جاء أحد الأيام وتذكر أحد المسؤولين الشباب بإحدى الكيانات الحكومية، المشكلة التي وقعت مع محامي الكيان حين دخلوا لإحدى ساحات القضاء للفصل في إحدى الخصومات القانونية لدى هذا الشاب مع جهة رقابية عامه بشأن عدم كتابة نوع الصنف على غلاف نوع من أنواع السلع..
وبدأت أحداث الجلسة والقلق والخوف يكاد يفطر قلب الشاب ويقذف به خارج صدره حتى جاء دوره في نداء الحاجب عليه، ولم يلبث المحامي عندما أتيحت له فرصة الدفاع حتى نطق بجملتي "نلتمس البراءة وتغيير الحكم". فقال القاضي: "الحكم آخر الجلسة".
وتم زج الشاب في قفص الاتهام وما لبث المحامي حتى أصبح كأن لم يكن بالمكان.
ومع مرور الوقت وازدياد القلق يقوم الشاب بالاتصال بالمحامي مرات عدة ولا يقوم بالرد عليه، وفي النهاية يقول له اطمئن سوف تصبح هذه الأوقات ذكريات تضحك عليها.
وعقارب الساعة تمضي وكأنها سيارة محملة بأطنان من السلع الثقيلة، ومع ازدياد القلق يعاود الاتصال بالمحامي ولكن بلا جدوى!
ومع خروج كل من معه في القاعة والقفص ولم يبقَ سواه، أراد الاطمئنان عن طريق أحد الحراس فلم يستطع الانتظار أكثر من ذلك.
فيسأله: ما الأمر؟ فيقول له: لقد صدر ضدك حكم بالغرامة إما دفعها أو يتم إلقاؤك في السجن، فيقف الشاب في مكانه وكأن صاعقة أصابته كليًا حتى عجز عن الكلام، فيقترب أحد الحراس منه فيقول له إما تأتي معنا بإرادتك أو رغمًا عنك.
فيقول الشاب بصوت عالٍ: لماذا؟ لم أفعل شيئًا..
ومع اقتراب أحد الحراس منه وبيده الأغلال يصرخ الشاب اقتلوني إن شئتم ولكن السجن والموت سواء.
قال الحارس: نحن في هذا العمل منذ وقت طويل ونشعر بمن يستحق العقاب ومن يستحق العفو، ونحن نشعر بصدق كلامك ولكن الحكم قد صدر ولا يسعنا إلا تنفيذه وإلا ستلحق الضرر بنا وبنفسك.
فيرضخ الشاب أمام هذا الأمر الأليم ويتوسل إلى الحارس حتى لا يضع الأغلال في يديه، ويقسم بأنه لن يبدي أي اعتراض أو مقاومة.
فيقول الحارس: أنا أعرف ذلك ولكن غيري لا يعرف ذلك وإن نفذت كلامك لن تكون العواقب جيدة لكلانا.
فيرضخ الشاب لهذا الأمر المأساوي الذي يشبه أسوأ الكوابيس الحقيقية ولأول مرة في حياته يرى سيارة السجن من الداخل كيف تبدو، وبدأ الحزن والأسى يهاجمان الشاب بضراوة بجانب الخوف من المجهول الذي ينتظره في مكان لم يذهب إليه من قبل، ولم يحلم بالتواجد فيه لحظة واحدة.. وبدأ الاستسلام لإجراءات السجن التي تمت بكل احترام لآدمية الإنسان..
وجاءت اللحظة المهيبة وهي دخوله الزنزانة، فأدرك الشاب أنه تم القضاء عليه أو ما تبقى منه بفعل هذا الوحش الذي يقف أمام فاهه ومن حوله ومن بالداخل يقولون كلمة واحدة "ادخل"..
وفجأة يستجمع الشاب إيمانه وثقته بالله عز وجل ويقول: "بسم الله الرحمن الرحيم توكلت على الله السلام عليكم ورحمه الله وبركاته"..
ودخل بساقه اليمنى وفجأة يقف كل من بالمكان بالداخل احترامًا له وتخوفًا منه في نفس الوقت ولم يقترب منه أحد بل يتحدثون معه بكل أدب واحترام وأخذ يتعرف على كل من بالمكان، وأدرك أن معظمهم تم الإيقاع بهم وليس جميعهم مجرمين..
وعندما حاول أحد إرهابه نظر له الشاب بعينيه وتغيرت طريقته في الكلام فارتعب خائفًا منه ولم يقترب أحد منه مطلقًا، ولم يمضِ سوى يومين حتى غادر هذا المكان دون حدوث أي مكروه له، فأدرك الشاب أن الله خير حافظًا وهو أرحم الراحمين.
وليس كل من في هذا المكان ظالمين أو مجرمين.. وتمت محاكمة المحامي تأديبيًا ونال جزاءه الذي يستحق ثم عرف الشاب لاحقًا أن هذا المحامي لم يقم أحد بشكايته إلا هو.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.