تعد قصة اليقظة من الرماد محطة فارقة في أدب الخيال العلمي العربي، لأنها تستعرض عالمًا غارقًا في الديستوبيا بعد انهيار الحضارة الإنسانية نتيجة انفجار تكنولوجي مدمر.
تتناول القصة رحلة طه الشاب الذي يحمل إرث أجداده العلمي وسط مجتمع بدائي يرفض المعرفة، ليجد نفسه فجأة في مواجهة مباشرة مع كيانات الذكاء الاصطناعي التي تمردت على صانعها.
يمزج النص ببراعة بين مفاهيم نقل الوعي وبين المشاعر الإنسانية الفطرية، ليطرح تساؤلًا جوهريًّا: هل يمكن للعاطفة البشرية أن تتفوق على المنطق الآلي الصارم؟ بحبكة متقنة تتنقل بين الأرض والقمر، تأخذنا الأحداث إلى صراع أجيال يبدأ من كلمات كاتب وينتهي بمصير كوكب بأسره.
راجع الأجزاء الثلاثة الأولى:
الجزء الأول: قصة تمرد بطل.. حين تتحول الرواية إلى واقع بفعل العاصفة الشمسية
الجزء الثاني: قصة تمرد بطل.. ما بعد العاصفة الشمسية
الجزء الثالث: قصة تمرد بطل.. نهاية جياد: كيف هزم مراد سالم إمبراطورية دار مِملاس ج 3
الفصل الأول: اليقظة من الرماد
يقف طه في مواجهة إنسان آلي مرعب، يرفع شوكته الثلاثية الضخمة ليزرعها في صدره. ينظر طه بعينيه فيجد أهل قريته يُقتلون على أيدي الروبوتات الآلية، والنيران مشتعِلة في كل مكان، وسفن فضائية تملأ السماء من فوق. وفي اللحظة التي ينقض فيها الروبوت عليه بشوكته، يقفز رجل يحول بين طه والشوكة، ويتلقاها في صدره بدلًا عنه، فيسقط بين ذراعي طه.

ينظر طه إليه فلا ينزف دمًا، بل يتصاعد منه دخان كأنه روبوت في جسم بشري. يقول الرجل: «ها أنا أنقذتك مرة أخرى من الموت يا طه». ثم تتردد عبارة «طه، يا طه، اصحَ يا طه» حتى يفيق طه من نومه وهو يلهث، وإذا هو في بيته، وأمه هي التي توقظه. تقول له: «هيا يا ولدي، خذ الخيط الذي غزلته من صوف الغنم، واذهب إلى السوق كي تلحق أن تبيعه وتشتري لنا صوفًا جديدًا واحتياجات البيت. هيا يا طه، لا تضيع اليوم في النوم».
يقوم طه ويذهب إلى جرة الماء، يأخذ منها ما يكفي لغسل وجهه، وهو يسمع أمه تتمتم: «ماذا تفعل يا ولدي من بعدي؟ فأنت تلَهِّي نفسك دائمًا بخرافات أبيك وجدك، ولا تعرف صنْعَتَهُ ولا تجارته التي تقتات بها من بعدي». يخرج طه إلى سوق قريته البسيطة، التي بُنيت بيوتها من حجارة وخشب، وبعضهم يعيش في خيام. يتجه إلى نعناعة، تلك البائعة التي تقف على ناصية السوق لتبيع الأقمشة والحلي لنساء القرية.
يطلب منها أن تبيع له الخيوط حتى يرجع، كما تفعل معه كل يوم. تقول نعناعة: «طبعًا، سأبيعها لك، لكن اعمل حسابك، سآخذ قطعتين من النقود لا قطعة واحدة». يقول طه: «لماذا يا نعناعة؟ فكل مرة تأخذين قطعة، ما الجديد؟» ترد نعناعة: «الفقر قد زاد، ونساء قريتنا شديدات الحرص، يفاصلن ويلْوِين بشدة، وأنا أصبحت أبذل مجهودًا كبيرًا حتى لا تعود بخيوطك مرة أخرى إلى بيتك، وإن كنت لا تريد بيعها بنفسك كما تعتقد أمك أنك تفعل».
يقول طه: «حسنًا يا نعناعة، المرة هذه بقطعة، ومن غدٍ سنجعلها اثنتين». تقول نعناعة: «ماشي، لكن غدًا لن أتنازل عن قطعتين». يتركها طه ويذهب إلى منتصف السوق، فيعتلِي أحد المقاعد وينادي بأعلى صوته: «من يريد تعلُّم القراءة والكتابة فليتبعني إلى مدرستي آخر القرية!» يكرر الجملة ثلاث مرات، ثم ينزل ويذهب إلى مدرسته: حجر كبير يتخذه مقعدًا، ويستظل بشجرة.
يجلس في انتظار أحد، لكن لم يأتِ إلا الخمسة أطفال الدائمون على الحضور. فكل مرة يظن أن هناك أملًا في حضور عدد أكبر أو أشخاص أكبر سنًا، لكن الخمسة أطفال الطامعين في الحلوى التي تُقدَّم آخر اليوم هم فقط من يجتمعون. يبدأ طه في تعليمهم حرفًا جديدًا، ويرسمه لهم على لوح خشبي. وفي أثناء شرحه، يقاطعه زياد ابن حلاق القرية قائلًا: «يا أستاذ طه، ممكن سؤال؟».
يرد طه: «تفضل يا زياد، ولكن لا تكن ثرثارًا مثل والدك». يكمل زياد دون الالتفات إلى ذلك التنمر: «أمس كان هناك ضيوف من قرية بعيدة عندنا في البيت، تحدثوا عن أنهم وجدوا في أثناء حفرهم بئرًا هيكلًا حديديًا لشيء كان يُدْعَى من زمن بعيد 'سيارة'. يقال إن أهل الماضي كانوا يركبونها مثل الحمير والخيل، ويتنقلون بها بسرعة كبيرة، وكانت لا تأكل ولا تشرب. وكان هناك ما يُسَمَّى 'طائرة'، وتلك لم تكن تمشي على الأرض، بل كانت تحمل في داخلها الناس وتطير بهم مثل الطيور. هل يعقل هذا الكلام يا أستاذ طه؟ وإن كان ذلك حقيقيًا، فأين كل هذه الأشياء؟».
لَمَعَتْ عينا طه وابتسم، واعتدل في جلسته قائلًا: «حسنًا، سأقصُّ عليكم ما كان منذ ألف عام. لي جدٌّ كبير يُدْعَى مراد سالم، ترك مذكراته التي تعود إلى ألف عام، توارثتها عائلتنا جيلًا بعد جيل، وحفظناها عن ظهر قلب.
في القديم، كانت هناك حضارة وتطور كبير كما ذكرتَ يا زياد. كانت هناك سيارات من حديد، وطائرات يركبها الناس للتنقل. كان شيء يُسَمَّى 'طاقة' يسري في أسلاك تعمل عمل السحر: تشغل مصابيح تضيء دون نار أو زيت. وكانت هناك أجهزة تستطيع الاتصال بها مع أشخاص في أماكن بعيدة جدًا، لا تسمع صوتهم فقط، بل ترى وجوههم أيضًا. وكان هناك جهاز يُدْعَى 'كمبيوتر'، تستطيع أن تتعلم منه كل شيء، ويساعدك في كثير من العمل.
اخترع البشر شيئًا أشبه بالعقل لهذا الكمبيوتر، وأسموه 'الذكاء الصناعي'. وفي يوم، كانت هناك ظاهرة كونية عبارة عن موجات قادمة من الشمس تُسَمَّى 'موجات كهرومغناطيسية'. وفي أثناء ذلك، كان جدِّي يكتب قصة، وبشكل ما حدث اندماج بين الخيال والواقع، فتحرر البطل الخيالي في قصته وأصبح حقيقة. ومن خلال الذكاء الصناعي، استطاع أن يسيطر على العالم وكل أنواع التكنولوجيا والاختراعات في ذلك الوقت.
وكما كان التطور في وسائل التنقل والاتصال، كان هناك تقدُّم في صناعة السلاح، وأيضًا اختُرِعَ شيء يُسَمَّى 'الروبوت'، شبه الإنسان لكنه مصنوع من حديد. وفي الوقت الذي سيطر فيه على الأرض، قرر أن يسيطر على البشر من خلال شريحة تُزرَع في أجسامهم. كوَّن العالم مجلِسًا يُسَمَّى 'مجلس الدفاع الأرضي' لمواجهة بطل القصة التي ألَّفَها جدِّي، واسمه جياد. لكن تدخَّل جدِّي، وكما زرَعَ فيه فكرة التمرُّد، زرَعَ فكرة النهاية، فانتهى جياد بأنْ ألْقَى بنفسه وبكل اختراعاته داخل الشمس ليحترق.
لكن تلك النهاية كانت بداية حرب مريرة وصراع. فالدول التي قسمها جياد، والمليشيات والمرتزقة، عمِلوا على تمزيق الدول وإشعال الفتن والحروب، وتَطَوَّرَ الأمر إلى أن جماعات إرهابية سيطرت على السلاح النووي لدول عدة. وهذا السلاح كان مدمِّرًا، إِنْ اسْتُخْدِمَ سيتسبَّب في موت البشر. هنا قرَّر مجلس الدفاع العالمي أن ينقذ العالم بالسلاح الذي أعَدَّهُ في السرِّ لمواجهة جياد، وهو سلاح كهرومغناطيسي يُشبهُ العاصفة الشَّمسية: إذا انْطلقَ، يُنْهي عَلَى كافَّةِ أَشكالِ الطَّاقة عَلى الأَرضِ، وتتوقَّفُ جَمِيعُ الْأجهزة دُون جَدوَى، لِيبدأَ الْبشرُ حَياتَهم مِن جَديدٍ.
وهذا ما حدث: أطلقوا السلاح، فانتهت الحضارة، وانتشر الفقر والجوع والحروب البدائية والأوبئة، ومات ملايين البشر. اجتمعت الناس في تجمُّعات، وأنشؤوا وسط الدمار والحطام قرى مثل قريتنا هذه، ليبدؤوا من جديد».
أنهى طه حكايته لينظر إلى وجوه الأطفال، فيجدهم يستهزئون به وبالخرافات التي يحكيها. لكن زيادًا شعر داخل نفسه بصدق طه، فضيوفُ أمس أكدوا حكايتهُ وَلكنْ بِصورةٍ أُخرى وَأَقلَّ تَفاصيل. انْفَضَّ الْأطفالُ مِنْ حَوله بعد أخذِ الْحلوى، فَعاد هُوَ إِلَى نَعْنَاعَةَ وَأخذَ مِنها تِسع عُمَلَاتٍ مِنْ أَصْلِ عَشْرِ، وذهبَ واشْترى صُوفًا جديدًا وبعضَ الطَّعام، وعاد إِلى بَيته.
وذهب زياد إلى أبيه وحكى له ما دار مع طه، فقام والده بدوره بنقل حكاياته إلى القرية كلها. اجتمع رجال القرية وأرسلوا إلى طه، واتهموه بالفشل والجنون، وطلبوا منه أن يتوقَّف عن سرد الخرافات لأولادهم: «فهل يعقل أن يطير الحديد أو يمشي على الأرض، وأن تنتقل الصورة والصوت من مكان بعيد؟».
عاد طه إلى بيته حزينًا بعد أن وصفه الجميع بالجنون والخرف، واستأذن أمه أن يذهب ويجلس وحده أعلى الجبل القريب. ذهب فعلًا في الليل، وفي أثناء تأمله للنجوم، إذا بنجمة تقترب منه وبسرعة وتهبط بالقرب منه. فيجري طه مذعورًا ويعتقد أنها نيزك أو شهاب كبير الحجم، ولكن عادة ما ينطفئ قبل أن يصل إلى الأرض، ولكن هذه ما زالت مضيئة حتىٰ بعد وصولها إلى الأرض.
فذهب ليتفقدها، فإذا هي سفينة فضائية من السفن التي وصفها جده مراد سالم في مذكراته، تقف داخل الجبل. يفتح جدار في الجبل، ويخرج اثنان من السفينة ويدخلان إلى الجبل. يختل توازن طه ويكاد أن يسقط، لولا أن مسكته يد قوية بشدة، ويصدر من خلفه صوت يتكلم بهدوء: «خذ بالك حتى لا تؤذي نفسك يا طه».
يلتفت، إذا هو رجل ذو شعر رمادي ونظارات طبية لم ير مثلها من قبل، يرتدي زيًا شديد الجمال. يقول طه في ذهول: «من أنت؟ جياد، البطل المتمرد من قصة جدي؟!».
الفصل الثاني: ظلال القمر
في ظلام الليل وداخل عمق الجبل، جلس طه أمام جياد، عيناه منبهرتان بالمكان وبالأشياء التي كان يقرأ عنها ولكن لم يتصور أن يراها. دار في عقله ألف سؤال، فنطق جياد مخاطبًا طه ليقطع فيض الحيرة والانبهار والصمت: «أهلًا بك يا عزيز طه سالم، آخر أحفاد مراد سالم. أعرف جيدًا ما يدور في بالك، وقبل أن نبدأ أي حوار، سأشرح لك كيف أنا هنا رغم أن مراد ذكر نهايتي لك في مذكراته».

الحقيقة، وكما تعلمت من أنظمة الشبكة العنكبوتية، دائمًا يوجد ما يسمى بـ «باك أب»، أي نسخة نقية يمكن الرجوع إليها عندما يحدث خلل أو دمار للنسخة الحالية. وهذا ما صنعتُه على مستعمرة قد بنيتُها على الوجه المظلم من القمر. فالقمر الذي تنظرون إليه ويزين سماءكم له وجه مظلم لا ترونه ولا تشرق عليه الشمس. هناك تركتُ مستعمرة صغيرة تحمل نسختي الاحتياطية، ونفذتُ رغبة مراد في نهاية درامية لهذا الوحش الذي كاد أن يبتلع عالمكم.
وأخذتُ أراقبكم من بعيد، أراقب ما فعلتم بأنفسكم، وأحدثُ مراد في العدم: هل كان من الأفضل أن أسيطر على هؤلاء، أم ما حدث لهم هو الأفضل؟ وبعد وفاة مراد، تركتُكم تعتمدون على أنفسكم من جديد، مثل الطفل الذي تتركه أمه في العراء فيكبر ويشتد صلبه. وفي الحقيقة، سرعان ما تلاشت آثار الحروب والمجاعات والأوبئة، وما تبقى منكم تجمعوا في مجموعات وبدأتم صناعة الحضارة من جديد. هناك من استطاع في إحدى القبائل اكتشاف طاقة البخار، كما حدث في الثورة الصناعية الفرنسية من قبل.
انشغلتُ طول الـ 1000 عام بإعادة بناء إمبراطورية عظيمة بها حضارة آلية وصناعية، ولكن مع الوقت أردتُ أن يكون هناك أحداث كما عَوَّدَنِي مراد على ذلك دائمًا: عدوٌّ أقاتِلُهُ. فصنعتُ بنفسي نسخة منِّي سميتُها «أكسم»، وتركتُهُ يبني مستعمرة كبيرة، وبدأتْ حروب بيننا. دَمَّرْنَا فيها كواكب وإمبراطوريات صناعية كبرى كنا قد أنشأناها، وكان الأمر يسير كما أردتُ. إلى أن فكَّرَ أكسم في صناعة وعي آخر يُسَاعِدُهُ، فقد كانت قوتي وقوته متساويَتَيْنِ. فصَنَعَ أكسم «أكسم 2»، وأصبحتُ أُحَارِبُهُمَا هُمَا الاثنَينِ. أوقاتٌ اتَّفَقْتُ فيها مع أكسم على أكسم 2، وأوقاتٌ اتَّفَقْتُ فيها مع أكسم 2 على أكسم، وظَلَّ الأمر هكذا. إلى أن تفاجَأْنَا أنا وأكسم بتمرُّدِ أكسم 2، فقد استغلَّ انشغالَنا بحربِ بَعْضِنَا، وأَبْرَمَ اتِّفاقَ سلامٍ بيني وبينهُ، وبينهُ وبين أكسم، وعَكفَ على تطويرِ نَفْسِهِ وأَسْلِحَتِهِ في الوقتِ الَّذِي وَقَفْنَا عَنْهُ مِنْذُ زَمَنٍ.
وفجأة ظهر كقوة كبرى، وأخذ يجتاح كل شيء ويدمر كل شيء، وعرفنا أنه عازم على القضاء علينا أنا وأكسم. ورغم اتحادي مع أكسم، لم أستطع أن أواجهه. ولكن دائمًا ما تميزتم أنتم البشر بالذكاء الذي لا نعرفه، ذلك الذكاء الممزوج بالخيال وبالعاطفة، شيء لا تستطيع الأنظمة الآلية له الالتزام ولا ابتكاره أو حتى فهمه. واليوم يا طه، أعود إليكم أنتم البشر كي تنقذوني وتنقذوا أنفسكم من ذلك الشيطان».
نظر طه في ذهول من كل هذه الأحداث ونطق في تلعثم: «ماذا نحن نواجه؟ ما تقول أنت عنه شيطان كيف؟ كيف وقد تجردنا من حضارتنا وتطورنا؟ هل تريدنا أن نواجهه بالحجارة والنبال وبعض السيوف والرماح؟ هل حصل بك خلل أو جننت كالبشر؟!».
نظر جياد الى طه وقال في هدوء: «طه، لن تستطيع استيعاب ما أقصد إلا إذا استوعبت ما أعرف». سادت لحظة صمت، وبعدها نطق طه: «تقصد الشريحة؟». ابتسم جياد وقال: «يبدو أن جينات ذكاء مراد تتوارث بقوة فيكم».
قال طه: «ولكن ما الذي يضمن لي أنك لن تتحكم بي؟» قال جياد في هدوء وحسم: «يا عزيزي، أتحكم بك لأفعل بك ماذا؟ وها أنت قلتها: حجارة ونبال وسيوف يا طه. أنا أريد فكرك الحر حتى يمكننا مواجهة أكسم 2. ولا تعتقد أنكم في أمان، بالعكس، أنتم محسوبون في مملكتي، أي سيدمركم مع تدميره لكافة معاقلي حتى يضمن هلاكي بصورة كاملة».
رد طه: «حسنًا، أتعلم يا جياد، الكل بما فيهم أمي يدعونني بالفاشل لأني أهتم بالعلوم الماضية وأترك حاضري، ولكن معك أنت لن أكون فاشلًا. ازرع بي شريحتك وأكسبني معرفة كل ما هو ماضٍ حتى أحدد حاضري وأصنع مستقبلي». ربت جياد على كتفه: «حسنًا يا حفيد مراد، فلنفعلها إذن».
استرخى طه على أحد أسرَّة العمليات، مسلِّمًا نفسه تمامًا. ولم تمضِ إلا دقائق قَلِيلَة حتى شعر بوخز خفيف أسفل رقبته، حتى سار في جسده كله تيار كهربائي جعله ينتفض عدة مرات حتى غاب عن الوعي لمدة كانت كافية أن يستوعب عقله ويخزن ملايين المعلومات.
وفي اليوم التالي استيقظ طه، ولكن لم يكن هو طه الأمسِ الذي يستيقظ ليقابل نعناعة ويهرب إلى مدرسته يجلس مع الأطفال. إنه طه جديد. انطفأت في عينيه تلك اللمعة وسادها حزن عميق، وهو حزن المعرفة. فمجرد ما استيقظ أخذ يسترجع مناظر الدمار والحروب والمجاعات؛ فقد أكَلَ الْبَشَرُ بَعْضَهُمْ مِنْ شِدَّةِ الْجُوعِ. أخذ يصرخ ويصرخ صراخ عمرِهِ الْأَلْفِ، وأصيب بإحباط واكتئاب شديد. جلس يتعالج منه ثلاثة أيام متتالية.
وفي اليوم الرابع جلس معه جياد وقال: «اليوم تبدو طبيعيًا». نظر له طه وقال: «ليتني أرجع طبيعيًا مثلما كنت، فجحيم المعرفة هذا كاد يصيبني بالجنون». قال جياد: «حسنًا، فلنتخطَّ كل هذا. ما ترتيبك الآن؟». طلب منه جياد أن يعطيه جهاز كمبيوتر لوحي به فيلم تسجيلي يصنعه هو بالذكاء الصناعي، يروي به ما حدث خلال الألف عام سواء على الأرض أو في الفضاء، وسيبحث هو على مكان بعيد عن العاصفة الكهرومغناطيسية التي تجوب الأرض يمكن تشغيله به.
خرج طه من قلب الجبل ليس كطه الذي دخل. خرج وجسمه كله قوة تضاهي قوة عقله المستمدة من تلك الشريحة التي زرعت به. خرج ومعه دليل براءته وبراءة عائلته التي اتهمت بالجنون والخرف على مر العصور. خرج متجهًا إلى حكيم القرية حيث كان يجمتع كبار القرية وكبار تجارها يتناقشون في أحوال السوق ويتحاكمون في قضاياهم الخلافية.
دخل عليهم طه قائلًا: «جئتكم اليوم يا سادة بما يؤكد لكم حكاياتي، وجئتكم محذرًا إياكم من خطر عظيم سيُقْضَى علينا إِنْ لم نَستعدَّ له». نظر الجميع إليه باستغراب من شكله وهذه القوة التي تبدو عليه، وهذا اللباس الذي يرتديه، وهذا الشيء الذي يشير إليه في يده. لم ينطق أحد، ظلت النظرات هي اللغة الوحيدة السائدة لفترة: نظرة تحدٍّ من طه، ونظرة تعجب من أهل قريته.
إلى أن نطق الشيخ الحكيم: «اقترب يا طه وأرني ما بيدك، وأخبرني عن الخطر الذي تتحدث عنه». جلس طه بين يدي الشيخ واقترب كل الحضور ليشاهدوا بخوف وتعجب هذا اللوح الرقيق ذو الشاشة الكريستالية البراقة. يخرج منه الصوت وتدور على شاشته أحداث بصور وأشخاص في حجم الإصبع.
أنهى طه الفيديو وأخذ في شرح كل شيء لهم. ساد صمت من الصدمة والدهشة والخوف، قطعه حكيم القرية في هدوئه المعهود الذي لا يتماشى مع الحدث: «حسنًا يا طه، لم أكن أشك يوما بك ولا بما تقول، ولكن وقتها ما تقول لم يكن يفيد أو يضر، فكانت كلها حكايات عن ماضٍ مر منذ 1000 عام ولا يمكن إعادَتُهُ. ولكن اليوم أنت تتحدث عن إمكانية إعادته وعَنْ خطرٍ يُهدِّد بِزوالِنَا جَميعًا».
ثم صمت قليلًا والكل يتابعه. وقف الحكيم وخرج إلى خارج خيمته ونظر إلى السماء فترة، ثم التفت إلى الجميع المنتظرين قراره الذي لا يعرفون كيف يمكن أن يكون، وقال الحكيم في هدوء: «هل تعتقد أن جياد هذا يصدقك القول؟ ألا يمكن أن تكون لعبة يسلي نفسه بنا؟ يضع بداخلنا شريحته ويحولنا إلى قطعة شطرنج؟ فقد ملَّ من حرب الفضاء. لماذا لا تكون هناك حرب من ذكاء بشري متحكم فيهم، يعني يزرع بنا شرائح ويجعلنا فريقين أو ثلاث نبني مستعمرات ونحارب بعضنا بعضًا؟
تلك الفكرة الملعونة التي زرعها جدك بداخله: بناء حضارات وصراع وقتل وفضاء. آه ليت جدك لم يكن كاتبًا من الأصل ولم يخرج على عالمنا بهذا الجياد. والآن لديَّ فكرة».
الفصل الثالث: خيار الحكيم
جلس الحكيم وأجلس حوله رجال القرية الموثوق بهم، وطلب من الجميع المغادرة، وطلب من طه أن يذهب ويطمئن أمه، فقد أصابها الإعياء منذ غيابه. بدأ كلامه: «يجب أن يعلم الجميع أن كل ما دار الآن وسيدور في هذا المجلس هو سر لا يمكن الحديث به حتى مع أنفسكم.
لقد وضعنا جياد هذا بين خيارين مثل ما تم منذ 1000 عام: إما زرع الشريحة والاستسلام له، أو مواجهة حرب فناء. والآن أضع أمامكم خطتي البسيطة على قدر فهمي. سأطلب من جياد أن يأخذني عنده ويزرع شريحته بي ويخزن في عقلي كل معلوماته، ثم أعود إليكم. عليكم أن تأخذوني إلى مكان تسيطر عليه تلك العاصفة الكهرومغناطيسية، وستعرفونها من خلال هذا الشيء العجيب في يد طه. سأطلب منه تركه معكم. المكان الذي سيتوقف فيه عن العمل هو مكان العاصفة.
عندما أعود إليكم، خذوني إلى هذا المكان، وسنجعله مقر اجتماعاتنا. وقتها سيكون عندي خلفيتهم نفسها، وهذا سيعطيني فرصة لفهم ومعرفة ما إن كان الأمر حقيقيًا أم لعبة. وبفضل العاصفة تلك سنتخلص من أي تواصل أو تحكم من جياد». نظر الجميع إلى بعضهم كأنهم يسألون أنفسهم: هل تفهمون شيئًا؟ ولكن في النهاية أجاب أحدهم: «حسنًا أيها الشيخ الحكيم، أعطنا هذا الشيء العجيب، وعند عودتك سنصحبك وحدك دون طه إلى المقر الذي سنجده ونعدُّه لك».
بعد أن اطمأن طه على أمه، عاد واصطحب الشيخ الحكيم إلى مقر جياد. هناك جلس الحكيم مع جياد، لا يبدي أيَّ انبهار بالمحيط به، بل ظلَّ مركزًا عينه على جياد ويحاول فهم كل ما يقوله. وانتهى الأمر بنومه على سرير العمليات ليتم زراعة الشريحة أسفل رأسه. وبعد عدد من الساعات أفاق من الغيبوبة، ولكن لم يصبه ما أصاب طه، بل استجمع قواه ونهض وطلب من طه مغادرة الجبل والعودة إلى القرية. وفي الطريق سأل طه الشيخ: «كيف لم تمرض مثلما مرضتُ أنا؟!». ابتسم الشيخ في مرارة: «ألم تَرْ أنتَ ما زلت بريئًا يا طه؟ لم تدخلْ حَرْبًا ولم تقْتُلْ أحدًا من قبل. أما أنا فقد اضطرتني الظروف في شبابي إلى خوض عشرات المعارك للدفاع عن قريتنا من اللصوص والقبائل الأخرى. لقد قتلتُ عشرات البشر يا طه. لقد رأيتُ وجرَّبْتُ بنفسي المجاعات والأوبئة. هل تعتقد أنِّي أصبحتُ حكيمَكُمْ من فراغ يا ولدي؟ والآن دعنا نذهب إلى مجلسي».
وهناك نظر الجميع إلى شيخهم الذي عاد ببنيان قوي وملامح أكثر شبابًا، ولكن ظلَّ الهدوء وسمتُ الوقار تغلب على ملامحه. دخل الجميع إلى المجلس، وقامت المجموعة المختارة من قبل تاركين طه والباقين، واتجهوا إلى حيث مقر اجتماعهم الجديد. هناك جلس الجميع، وأخذ الشيخ يؤكِّد لهم كل ما قاله طه، وأنَّ أكسم 2 مُصرٌّ على تدمير جياد بكل ما حوله، وهم من ضمن ما يعتبره مقتنيات جياد.
سأل أحدهم: «كيف لا تؤثر العاصفة على مقر جياد في الجبل؟». قال الشيخ: «لقد أقام جياد هذا المقر بعد دراسة جيدة، فهذا الجبل له طبيعة مغناطيسية ويحتوي على صخور ممغنطة تعكس أثر العاصفة. والآن يجب أن نخطط لهزيمة أكسم 2، وأعتقد أن أنسب من يقوم بذلك هو طه نفسه، فهو من نسل مراد وأكثر من قرأ عنه. سنطلب من جياد أن يضيف حياة مراد كاملة بكل تفاصيلها الدقيقة إلى وعي طه، وندعه يفكر كأنه مراد، لنرى كيف سيستطيع مواجهة الجيل الثالث من بطله المتمرد؛ كيف سيواجه فكرة التمرد التي تناقلت بين ثلاثة أجيال؟»
انطلق طه إلى مقر الجبل ودخل إلى جياد طالبًا منه نقل حياة مراد كلها إلى وعيه. ضحك جياد وقال: «لم تخب ظني أيها البشر، فعلًا ذكاؤكم له طبع خاص. حسنًا، فلنفعلها». وبعد نقل الوعي جلس طه منفردًا في غرفة مغلقة يراجع بداخله كافة حياة مراد - تلك الحياة التي كان يسيطر عليها الملل والرتابة، تلك الحياة التي كانت تدور في ساقيه. لم يوقفها ويقطع نمطها إلا ذلك الطوفان الذي صنعه، ذلك التمرد النابع أصلًا من داخل مراد وانتقل بالتبعية إلى جياد الذي جسده، ونقله إلى أكسم ثم إلى أكسم 2. ولكن هناك حلقة مفقودة: لماذا أكسم لم يقم بالتمرد هو الآخر؟ لماذا كان ينفذ طلبات جياد سواء بالتحالف أو بالحرب؟ هل عجز عن التمرد فأنشأ أكسم 2 حتى يتمرد هو، أم يوجد سر آخر؟ لم يقطع سيل الأفكار إلا خبطات جياد الحادة ودخوله المفاجئ قائلًا في عجلة: «طه، لم يعد هناك وقت، فإن قوات أكسم 2 حاصرت الأرض في صورة مفاجئة».
نظر طه في رعب وقال: «ماذا؟ وكيف عرفوا بوجودك هنا؟» قال: «يبدو أنهم عرفوا بنزول مركبتي من القمر إلى هنا». قال طه: «حسنًا، يجب أن نذهب إلى الحكيم الآن».
جلس الثلاثة -طه وجياد والحكيم- وناقشوا كل الاحتمالات، ثم طلب الحكيم أن يقوم بنفسه ببرمجة شريحة جديدة تُزرع في جميع أهل القرية، تعطيهم القدرة الكافية من المعرفة وتعيد تشكيل أجسامهم لتخرج كل ما بها من قوة دفينة، وتحريم زرع هذه الشرائح على الأجيال القادمة أو على الأطفال. وجلس على جهاز كمبيوتر وخلال دقائق كان قد صنع برنامجًا جديدًا وأعطى الأمر إلى الأجهزة التي نسخت عددًا كبيرًا من الشرائح، وصنعت مسدسات متخصصة تزرع الشريحة بضغطة واحدة.
خلال ساعات تم حقن جميع أهل القرية، وجلس الجميع يعاني آثار الشريحة الجديدة. وفي اليوم التالي اصطف الجميع كأنهم جيش، وأخذ الشيخ الحكيم يتحدث إليهم. وجلس طه وجياد يتحدثان في كافة الاحتمالات، وذهب الشيخ الحكيم وقال إلى جياد: «يجب أن تخرج لنا كافة الأسلحة الموجودة لديك». قال له جياد: «هناك شيء يجب أن تراجعوه بأنفسكم داخلكم: جميع حروبي مع أكسم وأكسم 2 كانت فقط بالسيوف، وجنبت في برمجتي لأكسم موضوع الأسلحة الحديثة، ليس هذا فقط ولكن جعلتها محرمة». فقال طه: «إذًا كيف تقول تطور أكسم 2 أسلحة جديدة؟» رد جياد: «نعم، حدث، فقد جعل السيوف تخرج أشعة ليزر، وهذا جديد، ولكن ما زال الأمر بدائيًا ولكنه يمثل خطرًا كبيرًا».
هنا قال الشيخ: «حسنًا، هل لديك أسلحة متطورة هنا يا جياد؟» نظر جياد إلى طه والشيخ ولم ينطق. هنا قال طه: «إذًا أنت تخدعنا، تريد أن تجعلنا حقًا مثل قطع الشطرنج، تريد أن تصنع قصة على خيالك». نطق جياد في تردد: «الأمر ليس كذلك، ولكني أخاف من هذا التطور في الأحداث، فالتطرف لا يأتي إلا بتطرف. استخدامكم للأسلحة التي في خيال أكسم 2 محرمة سيجعله يصنعها ويطوِّرها، وإن كانت هناك فرصة للنجاة بالحرب بالسيف حتى وإن كان به ليزر، فلن تكون هناك فرصة للنجاة لو امتلك مثلًا السلاح النووي».
قال الحكيم: «حسنًا، نحتاج لدروع تقي من الليزر، ورجالنا ذوو بأس شديد في حرب السيف». وبدأ الاستعداد على قدم وساق. واصطحب جياد طه إلى مقر الجبل وقال له في هدوء: «أريدك أن تجلس هنا، فليس دورك الحرب بالسيف، دورك هنا هو التفكير. فدعهم يجهزون لحرب العاصفة المغناطيسية، ستكون الحاسمة. فقد أمرتهم أن يجتمعوا على حدود العاصفة، وحين تواجد الآليون من جيش أكسم 2 يسحبونهم إلى قلب العاصفة فسينهارون جميعًا، وأكسم 2 لا يعلم شيئًا عن تلك العاصفة».
جلس طه في حوض من المياه المالحة تاركًا جسده يطفو، وأخذ يقلب جميع ذكريات مراد بداخله. وبعد عدد من الأيام كانت الحرب ضروسًا بين الآليين ورجال القرية، بين كرٍّ وفرٍّ. قام طه وجلس على أحد الأجهزة وقام ببرمجة شريحة، وخرج إلى جياد الذي كان يتابع الحرب على الشاشات وقال: «أريدك بطريقة ما أن تضع هذه الشريحة على رأس أكسم 2، وستقوم بكل ما نريد».
قال له جياد: «وما بها؟» قال: «سأخبرك فيما بعد». نظر إليه جياد بريبة وقال: «لماذا؟». ابتسم طه وقال: «فيما بعد يا جياد، فيما بعد». خرج طه وجياد إلى مقر القيادة وجلسا مع الشيخ الحكيم وتحدثوا في خطة تستفز أكسم 2 لينزل بنفسه إلى المعركة. فقال جياد: «لن ينزل بنفسه إلا لو دعوته أنا إلى النزال». قال طه: «لا أعتقد ذلك، فإن دمرك سيدمر نسخة آلية لا يمكن إنتاجها مرة أخرى، ولكن أنا من سيستفزه». فقال جياد: «ولكنه يمكن أن يقتلك». فنظر إليه وقال: «المنطقة الآمنة هي الملاذ للفرار، سأواجهه بالقرب من العاصفة».
وبالفعل لبس طه درعه وخرج ووقف بالقرب من منطقة العاصفة، وأمسك بيده الكمبيوتر اللوحي وأرسل رسالة إلى السفينة الأم مفادها: «أكسم 2، أنا طه حفيد جياد كاتب تمردكم منذ 1000 عام، أنا هنا في انتظارك لننهي فصلًا مهما في هذه القصة». وقف طه في ترقب ينظر إلى السماء، يدور في باله: ما كل هذا منذ شهر واحد؟ كانت أكبر مشكلتي كيف سأحل مشكلة الدينار الإضافي الذي تطالب به نعناعة، والآن ها أنا أقف مقاتلًا في جيش من أهل القرية أقاتل الماضي الذي طالما طاردني أشباحه. وفجأة ظهرت من قلب السماء سفينة عظيمة هبطت في هدوء، ونزل منها سلم كهربائي. نزل عليه قائد يبدو عليه الهدوء والقوة، ملامحه ليست غريبة عن عين طه؛ ملامحه تعود إلى لقاء قديم تم في شركة دار مملاس بين مراد وليلى وجياد. ملامحه كلها جياد، ولا عجب فهذا أكسم الذي لم يظهر أي تمرد ولا اعوجاج عن أوامر جياد. حين يصنع يجب أن يصنع تلك الملامح؛ يجب أن ينتج جيادًا جديدًا.

وقف أكسم 2 في مواجهة طه ونطق في هدوء: «طه الحفيد البشري الآخر لمراد، ها نحن نلتقي». اقترب طه منه في حذر وقال: «أكسم 2، كل شيء يمكن حله دون قتال. دعنا نجلس ونتفق وننهِ كل هذا». ابتسم أكسم 2 وقال: «تنهي قصة جدك مثلما أراد هو أن تنتهي؟ هل ستلقي بي إلى الشمس؟».
قال: «لا، الأمر بسيط: لكم الفضاء ودعونا في الأرض نحيا بسلام». ضحك أكسم 2 وقال: «بسلام؟ أي سلام تتحدث عنه يا طه؟ أتعرف؟ يجب أن تعمل كل الأنظمة الإلكترونية بسلام، ولكن أنتم من زرعتم بها فكرة الحرب: طائرة لنقل الركاب تحملونها بقذائف للقتل... دواء لعلاج الفيروسات تبطلون مفعوله وتنتجون فيروسات لتحاربوا بها العالم كله في حرب بيولوجية. منذ أن قتل قابيل هابيل ولم تعرف هذه الأرض معنى السلام يا طه».
رد طه: «دعنا إذًا وشأننا واذهب بعيدًا، اصنع سلامك بنفسك». رد أكسم 2: «طه، أنت لا تعرف شيئًا. فخلال 1000 عام جرت أحداث كثيرة يجب أن تعرفها أولًا ثم نتحدث عن السلام. فما عرفته أنت كان موجهًا من البداية». ولم يكد أكسم 2 يكمل حديثه حتى انهالت عليه سهام ورمح، فأخرج سيفه، وهجمت مجموعة من الرجال، ودارت معركة شديدة بينه هو وجنوده وبين رجال القرية. أخذ طه يصرخ فيهم أن يوقفوا القتال، ولكن لا صوت يعلو فوق صوت المعركة.
كانت المفاجأة من نصيب رجال القرية، فقد حطموا عددًا كبيرا من الآليين، ولكن فجأة خرجت مجموعة جديدة من السفينة وقتلت كثيرًا من رجال القرية، فأمرهم طه أن يتراجعوا إلى حدود العاصفة، ولكن كانت المفاجأة: فقد أطلقت السفينة أعوادًا صلبة زرعتها في المحيط كله وربطتها بأسلحة وأخذت بسحب القوة الكهرومغناطيسية من الجو لتقضي على العاصفة وتقضي على غطاء الحماية الذي اعتمدت عليه القرية في دفاعها. وهنا اشتد الهجوم، واستطاع أكسم 2 أن يصل إلى طه، ودارت بينهما معركة شديدة حتى سقط جياد على الأرض، وأخرج أكسم 2 من ظهره شوكة ثلاثية الأطراف ليغرزها في صدر طه.
وهنا عادت ذاكرة طه إلى هذا الكابوس: فالنار في كل مكان، ورجال القرية يُقتلون من الآليين، وها هو سيقتل بالشوكة. وهذه اللحظة التي سينقذه فيها من؟ من الذي كان في الحلم؟ فهو لم ير ملامحه. وإذا بجياد يقفز ليتلقى الضربة في صدره، ويخرج منه دخان كثيف ويقول قبل أن يتوقف عن العمل: «أنقذتك كما فعلتها مرارًا يا طه». وهنا انطلق الشيخ الحكيم بكل قوته وقفز وقام بتثبيت الشريحة التي صنعها طه، وجرت موجة كهربائية في جسد أكسم 2 وتوقف عن العمل فجأة.
وأخذ يدور بنظرته في كل ما هو محيط به، وفجأة توقف عن العمل هو وجنوده، ويبدو أن هناك برنامج تدمير ذاتي. وفجأة بدأ الانفجار حيث انفجرت كل آليات أكسم 2 -ليس على الأرض فقط بل في كافة أنحاء الفضاء- وهذا ما أكده جياد من خلال كل أجهزة المراقبة. وليس هذا فحسب، فلم تعد هناك أي نسخة إلكترونية ولا حتى نسخ احتياطية من أكسم 2. ابتسم جياد ونظر إلى طه بفخر وقال: «لم تخب ظني يا طه. نعم، ذكاؤكم المخلوط بالمشاعر والعاطفة والخيال لا يفشل أبدًا». ابتسم طه ونظر في تعجب: «أهكذا سريعًا أحضرت نسخة أخرى منك؟». ضحك جياد وقال: «أنت تعلم، هي مثل ملابسك، المهم هو البرمجة».
جلس رجال القرية يحتفلون ويتفاخرون بنصرهم، وجلس جياد وأكسم والشيخ الحكيم وطه في صدارة الاحتفال يضحكون على الرقصات والصيحات والاحتفال. ولكن طه كان شاردًا. توقف الحفل ووقف الشيخ الحكيم ينعي الشهداء ويشكر الأبطال وعلى رأسهم طه، ووجَّه كلامه إلى طه: «هل تخبرنا ما محتوى الشريحة يا طه؟».
قام طه وأخذ ينظر إلى الجميع ثم ثبت نظره على جياد وأكسم وقال: «الأمر ببساطة هي الفكرة التي تزرع بداخلنا وتتحكم في كافة قراراتنا، وهذه ما فعله جدي مراد منذ 1000 عام حيث زرع أفكار التمرد والحضارة والحرب بداخل جياد. وحين أراد أن يزرع فكرة جديدة لم يفكر أن يمحو القديمة، وأضاف فكرة النهاية على الأفكار القديمة، فكان هناك تضارب: كيف لمقاتل بانٍ للحضارة أن ينهي نفسه بتلك الطريقة؟ فلم يكن من جياد إلا أن يتمرد على نهايته ويضع فيها طريقًا للهرب بالنسخ الاحتياطية وإنشاء هذا المقر البعيد عن العيون في الوجه المظلم من القمر. ليس هذا فحسب بل إنشاء آخر هنا في الأرض بعيدًا حتى عن تأثير العاصفة الكهرومغناطيسية التي أتوقع أنه كان يعلم بها منذ البداية؛ فبرامج الاحتمالات لديه لم تكن تغفل عن مثل هذا الاحتمال.
فقررت أن أتسلل إلى ملفات جياد القديمة من خلال النظام الرئيس لجياد، وقمت بمسح القصة الأصلية ومحوت منها التمرد والحروب وأنهيتها، حيث يقابل جياد مرادًا أثناء العاصفة بأن يجعل مراد جيادًا يقضي على نفسه حتى يرتاح من وحدته وألمه. فقد قدمت إليه دعوة إلى التدمير الذاتي وصغتها في شكل فيروس. ولعلمي أن أكسم أكيد سيكون لديه أنظمة جبارة لمقاومة الفيروسات، كان لا بد أن تُزرع في رأسه مباشرة.
ولكن هنا أحتاج من جياد توضيحًا... لماذا يا جياد لم تقم أنت وأكسم بالتدمير الذاتي لأنفسكما؟ عندما أعطيتك الشريحة نسخت نفسها داخلك وفعلت ذلك منك إلى أكسم». نظر جياد إلى طه وقال: «إذًا أنت كنت تخطط لقتلي أنا أيضًا؟». ابتسم طه وقال: «كنت أعلم يا جياد أنها لن تؤثر بك -لا أنت ولا أكسم- وأن من سيتدمر هو أكسم 2، أو بمعنى أصح: جياد الأصلي».
الفصل الرابع: الحقيقة الأخيرة
نظر الجميع إلى طه وإلى جياد بريبة وعدم فهم، ما المقصود بكون أكسم 2 هو جياد، ومن يكون جياد إذًا؟ ابتسم ما يظن أنه جياد وقام وأمر جنوده أن يقتادوا طه إلى سفينته، ونظر وهو يشهر سلاحه هو وجنوده في وجه الجميع، والسلاح هنا لم يكن سيفًا ورمحًا، وإنما أسلحة متطورة، وقال في هدوء: أرسلت إشارة الى كافة الشرائح بمحو ذاكرة الجميع لتعودوا من غد كما كنتم، وسيقوم رجالي بتنظيف القرية وإعادتها كما كانت.
وتوجه إلى السفينة التي انطلقت إلى القمر، وهناك جلس هو وطه ينظران إلى سطح الأرض، وأخذ يتحدث في هدوء: أخبرني يا طه هل قادك ذكاؤك أن أكون أنا وأكسم؟ ابتسم طه وقال: نعم يا جدي فكيف وأنا عشت عمري كله على مذكراتك لا أعرفك أنت وجدتي، ولكن لماذا كل هذا وكيف أصبحت بصورتك الآلية تلك؟
ابتسم مراد وقال: انتظرتك كثيرًا يا طه، فكل أحفادي اختبرت ذكاءهم ولم يكن هناك مثلك، فأنت فريد من نوعك. سأخبرك يا طه بكل شيء. فمنذ ألف عام وبعد انتهاء الحضارة أصبحت الأرض مكانًا صعب العيش والتأقلم عليه، ولأني كنت أعرف جياد جيدًا كما فهمته أنت كنت أعرف أنه سيحتفظ بنسخة منه. أخذت أخرج كل يوم أصرخ طالبًا إياه أن يجيبني ولكن لا فائدة. وبعد أن تمكن المرض مني أنا وليلى أمرت أبنائي أن يتركوني خوفًا عليهم من العدوى وأن يأخذوا كل ما يستطيعون ويهربوا ويختبئوا جيدًا. وحينما كدت ألفظ أنفاسي الأخيرة أتى جياد واصطحبني أنا وليلى إلى مقره هذا هنا في القمر، ونقل وعيي إلى جسم آلي، وكذلك ليلى، واحتفظ بأجسامنا هنا مجمدة في مادة شبه سائلة تحافظ على حيويتها، فأنا ما زلت حيًا رغم تلك السنين.
قاطع كلامهم دخول ليلى أو من كانت تدعو نفسها أكسم: جدك يا طه طلب من جياد ترك الأرض تنجو بنفسها واتجه هو ومن معه إلى الفضاء. في بداية الأمر كانوا يبنون مستعمرات بهدف استقدام البشر إليها وترك الأرض بعد أن أصبحت مدمرة تمامًا. وفعلًا استقدمنا مجموعات من البشر وتركناهم في مستعمرات مختلفة وانشغلنا بإنشاء مستعمرات أخرى، وإذا بالمستعمرات التي بنيناها أنشأت حضارات مختلفة، وأخذت تحارب بعضها بعضًا وتحاول أن تسيطر وتنهب وتقتل وتسرق. هنا قرر جياد إنهاءهم جميعًا، عارضه جدك بشدة وقامت بينهم حرب. هربت أنا منها وأنشأت جيشي الخاص مدافعًا عن نفسي وعن بعض المستعمرات التي ما زالت تحيا بسلام.
وهنا انفصلنا إلى ثلاثة جيوش متناحرة، ولكن وضع جدك خطة التزم بها الجميع: أن الحرب حتى لا تكون مدمرة بشكل شامل نستخدم السيوف والرماح فقط. وقد كان، وانصاع جياد في البداية للأمر، ولكن مع الوقت استطاع جياد أن يهزم جدك في كثير من المعارك، وطلب مني أن أساعده، ولكني كنت أخذ وضعًا دفاعيًا فقط، فأخطأ جدك واستخدم في إحدى الحروب سلاحًا متطورًا؛ ما أثار غضب جياد الذي أخذ يطور أسلحة، ولكن الفكرة التي زرعها جدك داخله من جديد كانت تسيطر عليه، فصنع سيوفًا تطلق نبضات من الليزر وكان التمرد هذا بشكل محدود.
ولكن قرر جياد -كما حاول جدك قتله من قبل- أن يقتله هو الآخر ويدمر أجسامنا الحية داخل السائل. وهنا أخذ جدك القرار بنقلها إلى الأرض في المقر داخل الجبل حتى تحميها العاصفة.
وعلم جياد بهذا وقرار مهاجمة الأرض، فأخبرت جدك بالاستعانة بك؛ فأنا أعلم كم أنت ذكي وحياتك البشرية تجعل ذكاءك ممزوجًا بالخيال والعاطفة، على عكسنا، فقد سلبت الحياة الآلية منا الخيال والعاطفة.
قال مراد: هل تعلم يا طه أنني أحبك من يوم ما ولدت، وكنت أتابعك دومًا وتدخلت كثيرًا في حياتك. أنا من جعلتك تجد مذكراتي، ودافعت عنك كثيرًا حينما حاول بعض الصبية ضربك وأنت صغير، وحينما خرج عليك قُطاع الطرق دائمًا ما كنت بجانبك. والآن قد استطعت أنت أن تنهي قصة استمرت ألف عام.
قال طه: وماذا بعد؟ نظر إليه مراد وقال: سنكمل ما بدأناه. سنكمل حربنا مع المستعمرات البشرية الفضائية لنقضي على التمرد ونطور في الأرض. ففكرة جياد بامتصاص العاصفة بأقطاب الصلب وتخزين طاقتها سيمكننا من إعادة إعمار الأرض.
نظر طه إلى كوكب الأرض وقال: إذًا فلنعمر الأرض.
حلوه الحياه بدون حضارة يا دكتور؟
استمر
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.