قصة أونفيم وسر شخبطة الأطفال: كيف تكشف رسوم الأطفال أسرار التاريخ

تُعد رسوم الطفل الروسي أونفيم المكتشفة على وثائق لحاء البتولا من القرن الثالث عشر دليلًا تاريخيًّا على أن الرسم هو اللغة الفطرية الأولى للإنسان. ويسهم الرسم الحر في تطوير المهارات الحركية والمعرفية للأطفال، ويعمل أداة فعالة للتنفيس العاطفي، ويُعتمد عليه في التحليل النفسي التربوي لفهم شخصية الطفل، واحتياجاته، وعالمه الداخلي.

تُعد دراسة رسوم الأطفال وشخبطاتهم العفوية واحدة من أهم النوافذ التي يطل منها علماء النفس ومؤرخو الحضارات على العقل البشري في مراحله الأولى. فمنذ العصور الوسطى حتى العصر الرقمي الحديث، لم تتغير حاجة الطفل الفطرية للتعبير عن ذاته ومخاوفه وأحلامه عبر خطوط بسيطة تُرسم على أي مساحة فارغة.

بتحليل وثائق تاريخية نادرة، مثل خربشات الطفل الروسي أونفيم، نكتشف أن الرسم ليس مجرد تسلية عابرة، بل هو أداة تواصل معقدة تسهم في التطور المعرفي، وتفريغ الشحنات العاطفية، وبناء مهارات التفكير النقدي.

في هذا التحليل العميق، نغوص في دلالات شخبطة الأطفال، ونربط بين التاريخ وعلم النفس الحديث لفهم السر وراء لجوء الصغار إلى الرسم كملجأ أبدي.

في صباح أحد الأيام، حين كنت أتصفح صورًا لوثائق قديمة، توقفتُ طويلًا أمام قطعة من لحاء شجر البتولا، باليةٍ ومتشققةٍ، لكنها تحمل بين ثناياها عالمًا كاملًا. رسوم بسيطة، كتلك التي يرسمها طفل في السادسة من عمره اليوم: أشخاص بعصي رفيعة، وخيول تركض، وسهام تنطلق، ووحش غريب نصفه إنسان ونصفه حصان.

تساءلتُ: كيف لطفل عاش قبل ثمانمائة عام أن يكون أشبه بأطفال اليوم إلى هذا الحد؟ وكيف لهذه الخربشات الصغيرة أن تبقى حية، تحكي قصة إنسان صغير كان يشعر بالملل، ويحلم، ويتخيل، تمامًا كما نفعل نحن الآن؟

في عالم تتسارع فيه التكنولوجيا، وتتبدل فيه الأدوات من لحاء الأشجار إلى الأجهزة اللوحية، ومن الحبر إلى البكسلات، يبدو أن شيئًا واحدًا لم يتغير: الأطفال، حين يشعرون بالملل من الحروف والأرقام، يهربون بخيالهم إلى هامش الصفحة. يرسمون معارك، ويخترعون وحوشًا، ويجعلون من أنفسهم أبطالًا. وهذه العادة، التي قد يعدها المعلمون اليوم مجرد تشتيت، هي في الحقيقة نافذة على عالم الطفل الداخلي، ونافذة أخرى على تاريخ البشرية ذاته.

هذه المقالة ليست قصة عن طفل روسي عاش في العصور الوسطى، بل هي رحلة في أعماق الطفولة، لفهم لماذا نرسم، ولماذا نحلم، ولماذا يظل الخيال، رغم كل التغيرات، هو الملاذ الأبدي للصغار.

أونفيم: طفل من العصور الوسطى يهمس إلينا عبر لحاء البتولا

عندما تنظر إلى قطعة لحاء البتولا التي تعود إلى منتصف القرن الثالث عشر، قد ترى مجرد خربشات طفل. لكن الإدهاش الحقيقي يبدأ عندما تعرف أن هذا الطفل، الذي يُعتقد أنه كان في السادسة أو السابعة من عمره، كان يُدعى أونفيم (Onfim)، وكان يعيش في مدينة نوفغورود، إحدى مراكز الحضارة الروسية في العصور الوسطى.

فقد ترك أونفيم لنا مجموعة من الرسوم والكتابات على قطع من لحاء شجر البتولا، وهي المادة التي كانت تستخدم كورق في تلك المنطقة، بفضل غابات البتولا الواسعة التي كانت توفر مادة رخيصة وسهلة للكتابة. وما يثير الدهشة هو أن هذه الرسوم تخبرنا عن حياة الطفل وخياله أكثر مما تخبرنا به الواجبات المدرسية نفسها التي كان يؤديها.

كان أونفيم يتعلم الكتابة باستخدام الحروف السيريالية، وكما يفعل أي طفل اليوم، بدأ يملّ من تكرار الحروف. فبينما كان يتدرب على الكتابة، بدأ يرسم أشخاصًا، يبدو أنهم هو وأصدقاؤه، ووضعهم أسفل الحروف التي كان يتعلمها. وهنا تظهر واحدة من أكثر الصور طرافة: مجموعة من الشخصيات المرسومة بطريقة بسيطة للغاية، تشبه ما قد يرسمه طفل في المدرسة اليوم، بأذرع خشبية وأرجل مستقيمة، وكأن الزمن لم يمر.

لكن أونفيم لم يتوقف عند ذلك. فعلى الجانب الآخر من إحدى قطع لحاء البتولا، تخيل نفسه على هيئة «وحش بري» يشبه مخلوقًا نصفه إنسان ونصفه الآخر يشبه الحصان، مع ذيل ملتف. بعبارة أخرى، قبل مئات السنين من ظهور ألعاب الفيديو والأفلام الخيالية، كان طفل صغير يجلس فوق واجبه المدرسي ويتخيل نفسه مخلوقًا أسطوريًا، وكأن خياله كان يسبق عصره بقرون.

خيالُ أونفيم الطفولي عبرَ لحاءِ البتولا تحدّى الزمنَ ببراءة

المعارك أيضًا كانت حاضرة: عندما يكون الطفل بطلًا

لكن أكثر ما يلفت الانتباه في رسوم أونفيم هو أنها لم تكن أشكالًا عشوائية. فقد رسم معارك عنيفة، تظهر فيها الخيول وهي تركض، والسهام وهي تنطلق في الهواء، والجنود وهم يسقطون أرضًا. وفي إحدى رسوماته، جعل أونفيم نفسه بطل المشهد: رسم نفسه على ظهر حصان، وهو يهاجم عدوًّا.

وكأن الطفل كان يصنع لنفسه قصة بطولية كاملة على هامش واجبه المدرسي. وهنا يصعب ألا نلاحظ التشابه مع ما يفعله الأطفال اليوم، عندما يحولون الصفحة الفارغة في نهاية كراسة المدرسة إلى ساحة معركة أو عالم مملوء بالوحوش والأبطال. ففي لحظة ملل، يتحول الواجب إلى مسرح، وتتحول الحروف إلى جنود، وتتحول الطفلة أو الطفل إلى فارس أو محارب أو ساحر.

نوفغورود: مدينة تتعلم فيها الأطفال في القرن الثالث عشر؟

قد يبدو الأمر مفاجئًا أن يكون طفل في السادسة أو السابعة من عمره قادرًا على الكتابة في القرن الثالث عشر، في زمن كانت فيه الأمية هي السائدة في معظم أنحاء العالم. لكن المؤرخين يعتقدون أن مجتمع نوفغورود كان يتمتع بمستويات مرتفعة نسبيًا من معرفة القراءة والكتابة خلال العصور الوسطى، وربما ساعدت طبيعة المنطقة نفسها على انتشار الكتابة.

فالغابات الواسعة المحيطة بالمدينة كانت توفر كميات كبيرة من أشجار البتولا، التي يمكن نزع طبقات رقيقة من لحائها لتصبح شبيهة بالورق. وكان لحاء البتولا أسهل وأرخص في الحصول عليه من المواد التي اعتمدت عليها مجتمعات أخرى، مثل الورق أو الرق (الجلد المدبوغ). وهكذا أصبح بإمكان الناس الكتابة على هذه القطع البسيطة من اللحاء؛ ما جعل المعرفة أكثر انتشارًا، حتى بين الأطفال.

أكثر من 1100 وثيقة من لحاء البتولا: كنز تاريخي

منذ خمسينيات القرن الماضي، اكتشف الباحثون في المنطقة أكثر من 1100 قطعة مكتوبة من لحاء البتولا، والمعروفة باسم «Beresta». وتعود هذه الوثائق إلى مدة تمتد تقريبًا من القرن الحادي عشر حتى القرن السادس عشر. وقد ساعدت هذه القطع في إلقاء الضوء على جوانب مختلفة من حياة الناس في ذلك الوقت، بما في ذلك الكتابة والتواصل والحياة اليومية، من رسائل الحب إلى أوامر العمل إلى واجبات الأطفال المدرسية.

لكن بين كل هذه الوثائق القديمة، تظل رسومات أونفيم من أكثرها إثارة للاهتمام، لأنها لا تخبرنا فقط بما كان الناس يكتبونه، وإنما تعطينا لمحة نادرة عن خيال طفل عاش قبل نحو ثمانمائة عام، وكأنه يهمس لنا من بعيد: «أنا هنا، أنا مثلكم، كنت أملّ من الواجب، وكنت أحلم».

لماذا يحب الأطفال الرسم؟ العلم يحاول الإجابة

قد يبدو رسم الشخصيات والوحوش على هامش الدفاتر طريقة لتضييع الوقت في أثناء الحصة، لكن العلماء حاولوا فعلًا فهم السبب الذي يجعل الإنسان خاصة الأطفال يميل إلى الرسم والخربشة بطريقة تبدو شبه غريزية.

لماذا يرسم الطفل؟

يمكننا القول إن الرسم بالنسبة للطفل هو لغته الأولى، الأداة البدائية والأكثر صدقًا التي يعبر بها عن نفسه وعن تفاعله مع محيطه قبل أن يمتلك حصيلة لغوية تمكنه من صياغة الكلمات والجمل المعقدة. الطفل يرسم لأنه يجد في مساحة الورقة البيضاء بيئة آمنة تمامًا لتفريغ طاقته الكامنة، وتجسيد مخاوفه التي لا يستطيع البوح بها، وإعادة ترتيب وبناء العالم من حوله كما يراه هو، لا كما تفرضه عليه قواعد البالغين. فالرسم هو رحلة استكشافية لفهم الذات والآخرين. 

الرسم يمنحهم شعورًا عميقًا بالسيطرة، والقوة، والإنجاز الفوري. ففي عالم واقعي يتحكم فيه الكبار بكل التفاصيل اليومية، ابتداءً من مواعيد الاستيقاظ والنوم، مرورًا بنوع الطعام، ووصولًا إلى ما يُسمح به وما يُمنع، يجد الطفل في كراسة الرسم مملكته الخاصة التي يُتوَّج فيها كحاكم مطلق. هو من يضع قوانين الفيزياء في رسمته، وهو من يقرر ألوان الأشجار والغيوم، وهو من يختار من يعيش ومن يختفي من أبطال قصته الورقية. هذه السلطة الإبداعية تمنحه متعة فورية، وحرية مطلقة، وتنفيسًا عاطفيًا لا يجده في أي من الأنشطة المدرسية أو الروتينية الأخرى.

وتشير بعض الدراسات إلى أن الرسم قد يساعد الأطفال على تنظيم المشاعر غير المريحة أو التعامل مع بعض الحالات المزاجية الصعبة، وكأن الورقة تصبح متنفسًا للقلق أو الملل أو حتى الفرح.

ووجدت دراسة أُجريت عام 2009 أن الأشخاص الذين كانوا يستمعون إلى معلومات عبر الهاتف استطاعوا تذكرها بصورة أفضل عندما كانوا يسمحون لأنفسهم بالرسم في أثناء الاستماع، ما يشير إلى أن الشخبطة قد تكون وسيلة لتركيز الانتباه، وليس تشتيته.

لكن عندما حاول باحثون لاحقًا تكرار هذه النتائج باستخدام تجربتين مختلفتين قليلًا، لم تظهر الفائدة نفسها بوضوح؛ ما يعني أن العلاقة بين الشخبطة والتركيز والذاكرة ليست بسيطة كما قد تبدو، وأنها قد تختلف من شخص لآخر ومن سياق لآخر.

الرسم جزء من تعلم الطفل: مهارات تتشكل خطوة خطوة

هناك جانب آخر أكثر أهمية: فالرسم يمنح الأطفال فرصة لتطوير المهارات الحركية الدقيقة، وهي المهارات التي يحتاج إليها الإنسان لاستخدام اليدين والأصابع والتفاعل مع العالم من حوله. يرى بعض علماء الأعصاب أن عملية الرسم قد تساعد أيضًا في بناء علاقة أفضل بين الحواس والجسم والدماغ. 

فعندما يحرك الطفل يده لرسم خط، فإنه يتوقع أين سيظهر هذا الخط، ثم يرى النتيجة مباشرة، ويعدل حركة يده بناءً على ما حدث. وبمرور الوقت، يتعلم الدماغ العلاقة بين حركة اليد والنتيجة البصرية التي تظهر أمام العين. وبمعنى أبسط، كل خط يرسمه الطفل يمثل تجربة تعليمية صغيرة، وكأن الدماغ يختبر قدراته ويصقلها في كل مرة.

الرسم للأطفال لغة تعبيرية ويطور المهارات الحركية الدقيقة

ما هي فوائد الرسم الحر للطفل؟

سنجد أمامنا قائمة تطول من الفوائد المدهشة التي تمس كل جانب من جوانب نموه الشامل؛ العقلي، والنفسي، والحركي. 

فوائد الرسم المعرفية والعقلية

يعزز الرسم قدرة الطفل على التخيل، وحل المشكلات، واتخاذ القرارات المستمرة؛ ففي كل مرة يمسك فيها الطفل قلمًا ليملأ مساحة فارغة، فإن دماغه يعمل بطاقة قصوى لتحديد الأشكال، والأبعاد، والمساحات، واختيار الألوان المناسبة. وهو إلى ذلك يعزز من الترابط بين نصفي الدماغ: الأيمن المسؤول عن الإبداع، والأيسر المسؤول عن المنطق. 

فوائد الرسم النفسية والعاطفية

يُعد الرسم أداة علاجية فعالة وقوية، تساعد الطفل على التعامل مع الصدمات اليومية، والتعبير عن المشاعر المعقدة والمكبوتة كالفرح الشديد، أو الحزن، أو حتى الغيرة الناتجة عن قدوم مولود جديد إلى الأسرة. إضافة إلى ذلك، يعمل الرسم على تقوية الذاكرة البصرية، وزيادة مدى الانتباه والتركيز على نحو ملحوظ.

 فوائد الرسم الجسدية والحركية

إن الإمساك بالقلم وتوجيهه لرسم خطوط دقيقة يُعد تمرينًا ممتازًا لتطوير العضلات الدقيقة في اليدين والأصابع، وهي المهارة الأساسية التي ستمهد الطريق لاحقًا لتعلم الكتابة بسهولة ويُسر. 

الفوائد الاجتماعية للرسم 

لا ننسى الفائدة الاجتماعية المتمثلة في تعزيز ثقة الطفل بنفسه عندما ينتهي من إنجاز لوحته، ويعرضها بكل فخر على والديه أو معلميه، متلقيًا منهم عبارات التشجيع والثناء التي تبني تقديره لذاته وتصقل شخصيته المستقبلية.

ولأن الرسوم هي لغة الطفل غير المنطوقة، ظهر ما يُعرف بمجال تحليل رسوم الأطفال. وهذا المجال هو فرع علمي ونفسي دقيق وقائم بذاته، يستخدمه أطباء علم النفس، والمحللون السلوكيون، والمربون المتخصصون لفك شفرات العالم الداخلي للطفل، خصوصًا في المراحل العمرية المبكرة التي يعجز فيها عن التعبير اللفظي الدقيق عما يختلج في صدره. في هذا التحليل، لا يُنظر إلى الرسم بوصفه عملًا فنيًا يخضع لمعايير الجمال والقبح، بل يُقرأ كرسالة مبطنة وثيقة الصلة باللاوعي. 

فعلى سبيل المثال، يظهر حجم الأشكال في الرسم مدى أهميتها في حياة الطفل أو مدى شعوره تجاهها؛ فالطفل الذي يرسم نفسه بحجم صغير جدًا مقارنة بباقي أفراد الأسرة قد يعاني من تهميش أو ضعف في الثقة بالنفس، في حين رسم الأم أو الأب بحجم مهول قد يدل على سلطتهما الطاغية أو أهميتهما القصوى كمصدر للحماية. 

كذلك، تلعب «الألوان» دورًا محوريًا في هذا التحليل؛ فالألوان الزاهية والفاتحة كالأصفر والبرتقالي والوردي تظهر بيئة نفسية مستقرة، ومشاعر مليئة بالسعادة والنشاط والدفء. 

في المقابل، قد يشير الإفراط المستمر في استخدام الألوان القاتمة كالأسود، أو الأحمر الداكن في غير موضعه الطبيعي، إلى مشاعر غضب مكبوت، أو قلق، أو حزن دفين، أو ربما تعرض الطفل لضغط نفسي ما. 

حتى «مكان الرسم» على الورقة يحمل دلالة نفسية مهمة؛ فالرسم في وسط الورقة يشير إلى التوازن النفسي والشعور بالأمان، في حين الانزواء بالرسم في زاوية صغيرة من حواف الورقة قد يكون مؤشرًا على الخجل، أو الانطواء، أو الشعور بعدم الأمان في البيئة المحيطة. 

ومن خلال ملاحظة التفاصيل المفقودة أو المبالغ فيها، كإغفال رسم الأيدي (ما قد يعني الشعور بقلة الحيلة)، أو رسم عيون كبيرة جدًا ومفتوحة (ما قد يشير إلى الخوف أو الترقب)، يمكن للمختصين اكتشاف كثير عن مخاوف الطفل واحتياجاته النفسية العميقة التي تتطلب تدخلًا أو احتواءً ومساندة من الأسرة.

من الشخبطة إلى الكتابة: رحلة التعبير الإنساني

والرسم ليس مرحلة عابرة في حياة الطفل، بل هو جزء من تطوره المعرفي. فالخربشات والرسومات غالبًا ما تكون من أولى العلامات التي يصنعها الإنسان بيده قبل أن ينتقل تدريجيًا إلى أشكال أكثر تجريدًا من التعبير، مثل الحروف والأرقام والكلمات.

وهذا يجعل رسوم أونفيم أكثر أهمية مما قد يبدو للوهلة الأولى. فهي ليست رسوم طفل على هامش واجبه المدرسي، وإنما نافذة صغيرة على الطريقة التي كان بها طفل في العصور الوسطى يتعلم ويكتب ويتخيل ويعبر عن نفسه. إنها حلقة في سلسلة طويلة من التعبير الإنساني، تبدأ بالخربشة، وتمر بالرسم، وتصل إلى الكتابة، وكلها محاولات لفهم العالم وترك بصمة فيه.

في هامش التاريخ، حيث تظل الطفولة واحدة

في هامش الواجبات المدرسية، حيث تلتقي الحروف بالخيال، والملل بالأحلام، يكتب الأطفال، عبر القرون، قصصهم الخاصة. أونفيم، ذلك الطفل الروسي الصغير، لم يكن مختلفًا عن طفل اليوم، رغم مرور ثمانمائة عام. فهو يتعلم الحروف، ثم يشعر بالملل قليلًا، فيبدأ بالرسم. يرسم أصدقاءه، ثم يتحول إلى وحش، ثم يركب حصانًا، ثم يخوض معركة ويهزم عدوًّا. وكل ذلك على ورقة كان من المفترض أن تكون مخصصة للواجب المدرسي!

في المرة القادمة التي ترى فيها طفلًا يرسم وحشًا على هامش كراسته، أو يخوض معركة خيالية بين الأرقام، تذكَّر أونفيم. تذكَّر أن هذه العادة ليست مجرد تشتيت، بل هي جزء من كوننا بشرًا. إنها طريقتنا في الهروب، والحلم، وتجريب أنفسنا في عوالم أخرى. وكما قال أحد الباحثين في علم النفس التطوري: «الرسم هو اللغة الأولى التي يتعلمها الإنسان قبل أن يتعلم الكلام».

إن استثمارنا في توفير مساحات حرة للأطفال ليعبروا عن أنفسهم بالرسم، لا يقل أهمية عن تعليمهم القراءة والكتابة والرياضيات. فالورقة البيضاء هي الحقل الذي تُزرع فيه بذور الابتكار الأولية.

قد تغيرت الأدوات من لحاء البتولا إلى دفاتر المدرسة والأجهزة اللوحية، وتغيرت الألعاب من الرسوم الصغيرة إلى عوالم رقمية معقدة، لكن يبدو أن شيئًا واحدًا لم يتغير كثيرًا: الأطفال يحبون أن يتركوا خيالهم يهرب إلى هامش الواجب المدرسي. وفي هذا الهروب، هناك متعة، وهناك تعلم، وهناك بصمة تظل حية، حتى بعد ثمانمائة عام.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة