قصص أطفال: النعجة زيزي ودرس في الإرادة

أرفضُ بشدَّة كلمة «معاق». ليس لأنها مجرد وصف، بل لأنها حكمٌ قاسٍ نصدره على إنسان، فنضعه في مرتبةٍ أدنى من غيره، كأننا نملك حق تحديد قيمته.

ومن هذا المنطلق يبرز السؤال: لماذا نجمع فئةً من الناس تحت مسمى واحد يوحي بالنقص؟ ولماذا نُصرُّ على استخدام كلمةٍ قد تُكسِر صاحبها من الداخل؟

المشكلة، في حقيقتها، ليست في الكلمة وحدها، بل في أثرها… فليس كل الناس طيِّبين، ويوجد من يستغل هذه الكلمات ليُشعر غيره بالدونية، ليُذكِّره دائمًا بأنه—مهما فعل—لن يكون كغيره.

لكن الحقيقة، على الجانب الآخر، أبسط وأعمق من ذلك… فالإنسان لا يُقاس بجسده، ولا بما ينقصه في الظاهر، بل بما يملكه في داخله: فكره، إرادته، وسعيه.

ولعلَنا نرى في حياتنا أشخاصًا يحملون ما يُسمى «إعاقات»، ومع ذلك هم أكثر إنتاجًا، وأشد تأثيرًا، وأقوى حضورًا من كثيرين لا ينقصهم شيء.

وعند هذه النقطة تتجلى خطورة الكلمات؛ فالكلمات حين تُقال، لا تمرُّ مرورًا عابرًا… فحين يُقال لإنسان: «أنت معاق»، فهي ليست مجرد جملة، بل رسالة خفية تقول:

«أنت أقل»

«لن تصل»

«لن تكون مثلهم».

ومع تكرارها، قد تتحول هذه الكلمة إلى صوتٍ داخلي يؤلمه، ويُضعف ثقته بنفسه، كما أنها تزرع الفُرقة بين الناس، وتخلق وهم التفوق لدى البعض، وشعور النقص لدى الآخرين.

ولهذا كله… أرى أن هذه الكلمة لا ينبغي أن تبقى. فالعجز الحقيقي ليس عجز الجسد، ولا اختلاف العقل… بل عجز الفكر حين يعجز عن الفهم، وعجز القلب حين يعجز عن التقبل.

ومن هذا المنطلق… تبدأ حكاية النعجة «زيزي»، التي لم يكن أكثر ما يؤلمها هو ما في جسدها… بل ما في نظرات الآخرين.

نظرات لا تُرى

في مرعى واسعٍ هادئ، كانت تعيش نعجة تُدعى «زيزي». ولم تكن زيزي كغيرها من النعاج… فقد وُلدت بساقين ضعيفتين، لا تحملانها كما تحمل بقية النعاج أنفسها.

في مرعى واسعٍ هادئ، كانت تعيش نعجة تُدعى «زيزي». ولم تكن زيزي كغيرها من النعاج

ولهذا كانت تتحرك ببطء، وتتعب سريعًا… لكنها، رغم ذلك، كانت تملك روحًا لا تعرف الاستسلام.

بل وأكثر من ذلك، كانت ذكية، متفوقة، تحب التعلّم، وتساعد الآخرين، وترسم لوحاتٍ جميلة تُعبِّر فيها عما تعجز الكلمات عن قوله.

ومع كل هذه الصفات… ظلَّ شيءٌ يؤلمها دائمًا؛ إذ لم تكن المشكلة في جسدها، بل في نظرات من حولها.

كانوا ينظرون إليها بشفقة، ويتهامسون من خلفها:

«مسكينة…»

«حياتها صعبة…»

«هي معاقة…»

كانت تسمع… وتصمت. وقد تبتسم أحيانًا… لكن في داخلها كانت تتكسر ببطء.

ومع ذلك، لم تكن ترى نفسها ناقصة، بل كانت ترى نفسها قادرة… بطريقتها. كانت تحلم بأن تنجح، وأن تُحَب، وأن تعيش حياةً طبيعية، كأي نعجة أخرى.

غير أن الآخرين… لم يروا منها إلا ما ينقصها.

وفي أحد الأيام، استعدَّت النعاج للذهاب في رحلة طويلة، مليئة بالجري والمرح. وعندها اقتربت زيزي منهم، وقالت بحماس:

«أيمكنني أن آتي معكم؟»

لكنهم نظروا إلى بعضهم في تردد، ثم قال أحدهم بلطفٍ مشوبٍ بالحذر:

«أنتِ تعلمين أن الطريق متعب… لن تقدري على ذلك».

وأضافت أخرى:

«نحن نخاف عليكِ… لا نريدك أن تتألمي».

كانت كلماتهم هادئة… لكنها حملت معنى أقسى مما بدت عليه.

عندها تراجعت زيزي قليلًا، وقالت بصوتٍ خافت:

«أنا أستطيع فعل أشياء أخرى… أنا أجيد الرسم…».

فابتسموا مجاملةً، وقالوا:

«نعلم أنكِ موهوبة… لكن هذا ليس مثل ما نفعله معًا».

وفي تلك اللحظة… لم تشعر فقط بالحزن، بل بشيءٍ أعمق… شعرت بأنها أقل.

ولهذا جلست وحدها بعد رحيلهم، والأفكار تتزاحم في رأسها:

«ربما هم على حق…»

«ربما أنا ناقصة…»

«ربما لن أكون مثلهم أبدًا…»

لكن، وعلى الرغم من كل هذا الألم… اختارت ألا تستسلم.

صوتٌ من الداخل

وفي تلك اللحظة بدأت نقطة التحول… إذ أمسكت زيزي بفرشاتها، وبدأت ترسم. ولم تكن ترسم أشكالًا فقط، بل كانت ترسم مشاعرها، وجعها، وكل ما لم تستطع قوله.

ومع مرور الأيام… تحوَّلت لوحاتها إلى عالمٍ كامل، مليء بالحياة والصدق.

وبتدريج، بدأ الآخرون يلاحظون موهبتها، ثم أعجبوا بها، ثم أخذوا يشترون أعمالها، حتى أصبحت زيزي معروفة، ومحبوبة… ومؤثرة.

لكن… ورغم كل هذا النجاح… لم تختفِ النظرات تمامًا.

فما زال بعضهم يراها:

«النعجة المعاقة… لكنها موهوبة».

وعند هذه النقطة… لم تعد زيزي قادرة على الصمت.

فوقفت أمامهم يومًا، وعيناها تلمعان بالدموع، لكن صوتها كان ثابتًا:

«أنا لستُ معاقة».

ساد الصمت.

ثم أكملت:

«قد يكون في جسدي نقص، لكن هذا لا يجعلني أقل».

ثم نظرت إليهم واحدًا واحدًا، وقالت:

«العجز الحقيقي… هو أن يتوقف الحيوان عن المحاولة، أن يعيش بلا هدف، أن لا يُنتج شيئًا».

وأضافت، بصوتٍ مكسور لكنه صادق:

«يوجد من يملك كل شيء… ومع ذلك لا يفعل شيئًا».

وانهمرت دموعها:

«أما أنا… فأحاول، وأعمل، وأنجح».

وبعد ذلك، اقتربوا منها ببطء… وقال أحدهم:

«لم نقصد أن نؤذيكِ…».

وقالت أخرى:

«كنا نظن أننا نُشفق عليكِ… لا نُقلل منكِ».

فتنهدت زيزي، وقالت بهدوء:

«أعلم أنكم لم تقصدوا… لكن الكلمات تترك أثرًا».

ثم أضافت:

«لا تقولوا عن أحدٍ إنه معاق… لأن هذه الكلمة قد تُشعره بالنقص، حتى لو لم يكن كذلك».

ومنذ ذلك اليوم… لم تعد زيزي مجرد نعجة مختلفة، بل أصبحت صوتًا.

صوتًا يقول: إن النعاج لا يُقاس بما ينقصها، بل بما يصنعه.

فليس كل اختلافٍ عجزًا، وليس كل نقصٍ ضعفًا… بل إن بعض الأرواح، رغم ما فيها من كسر، تكون أقوى… وأجمل… وأكثر حياة.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة