قصة الوردة الجورية: عن الصمود في وجه المكر

أحيانًا يكون التدبير الذي يُدبِّره الآخرون لصالحنا، وأحيانًا يعلمنا أن الإنسان لا يجب أن يكره نفسه لمجرد أن أحدًا يكرهه، وفي هذا البستان تعلمت الوردة الجورية أن الحياة ليست مجرد ألوان وزهور جميلة، بل لعبة من الخطط والمكر، وأن من يحاولون أن يضعوك في موضع الشك أحيانًا يفعلون ذلك ليختبروا قوتك الحقيقية.

وكانوا قد صنعوا خطة محكمة لإحباطها وجعلها تشك في نفسها، فقد قرروا أن يجعلوا كل ورد يتقدم إليها يمر أولًا بتوجيهاتهم وإرادتهم، ويشعرها بالوحدة، ويزرع في قلبها شعورًا أنها ليست كافية، وأنها مغرورة وسيئة، فكل ورد من البساتين المجاورة إذا حاول الاقتراب منها كانت تعترض طريقه الهمسات المخادعة والنصائح الخفية، وكانوا يجعلون الورد يرفضها ويغادر وهو يعتقد أنها رفضته، وأنها تقول عنه إنه ليس كافيًا.

وكانوا يخططون أيضًا لأن يجعلوا الكثير من الورود يتقدمون لها، ينجذبون إليها، يشعرون بالحب والاهتمام، ثم بعد مدة قصيرة يتركونها ويقولون لها بصراحة أو ببطء: «أنتِ لستِ كافية»، حتى تبدأ في الشك في نفسها وفي جمالها وفي قيمتها، وكل ذلك كان يحدث في صمت، في الخفاء، بين الورود والهواء، ولم تكن الوردة الجورية تعرف أن كل هذا المخطط مُحكَم ومُبطَّن، وأن من حولها يحاولون اختبار صبرها وقوة قلبها.

كانت الوردة الجورية كل يوم تصحو مع الفجر، تذهب إلى مكانها المخصص في البستان لتستقبل أشعة الشمس الكافية، تتبع كل الإرشادات التي كتبها لها صاحب البستان، تشرب من الماء النقي، وتغذي أوراقها بالمغذيات التي يضعها لها، في حين بقي الآخرون منشغلين بالنميمة عليها، يحاولون إحباطها وكسر ثقتها بنفسها، ولم تكن تشعر باليأس، فقد كانت تعرف أن طريقها مختلف، وأن قوتها تكمن في التزامها بنفسها.

كانت الوردة الجورية كل يوم تصحو مع الفجر، تذهب إلى مكانها المخصص في البستان لتستقبل أشعة الشمس

مرت الأيام، وأدركت الوردة الجورية أن أشعة الشمس لم تعد تصل إلى مكانها المعتاد، شعرت ببرودة في أوراقها وكأن الطاقة تضعف داخلها، فقررت أن تذهب إلى حافة البستان، ففيه يصل الضوء أكثر وينتشر الهواء النقي، وهناك التقت بوردٍ جوريٍّ من مزرعة أخرى، ورغم أن كلًّا منهما جاء من مكان مختلف، فإنهما وجدا أنهما يشبهان بعضهما كثيرًا في الشخصية والاهتمامات، فتشكلت بينهما صداقة قوية، كان كل منهما يفهم الآخر من دون كلمات، ويلاحظ التشابه في طريقة الحب للحياة والحرص على النمو.

كان الورد الجوري من المزرعة الأخرى يذهب كل صباح ليأخذ نصيبه من أشعة الشمس، وفي كل مرة كان يلتقي بها يقول لها: «أنتِ طيبة وجميلة»، وكانت الوردة الجورية تستغرب، فقد اعتادت أن تسمع من الآخرين أنها ليست جميلة، وأن قيمتها أقل مما هي عليه. ومع مرور الوقت، أصبحت تنتظر لقاءه، وكانت تستمد منه القوة، وتتعلم أن جمال القلب أحيانًا أهم من كل ما يقوله الآخرون.

وذات يوم، قال لها بابتسامة خفيفة لكنها صادقة: «لن أستطيع مقابلتك اليوم، فأنا مشغول بالمسابقة… مسابقة ملك البستان». استغربت الوردة الجورية، فقد لم يخبرها أحدٌ بوجود مسابقة ستقام، شعرت بالحيرة، وذهبت إلى الورود في البستان تسألهم: «لماذا لم تخبروني؟» فأجابوها ببرود: «كان عليكِ أن تعرفي بنفسك، ليس من حقك أن تتوقعي أن نعلمك بكل شيء».

شعرت بالحزن، لكنها لم تفقد عزيمتها، فتوجهت إلى صاحب البستان، الذي ابتسم لها وقال: «لقد أخبرت الجميع، ولكنهم لم يلتزموا بإبلاغك، لا تحزني… أريدك أن تشاركي، فكل أملي فيكِ، وأنتِ من أكثر الورود اهتمامًا بالنمو والتعلم، وأنا متأكد أنك ستفوزين».

كانت كلمات صاحب البستان دفعة قوية لها، وعرَّفتها أنها ليست وحيدة، وأن من يهتم بها حقًا هو من يساندها، فجمعت شجاعتها وشاركت في المسابقة، وعملت بجد واجتهاد، حتى جاء اليوم الذي أُعلنت فيه النتيجة… وفازت الوردة الجورية، وفاز أيضًا الورد الجوري من المزرعة الأخرى في بستانه، ليصبح ملك البستان، وكان فرحهما لا يوصف.

ومع مرور الوقت، قرر الورد الجوري من المزرعة الأخرى أن يتقدم لها، فقد أحبها بصدق، ورأى جمالها الحقيقي، جمال الروح قبل الشكل، وفي الوقت نفسه تقدم إليها الكثير من الورد الجوري في المزارع الأخرى، وكان صاحب البستان معجبًا بوردٍ جوريٍّ من بستان صاحبه، وكان يريد أن يزوجه إياها.

لكن بمجرد أن علمت الورود الأخرى بذلك، امتلأت قلوبهم بالغيرة والكراهية، وقرروا أن يضعوا خطة جديدة لإبعادها عنه، فقد رأوا في نجاحها وخطوة الورد الجوري نحوها تهديدًا لهم، وبدأوا يفكرون في كيفية أن يجعلوها تشعر بالخذلان من جديد، وأن يشوهوا مكانتها وجمالها، فبدأت مرحلة جديدة من المعركة الخفية، في حين كانت الوردة الجورية واقفة، أقوى من قبل، تدرك أن الطريق لن يكون سهلًا، لكنها كانت تعرف أن من يحبها حقًا لن يتركها، وأن كل ما يحدث مجرد اختبار لقوتها وإيمانها بنفسها.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.