ووقف أمامه مباشرة وهو يمسك سلاحه وصوب نحو العدو، لكن رصاصة تخترق رأسه، فيسقط شهيدًا، ودمه يغرق وجه باهر المصدوم مما يراه.
فجأة أصبح باهر لا يسمع ولا يتكلم، فقط يشاهد أصدقاءه وقادته يستشهدون أمام عينيه، لم يعد يسمع الضجيج حوله، كأنه أصبح أصم.
ظن باهر أنه قد مات، ظن أن كل شيء قد انتهى، تتطاير الرصاصات حوله، يرى أصدقاءه يقاومون ببسالة رغم جراحهم وإصاباتهم، اشتعلت النار في قلب باهر، انفجر بركان الغضب داخله، مات باهر، وولد باهر آخر.
أمسك بسلاحه، وأقبل على الموت، لكنه لم يأخذ الغصب بالرضا تلك المرة، بل أخذ الغصب بالغصب.
قاتل باهر، قاتل دون خبرة ولا دقة ولا احتراف، قاتل بإيمانه، فلن يموت مستسلمًا، قاتل وهو يرى أن الحياة ليست عبثًا كما كان يظن، قاتل وهو يرى قيمة الحياة في العيون الغائرة، قاتل وتساقط العدو تحت يده واحدًا تلو الآخر، قاتل ببسالة وهو واقف وسط مرمى نيران أعدائه، هم يرونه يقف مكشوفًا لشجاعته، لكن قلة خبرته بمكانه وحركته هي السبب.
النتيجة واحدة، لقد تراجع العدو أمامه بعدما تأكدوا أنه لا يوجد أحد غيره تبقى، تركوه ورحلوا بعدما قتل باهر منهم عددًا كبيرًا.
رآهم باهر يهرولون نحو السيارات هربًا، لحق بهم بصدر عارٍ، ورفع سلاحه نحو ظهورهم، وأطلق العنان لسلاحه الذي استبدله ب آخر ثم بآخر غيره من الأسلحة التي سقطت حوله.
التفوا ليواجهوا باهر، لكن باهر لم يسمح لهم بذلك، لقد فقد باهر كل شيء
حتى غريزة البقاء نفسها، قتلهم جميعًا.
سقط السلاح من يد باهر، ووقف يلتفت وهو ينظر إلى الدمار حوله،
وإلى جثث كل الشهداء أصدقائه بالأمسِ.
انكسر شيء داخل باهر، شيء لا يعلمه، ولا يراه، صرخ بأعلى صوته صرخة ألم، وصرخة رعب، وصرخة شجاعة ونصر، وصرخة أسمعت الذئاب في الصحاري.
يعود باهر إلى حياته الملكية بعدما قضى باقي أيام الخدمة العسكرية في المستشفى بسبب تشخيصه بمرض نفسي لصمته الدائم.
كان الجميع يظن ذلك، وكانوا صادقين، لم يتبق أحد غيره ليقص عليه ما حدث ذلك اليوم، لم يتبق أحد غيره ليشهد على بطولته ومجده ونصره العظيم، لم يتبق أحد غيره ليشهد أن العدو تراجع على يده وحده وانهزم تحت سيل رصاصه المنهمر، لم يتبق غيرُ بقايا باهر، لا يتكلم، ولا يقص، ولا يحكي.
اتهموه بمرض نفسي بسبب ما تعرض له، ظنوا أن جثث الأعداء أوقعها الشهداء قبل أن يستشهدوا، لكنهم لم ولن يعلموا حقيقة ما حدث.
كُرّم باهر، فقد انتهت خدمته العسكرية وهو برتبة عريف بدلًا من عسكري، رحلت الحياة العسكرية تاركة خلفها بقايا جسد، ليواجه باهر حياته الملكية من جديد، لكن من رحل ليس هو من عاد.
اختلف كل شيء، عاد باهر إلى منزله، واستقبله الجميع استقبال الأهل، لا الأبطال، لم يعلم أحد ما فعله هذا البطل، ربَّت أخوه الدكتور محمد على كتفه، وهو يرى أمامه باهرًا جديدًا، باهرًا مختلفًا، وقال:
- ألم أقل لك يا أخي، لن تعود كما رحلت.
نظر له باهر بعيون باكية وتكلم أخيرًا، تكلم للمرة الأولى بعد أكثر من ثلاثة أشهر ظل فيها صامتًا، تكلم وقال:
- لم أعد يا أخي، لم أعد، لا أزال بينهم.
وعاد من جديد إلى الصمت الأزلي السرمدي، عاش وحيدًا منعزلًا مع سره العظيم وقلبه المحطم.
ظن الجميع أن باهرًا تغير بسبب ضعفه وعدم قدرته على التحمل، تركته حبيبته، تجاهله أصدقاؤه، ولم يعلم أحد أنه تغير؛ لأنه قد حمل على عاتقه ما لا يستطيع حمله أعتى الجبال، حمل سرًا عظيمًا ونصرًا كبيرًا ووطنًا غاليًا.
مرت السنون على باهر ما بين بيته والجيم، وأتقن فن الملاكمة، بدأ يتحدث، لكن حديثه لا يتعدى الكلمات الضرورية فقط، ويومًا ما سخر منه بعض الشباب، فقد اتهموه بالضعف، اتهموه أنه ترك زملاءه يقتلوا، وأنه قد استتر تحت سريره كالفئران.
تعالت الضحكات دومًا على باهر، وتحمل باهر كل هذا الكم من السخرية حتى انفجر غضبه فيهم يومًا ما، وانهال عليهم ضربًا بهستيريا، لم يكن يدري باهر أن أحد الشباب قد مات بين يديه، وبذا تحول باهر إلى مجرم كتبت عنه الصحف.
وأصبح بين ليلة وضحاها في القفص أمام القاضي في جلسة المحاكمة، وانتهى الدفاع، وانتهى الكلام، وانتهت المرافعات، وباهر صامت، يترقب في صمت جامد، لا مشاعر، ولا خوف، ولا مبالاة، وقبل أن ينطق القاضي بحكمه على باهر، تكلم باهر، تكلم وقص قصته وسط دهشة الجميع، ووسط كاميرات الصحافة، تكلم بكلمات كالجمر الملتهب، كلمات كاللهيب تدمى القلوب، وقف القاضي باكيًا، ودخل إلى باهر في القفص وسط صمت قد ساد المكان، وقبّل القاضي رأس باهر وقال بأعلى صوته:
- رحم الله ابني، مات شهيدًا، كان في المكان نفسه، كان إلى جوارك يوم المعركة، أنت بطل يا باهر، أنت بطل، بل كلكم أبطال، وانتهى الأمر.
ودخل باهر السجن ثلاثة أعوام، وكتبت الصحافة يومًا:
«باهر بطل، ونحن المجرمون».
جميل. سلم نبض القلم
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.