في زمن اختلت فيه الموازين، وتبعثرت فيه الأوراق، واختلط الأبيض بالأسود، خُوّن فيه الأمين، وأُمّن فيه الخائن، حتى بدا لي كأني غريب بين الناس.
الناس (المصلحجية) قلبوا كل شيء في الدنيا، فمن الممكن أن تكون تربيت على شيء أنه الصواب الذي لا تشوبه شائبة، ولا يجادلك فيه عاقل، فتجده خطأ، وربما توصف بقلة الذوق وعدم الرحمة، وربما يصل الأمر لوصفك بالتشدد والتزمت، وأن الناس كرهوا الدين بسببك إن كنت ممن يحرصون على مظاهر التدين.
لماذا هذه الاتهامات التي لا حصر لها؟ بل لماذا هذه النظرات التي تجعلك في كل موقف تفعله تراجع نفسك بنفس السؤال؟
هل أنا على صواب؟ وإن كنتُ على صواب فلماذا يخالفني كل هؤلاء الناس؟
أضرب لكم بعض الأمثلة الحياتية لتقريب ما هو قريب، وتوضيح ما هو واضح، ولكني أردت زيادة التوضيح.
اليوم ذهبت لأركب المترو، وكالعادة وقفت في الصف، والأمر لا يستغرق كثيراً إنما هي دقائق معدودة لا يشعر المرء فيها بأي عناء، وتأخذ تذكرتك، وتنصرف، ومع هذا تجد البعض يرى نفسه أنصح من الناس، يترك الصف ويمد يده كالشحاذين، يتوسل لهذا وذاك؛ لأنه على عجل من أمره.
بالنسبة لي أرفض دائماً بحجة أننا لا بد وأن نتعلم النظام، ولكن نظرتهم لي لا تتغير وإن تغير الشخص والزمن، ربما تكون نظرتهم نظرة احتقار، لا أدري، ولكن ما أعلمه من خلال تعابير وجوههم وأعينهم وكأنهم يقولون: من لا يساوي شيئاً يريد أن يجعل لنفسه قيمة...
وموقف آخر لزوجتي في لجان الامتحان، ليس موقفاً واحداً، وإنما مواقف عديدة.
هي كزوجها ترى أن الذي خسف بالعملية التعليمية إلى أسفل سافلين هو الغش، بالإضافة لبعض المصائب الأخرى، ولكن أكبرها الغش، ولذا ترفضه زوجتي رفضاً باتاً، وقد تسبب هذا الأمر بكثير من المشاكل لها، توصف بأنها ليست (جدعة) كزملائها، ولا يوجد في قلبها مثقال ذرة من رحمة.
هكذا يقولون عنها، وأذكر أنها ذهبت لتراقب في لجنة في إحدى القرى فانتظرها الرجال والنساء في آخر يوم من أيام الامتحانات لتكسير عظامها، فلولاها لغش أبناؤهم ونجحوا بسلام، ولكن لطف الله بها فخرجت من باب خلفي قبل نهاية الامتحانات بنصف ساعة ولم يعثر عليها أحد.
تخيل معي أن نظرة الناس لمن يدمر التعليم بأنه رحيم و(جدع)، ومن يحرص على صلاحه فهو عدو لهم ولأبنائهم.
وأمثلة أخرى كثيرة في جميع النواحي تبين إلى أي هاوية نحن ذاهبون، قد تبدو أنها أشياء بسيطة ويمكن أن تمر، ولكن لو نظرنا إلى مآلاتها لأيقنا بأنها عظيمة.
أصبحنا نفصل الصواب عن الخطأ حسب مصلحتنا، ونستطيع أن نجعل للمخاط الذي نلقيه على غيرنا ألف فائدة وفائدة، وفي الورد الذي بيد غيرنا ألف مشكلة ومشكلة.
لو تجردنا وفعلنا ما يجب دون النظر في أي أرض يصب لتغير حالنا.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.