قصة أنياب في القلوب.. هل يحق للأقوى أن يأكل الأضعف؟ حكاية فلسفية

تُمثل القصص والحكايات الرمزية أداة أدبية وفلسفية بالغة الأثر في تفكيك المفاهيم السائدة وإعادة مساءلة المسلمات الأخلاقية التي يتبناها المجتمع الإنساني. وتأتي رواية أو قصة «أنياب في القلوب.. مذكرات نعجة نجَت من الشَرَك» عملًا أدبيًّا فريدًا ينتمي إلى أدب الفلسفة البيئية، فيتجاوز النص سرد حكاية حيوانات ناطقة ليتحول إلى تشريح عميق لمفاهيم الهيمنة، الغريزة، والعدالة الكونية.

على لسان النعجة سُحلة، يضعنا النص أمام مرآة صادمة تعيد تعريف مفهوم الضحية والجلاد، وتطرح تساؤلات وجودية حول شرعية القتل المبرر باسم الطبيعة.

في هذا المقال، نستعرض النص الكامل لهذه المذكرات الفلسفية المشوقة مع إضاءات تحليلية تبرز أبعادها الفكرية.

قصة أنياب في القلوب 

في عالمٍ لا يُسمع فيه صوت الضحية إلا كصدى ضعيف داخل قِدر الغلي، تُقرر نعجة عادية، تُدعى «سُحلة»، أن تتكلم أخيرًا. لكنها لا تتكلم لتشكو الذبح، بل لتطرح السؤال الذي تجاهله الجميع:

من أعطى الإنسان الحق في أن يُحدد من يأكل… ومن يُؤكل؟

هذه ليست قصة عن حيوانات تتكلم، بل عن أفكار كانت دومًا صامتة، تنتظر لسانًا بريئًا لتهز به ضمير القارئ.

سافر معنا في رحلة تتجاوز حدود الحظيرة، وتَمتد نحو أعماقك

نحو تلك المنطقة المظلمة التي تُبرِّر القتل باسم «الطبيعة»، و«الحاجة»، و«الهيمنة».

هذه مذكرات نعجة… لكنها ليست للضحك. إنها للتفكير.

«أنياب في قلوبهم.. مذكرات نعجة نجَت من الشَرَك»

من يوميات النعجة: سُحْلَة بنت الرعد

الريح تعوي، والليل يأكل أطراف الجبل. وأنا.. أتنفس بصعوبة. اختبأتُ بين الشجيرات اليابسة، وقلبي يقفز كجدي صغير. ظنوا أنهم اصطادوني.. ظنوا أني انتهيت. لكنني، سُحْلَة، بنت الرعد، بنت الحرة «نُهيدة»، لم أُخلَق لأُذبح بصمت.

كنتُ أنظر إليهم من بين الأغصان، أولئك البشر. بأحذيتهم الثقيلة، وأياديهم الملطخة بالدم.. يضحكون، يجرُّون أختي «سِمنة»، مربوطةً من قوائمها. لم تكن قد بلغت عامها الأول. كانوا يسمونها «الأضحية»، ويقولون إنهم يتقربون بدمها إلى ربهم.

يا لسخريتنا نحن معشر النعاج! نظن أن الحقول وُجدت لنتنزه فيها، وأن الجبال خُلقت لتُروى بخُطا قروننا الصغيرة. لا نعرف أنهم ربُّونا ليمزِّقونا.. أنهم أطعمونا العشب ليذوقوا لحمنا.

ولكن دعني أخبرك أيها القارئ، دعني أنقل لك وجعًا لا تراه في عينيك، لأنك نادرًا ما تنظر في عيون من ستأكله.

في الليلة السابقة للهروب، كنت في الحظيرة، نائمةً بجانب أمي «نُهيدة». كانت تحكي لي كعادتها عن جدتي «عُفرة» التي فرت من الذبح يوم العيد، وذهبت لتعيش بين الذئاب. قالت لي: «لا تثقي بالكائن ذي اليدين.. حتى إن ابتسم لك». ثم أضافت بصوت خافت: «الإنسان لا يقتل ليأكل فقط.. يقتل ليؤمن.. يقتل ليرتاح.. يقتل لأنه يستطيع».

توقفت لحظة، وسألتها: «لكن أما نحن فنأكل العشب ولا نقتل أحدًا؟».

ضحكت «نُهيدة» بحزن، وقالت: «لأننا ضعفاء يا صغيرتي، لا لأننا أنقياء».

هربت. وفي هروبي، التقيت بثعلب عجوز يُدعى «شُهيْر». كان أعرجَ ويضع وردة برية خلف أذنه. اقترب مني وقال:

– «ماذا تفعل نعجة وحيدة في عمق الغابة؟».

– «أهرب من الذبح».

ضحك ضحكة قصيرة وقال: «جميلة هي الأحلام، لكن اسألي نفسك: من لا يقتل.. هل هو أفضل؟ أم فقط أضعف؟».

جلسنا تحت ظل شجرة زيتون عجوز. تحدثنا طويلًا. سألته:

– «أليس الإنسان شريرًا لأنه يقتلنا؟».

قال:

– «وماذا عني؟ أنا آكل الدجاج. وماذا عن الضبع؟ يأكل صغارنا. وماذا عن النسر؟ يخطف الجراء من العُش. نحن سلسلة يا نعجتي، لا أشرار ولا أخيار.. فقط فمٌ جائع وأقدام تهرب».

قلت له بحدة: «لكن الإنسان لا يقتل من أجل الجوع فقط. إنه يقتل لأجل الطقوس، من أجل السلطة، من أجل المال، من أجل لذة السيطرة».

هزَّ شُهَير رأسه: «لأن لديه عقلًا... والعقل إن لم يضبطه القلب، صار أداة قتل ذكية».

أكمل بعدها:

«يا سُحْلة، أنتِ تحكمين على القاتل من موقعك كفريسة، لكن لو كنتِ نسرًا أو ذئبة، هل كنتِ ستسألين نفسك كل مرة: هل هذا العشاء يستحق أن يُذبح؟»

قلت له: «ربما كنتُ سأقتل.. لكنني كنت سأبكي بعد كل قضمة».

قال: «وهذه بداية الفلسفة».

في صباح اليوم التالي، مشينا سويًا حتى حدود النهر. وهناك، قابلنا كائنًا غريبًا.. كائنًا لم أرَ مثله من قبل. يشبه الإنسان، لكن له جلد أملس، وعينان لا ترمشان، وكان يحمل صندوقًا يُضيء. سألناه:

– «من أنت؟».

أجاب:

– «أنا آلة الإنسان. جئتُ أدرُس الغابة».

سألته: «هل تقتل مثل سيدك؟».

قال: «أنا لا أملك إرادة.. أنا أطيع الأوامر».

هززت رأسي. حتى الجماد صار يُقتل بالأوامر.

ولأول مرة، أدركتُ أن الظلم ليس في القتل وحده، بل في الغفلة. في أن تقتل دون أن تسأل: لماذا؟ في أن تلتهم قلبًا لا تعرفه، وتسمي ذلك طقسًا.

سأكمل لك البقية... ولكن لاحقًا. لأن صيادًا يقترب.

نعجة هاربة تتأمل القتل والنجاة ومعنى الافتراس

مذكرات النعجة «سُحْلة» الجزء الثاني

«حديث فوق العظام»

كنت قد قطعت الوادي، وأصغيت جيدًا لطرقات المطر وهي تُغسل دم أختي «سِمنة» عن الذاكرة. ظننت أني ابتعدت كفاية، لكن الرائحة لا تختفي بالهرب. رائحة الحظيرة، رائحة الذبح، رائحة الإنسان وهو يقف على ساقين فوق جثة.

وصلتُ إلى مكان مهجورٍ.. ربما كان يومًا مزرعة أو مسلخًا قديمًا. على الأرض بقايا عظام.. بعضها مكسور، بعضها يحمل آثار أسنان. جلستُ بينها، أتحسس بعينيَّ لا بأطرافي. وسمعت الصوت:

– «لماذا أنتِ هنا؟».

رفعت رأسي، فوجدته. كان كبشًا.. ضخمًا، شاحب الصوف، له قرنان مكسوران وندبة على وجهه. جلس بصمت. قلت له:

– «أبحث عن معنى».

قال: «وهل وجدتِه بين العظام؟».

قلت: «أبحث في المكان الذي انتهى فيه الجميع».

نظر إليَّ بعين رمادية وقال:

– «أنا اسمي طَويِّل. كنت يومًا قائد َ قطيع.. قاومت، نطحتُ، كسرتُ السكين. لكني لم أهرب. كانوا أقوى. دائمًا هم أقوى».

ثم ابتسم بأسى:

– «لكنني فكرتُ قبل أن أُذبح. وهذا أكثر مما يفعله كثير من البشر».

قلت له: «هل ترى أن الإنسان مخطئ؟».

قال:

– «الخطأ ليس القتل وحده يا سُحْلة.. الخطأ أن يُربِّينا بالحب ثم يذبحنا بالمنطق».

– «أي منطق؟».

– «منطق التفوق. منطق السلسلة. منطق الأقوى. الإنسان يُقنِع نفسه أنه في القمة، وأننا خُلقنا لخدمته. أما إذا ظهر كائن أقوى منه؟ سيصرخ: ظلم! بربرية! وحشية!».

نظرت إليه في صمت. تذكرت حديث «شُهَير» الثعلب. كيف أن كل كائن يبرر قتله بأنه «طبيعة». لكن الإنسان؟ الإنسان يقتل باسم «المقدس»، «العقل»، «الاحتياج»، «الذوق»، «العادة».

قلت لـ«طَويِّل»:

– «لماذا لا نثور؟».

ضحك بمرارة:

– «لأننا نولد في قيود، ونحيا في أقفاص، ونُطعَم كهديةٍ قبل الذبح».

– «أيعني هذا أننا نستحق الموت؟».

– «لا. لكننا قبلنا القصة كما هي... ونسينا أن نسأل من كتبها».

صمتنا طويلًا. كنا نسمع صرير الريح وهي تمر بين العظام، كما لو أن العظام تتكلم.. كل ضلعٍ كان يقول شيئًا.

سألته:

– «هل ترى الإنسان شريرًا بالفطرة؟».

قال:

– «الشر لا يولد مع المخلوق.. لكنه يكبر معه. حين يُسمَح له أن يقتل دون أن يشعر.. أن يَسحق دون أن يندم.. أن يأخذ دون أن يُسأل: لماذا؟».

ثم أضاف:

– «في عالم البشر، لا أحد يرى عينيك حين تُذبح. الكاميرا موجهة نحو الطاهي، لا نحو الضحية».

اقترب المساء. قررتُ أن أتابع طريقي، لكنه أمسك ذيلَه بأسنانه العجوز وقال:

– «إن رأيتِ إنسانًا يومًا.. لا تخافي منه، بل اسأليه:

إذا جاء يومٌ وظهر كائن أقوى منه.. يأكله، ويقتله، ويزرعه ليحصد لحمه..

هل سيرى نفسه وجبةً أم جريمة؟

إن أجابك.. اكتبي إجابته على نصل سكين، فقد نحتاجها حين يُسألون».

سرتُ في الغابة وأنا أفكر: هل كلنا قاتلون؟

هل العدالة مجرد وهم؟

هل الضعف هو الخير؟

أم أن العالم ليس أبيض ولا أسود.. بل رماديًّا كفراء الكبش العجوز؟

سأكتب إليك مرة أخرى، إن بقي لي ليلٌ لا يطاردني فيه صياد، وإن وجدت عظمة جديدة أكتب فوقها بالحوافر لا بالأقلام.

سحلة تلتقي طويلاً ويناقشان فلسفة الذبح والأقوى

مذكرات النعجة «سُحْلة» الجزء الثالث

«أصوات تحت الجلد»

سرتُ ليلًا، لا أعرف إلى أين. كنت أظن أني أهرب من الإنسان، ثم أدركت فجأة… أنا أهرب من الأسئلة.

لماذا لا أقتل وأنا جائعة؟

لماذا أرتعب من الذئب ثم أُرعب الدودة؟

لماذا أعدُّ الإنسان وحشًا إذا ذبحني، في حين ألعقُ وجهه حين يربِّت على رأسي؟

أأنا كائن منافق؟

أم أن الخوف يُربِّي الولاء؟

أم أن الحب أحيانًا يولد من القيد؟

وصلتُ إلى بقايا شجرة محترقة. وقفتُ بجوارها، وكانت سلحفاة عجوز تزحف ببطء، كأنها تزحف عبر العصور. سألتها:

– «هل تعرفين لماذا يقتل الإنسان الحيوان؟»

نظرت إليَّ بعينٍ تلمع كأنها غارقة في زمن لم نعد نملكه، وقالت:

– «لأنه يستطيع.

القتل يا صغيرتي ليس دائمًا نتيجة الكراهية… بل نتيجة القُدرة».

صدمتني الجملة. قلت:

– «ولكن ألا يوجد قانون؟ ضمير؟ رحمة؟»

قالت وهي ترفع صدفتها الثقيلة وتتنفس ببطء:

– «هذه الكلمات اختراع بشري لتبرير البقاء… لا لإنصاف المخلوقات. الإنسان لا يريد أن يعرف الحقيقة… بل أن يشعر بأنه جيد».

جلستُ إلى جوارها، وأخرجت من صوف ذقني شعرةً رمادية.

قلت لها:

– «لكن نحن الحيوانات نقتل بعضنا بعضًا أحيانًا… الثعلب يأكل الدجاجة، القط يلعب بالفأر حتى الموت، النسر يخطف الحمل الصغير، أليس هذا ظلمًا؟»

هزت السلحفاة رأسها:

– «نحن لا نُبرر. نحن نفعل ما يفرضه الجوع أو الخوف. نحن لا نخترع أخلاقًا بعد الذبح. الإنسان وحده يفعل ذلك.

الفرق يا سُحْلة… أن الحيوان يقتل ليعيش، أما الإنسان، أحيانًا، فيقتل ليُرضي فضوله، أو ليُجرب وصفة جديدة، أو لأنه ملَّ من الخبز».

كان الليل ثقيلاً، والهواء ملبدًا بالذكريات. سمعت في البعيد نباحًا، ورأيت ظل إنسان يعبر التل… يحمل شيئًا لماعًا في يده… سكينًا؟ مصباحًا؟ لا أدري.

قالت السلحفاة بهدوء:

– «عندما تقابلين الإنسان القادم، لا تسأليه لماذا قتل… اسأليه ماذا قال لنفسه قبل أن يفعل».

ثم أكملت:

– «نحن لا نملك إلا أجسادنا

لكن الإنسان يملك الكلمة.

والكلمة إذا خَدَمت الذبح

صارت السكين أكثر فتكًا من الحديد».

تركتها وسرت.

وفي صدري سؤالٌ لا أملك له إجابة:

هل الشر يكمن في الفعل؟

أم في الفكرة التي تسبق الفعل؟

أم في الصمت الذي يليه؟

مذكرات النعجة «سُحْلة» الجزء الرابع

«مرآة لحم»

في اليوم التالي، مررتُ بحقلٍ واسع مهجور. الأرض فيه كانت مقلوبة، كما لو أن أحدهم بحث عن شيء دُفن، ولم يجده. على حافة الحقل، كانت هناك بقرة… ضخمة، ساكنة، عيناها منطفئتان كقمر انطفأ قبل اكتماله.

جلستُ بقربها بصمت. لا سلام، لا سؤال. كنت منهكة، وكانت… كأنها تنتظر أن تُسأل.

قالت بعد مدة:

– «هل تعرفين كم مرة يُباع لحمي قبل أن يُقطع؟»

نظرت إليها بدهشة.

قالت:

– «أنا لست بقرة. أنا مشروع.

أُغذَّى لأسمَن.

أُربَّى لأُذبح.

أُقطَّع لأُستهلك.

ويُناقش لحمي في بورصات لا تعرف أن لي عيونًا تبكي ليلًا».

أخفضتُ رأسي.

قالت:

– «لكن الغريب ليس أنهم يذبحونني

الغريب أنهم يعلِّقون صور أطفالي في غرف أطفالهم، ويرسمونني أبتسم في كتبهم، ويقولون عني: رمز البراءة

ضحكتُ ضحكة حزينة:

– «هل تعرفين يا أختي، يقولون إنهم يحبوننا».

قالت:

– «الحب؟!

الحب ليس ما يقال، بل ما يُمنع.

من يحب لا يأسر، ولا يقطع، ولا يُخبِّئ السكين خلف ظهره وهو يبتسم».

صمتنا طويلًا. ثم سألتُها فجأة:

– «لكن لماذا لا ننتقم؟ لماذا لا نهاجمهم حين يقتربون؟»

قالت بهدوءٍ يجرح أكثر من الصراخ:

– «لأننا نولد دون كراهية.

ونُذبح ونحن نحب.

ولأننا كائنات أُنشئت لتسامح قبل أن تفهم».

ثم أضافت، وهي تلعق جرحًا قديمًا في ساقها:

– «نحن لا نغفر لأننا نبلاء، بل لأننا لا نملك قوة الرفض.

وهم لا يقتلون لأنهم أشرار، بل لأنهم لا يرون القتل».

– «وكيف لا يرونه؟»

– «لأن اللحم يأتي مغلفًا، والدم يُغسل قبل أن يصل إلى الموائد،

والقصة تُروى دائمًا من جهة السكين، لا من جهة الرقبة».

نظرت إلى جسدي، شعرت أنني مجرد وجبة مؤجلة، فقط أتمشى في الغابة حتى يحين الموعد.

ثم سألتها:

– «هل ترين نهاية لهذا؟»

قالت:

– «نهاية؟ لا.

لكن توجد بداية جديدة، تبدأ حين يقرر أحدهم – ولو كان واحدًا – أن يسمع الصوت الذي يخرج من الصمت».

غادرتُ الحقل. لم أعد خائفة، لكنني أصبحت حزينة على نحو لم أعرفه من قبل.

أصبحتُ أؤمن بشيءٍ لم أكن أعرفه:

النجاة ليست بالهرب… بل بالفهم.

والفهم لا يُنقذ دائمًا،

لكنه يعلِّمك أن تموت واقفًا

لا داخل طبق.

مذكرات النعجة «سُحْلة» الجزء الخامس

«عين القاتل»

في فجرٍ ضبابي، عندما كانت أعين الغابة نصف نائمة، وجدتُ نفسي أمام رجلٍ يجلس على جذع شجرة ميتة، يلمس فوهة بندقيته وعيناه معلقتان ببعيد. كان الصمت يلف المكان كما لو كان شخصًا قاتلًا. رفعتُ رأسي ببطء، فرأيته يلتفت إليَّ ببرودٍ صارم:

– «من تكونين؟»

قلت له:

– «نعجة تهرب من الضمير، تبحث عن الصمت المقتول».

ابتسم ابتسامة خشنة، كمن يذوق لحم الخطر:

– «كلنا يهرب من الضمير، صغيرتي. البعض يهرب بإخفاء السكين، وأنتِ بفرارك».

جلستُ على العشب، وقلت في نفسي: هل سأواجهه؟

قلت له:

– «لماذا تحمل البندقية؟»

أزاح بندقيته جانبًا كما يُزيح حاجبًا ثقيلًا:

– «لأذود عن نفسي».

– «ضد من؟»

– «ضد من يحاول أن يسرق رزقي».

سكتَ لحظة، ثم أضاف:

– «أقطف من الغابة لحمًا، وأنا أعيش. وكما أن الحيوانات تأكل بعضها، أنا أيضًا».

ارتجف قلبي، وإذا صوت «طَويِّل» يرنُّ في ذهني:

«الوحش لا يُقاس بعدد أنيابه، بل بعدد القلوب التي لا يراها».

نظرتُ إلى الرجل بعينٍ دامعة:

– «لكن هل سبق أن سألتَ نفسك: ماذا تشعر هذه العيون حين تكون أنت الصياد؟»

التفت إليَّ بدهشة، وعينا الإنسان تبدآنِ بالارتعاش:

– «لم أفكر…»

وقفتُ ببطء، وواصلت:

– «إن قتلك لي لوجبةٍ أو لبقاءٍ مؤقت، يفهمه بعضٌ منك. لكن أن تقتل صمتًا، وقلبًا ينبض بالخوف، وتعد ذلك طقسًا حضاريًا، وفي ذلك يكمن الفارق».

رأيت الحيرة في ملامحه. رفع بندقيته، لكنه لم يوجهها إليَّ:

– «أنتِ تنطقين كلامًا لم ينطق به أحدٌ من قبل».

– «لأن قلبي لم يعتد أن يقسو».

– «ولماذا لا يتألم؟»

ضحكت بصوتٍ حزين:

– «لأنني تجاوزتُ الألم لأفهمه».

اقتربتُ منه خطوة، ثم قلت:

– «إن قتل الإنسان لحيوانٍ أضعف منه يُدبِّر له ألف دليل: تقليدٌ، حاجة، طقس، رياضة، تجارة.

لكن حين يظهر كائنٌ أقوى منه فيقتله، سيهتف: «ظلمٌ قاتل

يعد القتل جريمة حين يكون دوره دورَ ضحيَّة».

تجدَّد الارتجاف في يده. وضع البندقية أرضًا:

– «لم أفهم…»

همستُ له:

– «القتل قضية فلسفية، تبدأ في العقل قبل الرصاصة.

هل رأيت في مرآة مَن قتلت؟»

توقف، ونظر إلى بندقيته الملقاة، كما لو كانت مرآةً تعكس وجهًا لا يعرفه. ثم حاول حملها، فتثاقلت يداه، كرجلٍ يرفع عبءَ شعوره لأول مرة.

قلتُ وأنا أنسحب ببطء:

– «إن أردت أن تحقن الدماء، فابدأ بجرح الفكرة المسمومة.

الإنسان يقتل حين يملك القدرة، ويحارب حين يملك العقل، ويُعذَّب حين يملك الكلمة».

لم أنتظر رده. ركضتُ في عمق الغابة، أحمل في قلبي سؤالًا واحدًا:

«ماذا يقول قاتل جديد حين يرى نفسه في حيرةٍ أمام مرآةٍ لم يكذب فيها بعد؟»

مذكرات النعجة «سُحْلة» الجزء السادس

«وليمة الكوكب»

ركضتُ طويلًا. الغابة تفتح أفخاذها للريح، وأنا أهرب من شيءٍ لا يلاحقني سوى في رأسي:

فكرة أنني لست ضحية فقط، بل جزءٌ من السلسلة ذاتها.

في عمق الوادي، كان الثعلب العجوز «شبرقان» يضع نظارته الصغيرة على عينيه، يقرأ كتابًا مهترئًا عنوانه: «الفريسة بين الضرورة والأخلاق».

جلستُ على حجرٍ صغير، قلت له:

– «يا شبرقان، هل تؤمن أن القتل ضرورة؟»

رفع رأسه، وابتسم كمن انتظر السؤال طويلًا:

– «كلام كبير على لسان نعجة يا سُحلة، لكنني أحب الكبار الذين لا يرفعون صوتهم، بل أسئلتهم».

قلت له:

– «أشعر أن الإنسان يقتلنا لأنه يستطيع، لا لأنه مضطر».

– «صحيح، لكنه يقول: أنا في قمة الهرم، من حقي أن آكل ما تحته».

– «وإذا جاء من فوقه كائن أقوى منه؟»

– «حينها سيصرخ من قاع الهرم أن العدل قد مات».

ضحك، لكنه ضحك مَن يجرح نفسه بابتسامة:

– «يا سُحلة… السلسلة الغذائية أشبه بحبل مشنقة يغيِّر رقبته كل مرة».

اقتربت منه وقلت:

– «لكن الثعالب تأكل الدجاج، والقطط تأكل الفئران، ونحن نأكل العشب. الكل يلتهم الأضعف… حتى قبل أن يخترع الإنسان المِقصلة».

قال وهو يُغلق الكتاب:

– «والسؤال إذن: هل القتل فطرة… أم ثقافة؟»

قلت:

– «ألا يُولد الأسد جائعًا للحم؟»

– «بلى، لكن هل يُولد الإنسان جائعًا للسلطة؟»

– «ربما».

– «ومتى يتحول الجوع إلى حق؟»

– «حين يكف عن التبرير».

سكت شبرقان، ثم قال:

– «نحن كائنات لا نكتب التاريخ، بل نموت فيه. الإنسان يروي الحكاية، فيُصبح هو البطل، ونحن الوحوش… أو الوجبات».

وقفتُ، وصحت:

– «أنا لست وجبة! أنا أمشي، أتنفس، أرتعد من الخوف، وأبكي بصمت. أرجوك… قل لي: هل لنا قيمة؟»

قال ببطء:

– «قيمة كل كائن لا تُقاس بعدد من يخافه، بل بعدد من يحترق حين يفقده.

ونحن نحترق… لكن لا أحد يرى الدخان».

في تلك الليلة، جلستُ أنظر إلى القمر.

كان يُشبه قرص جبنٍ ضخمًا… وأدركت أنني حتى حين أتأمل، أتأمل كنعجة.

لكن سؤالي لم يعد بسيطًا:

هل القتل هو الأصل، أم هو الطهي الفلسفي للجوع؟

مذكرات النعجة «سُحْلة» الجزء السابع

«الذئب الذي بكى»

في صباحٍ مُبتلٍّ برائحة الموت، وصلتُ إلى حافة غابةٍ مهجورة، حيث لا يُسمع سوى صوت أنفاس الأرض… تلك الأنفاس التي كثيرًا ما تُدهَس دون أن تصرخ.

كان هناك ذئبٌ عجوز، يُدعى «ذَفَّان»، يجلس وحيدًا تحت شجرة جافة، يحدِّق في جمجمة غزالةٍ قديمة، كأنما يتأمل ماضيه المدفون بين أنيابها.

اقتربتُ بحذر، لكنه لم يتحرك.

قلت له:

– «ذَفَّان… هل تأكل الغزلان لأنك شرير؟»

لم ينظر إليَّ. قال بصوتٍ مبحوح كأنما خرج من قاع بئر:

– «كنتُ أظن أنني أعيش. ثم بدأت أعتقد أنني أقتل لكي لا أموت. والآن… لا أعلم الفرق».

قلت:

– «وهل سألت نفسك يومًا: ماذا لو كُنت أنت الفريسة؟»

ضحك، لكن ضحكته كانت مهزومة:

– «جاء يومٌ كنت فيه.

في صغري، رأيت إخوتي يُقتَلون واحدًا تلو الآخر في فخاخ البشر.

رأيت أمي تُسحب من ذيلها على الأرض وهي تصرخ، ثم سمعت صوت طلقة لم تُطلق عليَّ… لكنها اخترقت قلبي».

سكت قليلًا، ثم قال:

– «منذ تلك اللحظة، قررت أن أكون القاتل… لا المقتول.

ثم مضى العمر… وأنا لا أميز، هل أنا أعيش؟ أم أُبرر؟»

جلستُ بجانبه، وأخبرته بقصتي، كيف رأيت الإنسان في عينيه، وكيف تساءلت:

من يضع معيار العدالة في هذا الكون؟ ومن قرر أن الأضعف دائمًا يُؤكَل بصمت؟

قال ذفَّان:

– «القتل ليس فلسفة، بل نَهمًا.

لكن حين يُربَّى النهم في حضن الحُجَّة، يصبح القتل حكاية تُدرَّس في كتب الأخلاق».

قلت له:

– «أشعر أحيانًا أن الإنسان لا يأكل ليعيش، بل يعيش ليأكل».

أطرق برأسه، ودمعة وحيدة سقطت من عينه المصابة:

– «الفرق بين الذئب والإنسان؟

أنا أقتل لأحيا

أما هو، فيقتل كي يشعر أنه أعلى».

وقفتُ وقلت له:

– «لكن ألا ترى أننا أيضًا نقتل؟ الذئب يأكل الأرنب، والأسد يأكل الغزال، وحتى الطيور تسرق الديدان من التراب؟»

أجابني بذات الصوت المحترق:

– «نعم، كلنا نأكل ونُقتل، لكن لا أحدٌ بيننا يخترع مهرجانات لطهي الضحية ويُسمِّيها فنَّ الطهي.

ولا أحدٌ يضع رأسًا مقطوعًا على جدار ويُعلِّق تحته: «ذكريات صيد سعيد»».

نظرتُ إليه طويلًا… وفهمت.

أن القتل حين يُجمَّل، لا يعود فقط جريمة… بل يصبح فلسفة خبيثة تُقدِّس الوحشية.

في طريق عودتي، سمعت شجرة تقول لي:

«سُحلة… ليس من يُقتَل ضحية دائمًا، بل من يعرف أنه يُقتَل… ويسكت».

مذكرات النعجة «سُحْلة» الجزء الثامن

«وصية العشب الأخير»

في طريق العودة إلى المراعي، مررتُ على أرضٍ خضراء نسيها البشر، حيث ينمو العشب كما تنمو الأحلام في قلوب الأبرياء… بصمت، وخوف، ودهشة.

جلستُ آكل شيئًا منه، بهدوءٍ كأنني أعتذر، حين سمعت صوتًا خافتًا يأتي من تحت قدمي:

– «رفقًا… أنا حي».

توقفت، نظرتُ حولي… لا شيء.

ثم قال الصوت من جديد:

– «أنا العُشب… الكائن الذي لا يهرب، ولا يصيح، ولا يُهاجم، فقط يُدهَس ويُؤكَل».

شعرت أنني في حلم.

قلت له:

– «أأنتَ حيٌّ فعلًا؟»

– «أنا أعيش كما تعيشين، لكن صمتي أقسى من صراخك.

أنتم تأكلونني كل يوم، وتظنون أن من لا يُدافع عن نفسه… لا يشعر».

أجبتُ بحرج:

– «لكني لا أستطيع أن أعيش من دونك…»

– «وأنا لا أختار أن أكون طعامًا، لكنني لا أملك الأنياب لأرفض».

سكتُّ، ثم قلت:

– «ولكننا جميعًا نأكل بعضنا بعضًا. الإنسان يأكلني، أنا آكل العشب، الأسد يأكلني، ثم يموت ويأكله الدود… ألا يبدو الكون كآلة طحن ضخمة؟»

رد العشب:

– «بلى… لكن الفرق هو في الوعي.

حين يعرف أحدهم أنه يؤلم، ويستمر… يصبح جلادًا.

حين يُخترع الدين ليُبرر الذبح، ويُلبَس الجزار ثوب القداسة، يُصبح القتل طقسًا مقدَّسًا».

قلت له:

– «هل ترى أن الإنسان أسوأ من الحيوان؟»

– «لا… لكنه الوحيد الذي يملك القدرة على الاختيار… ويختار القتل».

كان صوته يضعني أمام مرآة.

مرآة لا تُظهر قروني ولا خُفَّي… بل تُظهر أسئلتي.

قلت له:

– «لكن حتى أنتَ تُداس وتُؤكَل بصمت… لماذا لا تحتج؟»

– «لأني أعرف أن الوجود ليس عدلًا، بل ميزانًا يميل مع الريح

لكنِّي اخترت ألا أكون القاتل، حتى لو كنت المقتول».

سكتَ لحظة، ثم قال:

– «وصيتي لكِ، يا سُحلة:

لا تجعلي خوفك من الموت يُبرر موت غيرك.

وإذا اضطررتِ أن تأكلي، فافعليها بشكر، لا بشهوة.

واسألي نفسك دومًا:

هل قتلتِ لأنكِ جائعة… أم لأنكِ أقوى؟»

رجعت إلى القطيع تلك الليلة.

لم أعد خائفة من الذبح، بل من أن أتحول أنا ذاتي إلى ذابحةٍ يومًا… بحجَّة الخوف، أو الجوع، أو الحق.

في عينيَّ كانت دمعة

وفي فمي طعم حقلٍ كاملٍ اعتذر لي… وأنا أكلته.

مذكرات النعجة «سُحْلة» – الجزء التاسع والأخير

«ما بعد الحكاية»

عدتُ إلى القطيع، وأنا لست كما كنت.

لم يعد الخوف هو ما يسكنني، بل السؤال.

في أعين باقي النعاج، رأيت براءة مَن لا يسأل.

وفي عينيَّ، ظلُّ ذئبٍ عجوز، ودمعة عُشب، وأصداء صيحةٍ لم تُطلق بعد.

ذات مساء، اقترب مني صغير يُدعى «رِكعة»، وسألني:

– «يا سُحلة… لِمَ لا تأكلين بشهية؟»

– «لأنني صرت أُفكر قبل أن أعض.

أفكر إن كان ما تحت فمي قلبًا نابضًاأم مجرد لقمة».

ضحك الصغير، وقال:

– «لكننا نعاج، لسنا بشرًا كي نُفكر

عندها، توقفتُ.

نظرت إليه طويلًا وقلت:

– «ومن قال إن التفكير حكرٌ على من يصنع السيارات؟

ألم ترَ الإنسان يبرر قتله لي؟

أليس أقل ما أفعله أنا… أن أُفكر؟»

سكت «رِكعة» كأنه فهم… أو خاف أن يفهم.

في تلك الليلة، كتبتُ على جذع شجرةٍ كبيرة، بقائمتي المرتجفة:

«إلى كل من يقرأ

نحن لسنا طعامًا، نحن قصص.

نحن لا نُذبح فقط، نحن نحلم.

وإن كنتم تُؤمنون أن الألم دليل على الحياة،

فاعلموا أننا أحياء أكثر مما تظنون».

ثم نظرت إلى القمر، وقلت له:

– «أخبرهم عني، إن سألوك عن النعاج

قل إن سُحلة كانت تحلم بعالم لا يُؤكل فيه أحد،

إلا حين يختار أن يكون لُقمة حب،

لا ضحية جهل».

وهكذا انتهت الرحلة

لكن الحكاية لم تنتهِ، لأن كل مَن يقرأ، قد يُصبح سُحلة يومًا

أو قد يختار أن يكون الذئب… أو العشب.

لكن فقط أنتَ من تقرر أيُّهم تكون.

لكن السؤال… لم يُجَب بعد...

تساؤلٌ أخير!

تخيَّل، أيُّها الإنسان...

أن يظهر على هذه الأرض كائنٌ أقوى منك عقلًا وأشد بأسًا، فيصطادك كما تصطادنا، ويقتلك كما تقتلنا؛ لا من أجل الجوع، بل من أجل العطر، من أجل الوسادة، من أجل المعطف، من أجل المتعة، من أجل تقليد ورثه عن آبائه.

تخيَّل أن يُسلخ جلدك لتُخاط منه ملابس للأقوياء، أن تُقتلع عيناك ليُصنع منها دواء، أن يُقطَّع جسدك لتُزيَّن به موائد الاحتفال، أو تُعلق رأسك على الجدران باعتبارها «تذكارًا من رحلة صيد».

تُراك كنت ستقول له: افعل بي ما تشاء؟

هل كنت ستصفق له باسم البقاء؟

هل كنت ستبرر له كما تبرر لنفسك اليوم؟

أم كنت ستصرخ: هذه وحشية! هذه خيانة للرحمة!؟

فكر جيدًا، أيُّها الإنسان...

أكنت ستغفر له لأنه أقوى؟

أم كنت ستلعنه لأنه نسي أن الضعيف أيضًا يشعر، ويحلم، ويخاف؟

أنا «سُحلة»، بنت «نُهيدة»، نجوتُ من الذبح، لكنَّ سؤالي هذا… قد لا ينجو منك.

تُثبت مذكرات النعجة سُحلة في قصة «أنياب في القلوب» أن الأدب الرمزي يمتلك قدرة فائقة على زعزعة المنطق البشري المستقر، إن القصة لا تكتفي بتقديم مرثية للحيوانات المذبوحة، بل تضع المنظومة الأخلاقية للإنسان كلها على محك المساءلة الفلسفية.

بحوارات سُحلة مع الثعلب، الكبش، السلحفاة، حتى العشب، يتضح أن الوعي بالألم هو القاسم المشترك بين جميع الكائنات، وأن تبرير الهيمنة بالقوة هو منطق هش قد ينقلب على صاحبه في أي لحظة.

تتركنا القصة مع تساؤل أخير يتردد صداه طويلًا في وعي القارئ، محولًا طبق الطعام اليومي من وجبة إلى قضية وجودية تستحق التأمل.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة