قصة «المهرج» المعروفة بـ«بولزنكوف»، هي قصة قصيرة نشرها الأديب الروسي فيودور دوستويفسكي عام 1847م. تنتمي القصة إلى مرحلة الكاتب المبكرة، وتتجلى فيها قدرته الاستثنائية على سبر أغوار النفس البشرية وتشريح معاناتها الاجتماعية، لا سيما لدى طبقة المهمشين.
ملخص قصة «المهرج»
ترسم السردية بورتريهًا نادرًا لشخصية تلجأ إلى الضحك وارتداء قناع السخرية كوسيلة بقاء؛ إذ يرتضي البطل تحويل نفسه إلى أضحوكة بين أيدي الآخرين طلبًا للمال أو سعيًا وراء اعتراف ومقعد في المجتمع. وبهذه المأساة، يُعري دوستويفسكي التناقض الوجداني المؤلم: كيف تختبئ خلف الملامح المبتسمة روحٌ مهشمة يُثقلها الشعور بالمهانة والضياع تحت قسوة الاحتياج.
نُشِرَت تلك القصة في بداية عام 1847م في «المجلة المصورة» التي كان يصدرها «بانايف» و«نيكراسوف».

هيئة البطل وتناقضات نفسه
كنتُ أنظر إليه، إن هيئته غريبة لدرجة تدفع المرء للضحك، بالرغم من أنه يرتدي ثيابًا كثياب سائر الناس، لا أحسن منها ولا أسوأ، ثيابًا نظيفة توحي بالتأنق والوقار. ووجهه المتجعد، ياه... أي شيء لا يراه المرء في هذا الوجه؟!
إنك ترى الخجل والحياء، وترى الغطرسة والكبرياء، وترى الغضب، وترى الخوف، وترى طلب الغفران من الناس على إزعاجهم، وترى الاقتناع بأنه ذو قيمة وبأنه ليس بذي قيمة، ترى كل هذا بوجهه يمضي كومض البرق، كل ذلك يمكن أن يدرأ عنه تهمة الخسة والحقارة، أمر غريب حقًا!
كان يسره أن يسخر الناس منه، فهو مهرج لهم، ومهمته الأساسية هي أن يتلقى اللطمات المعنوية والحسية، ولكنني مستعد لأن أحلف أن قلبه يمكن أن ينزف دمًا لو تصور أن سامعيه يضحكون ضحكًا شريرًا لا مما يقصه عليهم بل من شخصه نفسه ومن مظهره. يا لها من هيئة تلك التي كان يعتقد أنه مُضطرٌّ لاصطناعها لإضحاك الناس، كل ذلك يؤلف تضادًا يبعث على الضحك وعلى الشفقة في آنٍ واحد.
إنه لم يستطع، بعد ست سنوات من محاولته الحصول على مركزٍ بهذا العالم، فما كان له أبدًا أن يُسرف بالتدني، فهو إنسانٌ من أشرف خلق الله، لكن هناك ضعفٌ واحدٌ يدنيه؛ أنه مستعد أن يرتكب حقارة صغيرة، عن طيب قلب، لا لشيء، إلا لكي يدخل إلى قلوب الناس المسرة، فهو يعدهم كإخوته، وكأحسن أصدقائه.
بداية الحكاية وسط الحضور
لقد أتيح لي رؤيته يصعد على طاولة، ويلزم الحضور الصمت، ويطلب منهم الاستماع لكلامه، فصاح المهرج قائلًا: «أنا أعرف (تيودوز نيكولايفتش) أكثر من أي إنسان آخر، فاسمحوا لي أن أقص على مسامعكم قصة. إنها قصة فترة من حياة خادمكم الوضيع، هذه القصة يا سادتي قد منعت نجاح زواجي، إليكم يا سادتي قصتي».
حدث ذلك منذ ست سنين، في اليوم المتمم لشهر آذار/ مارس، احفظوا ذلك التاريخ جيدًا، إنه عشية الأول من نيسان/ أبريل. خرجتُ من مسكني الصغير في المساء، بعد أن ودعتُ جدتي، جدتي عمياء خرساء صماء بلهاء... وكل ما تشاءون. كنتُ أشعر بالخوف الشديد، لأنني كنتُ أتهيأ لمواجهة مسألة كبرى.
دخلتُ منزل زميلي ورئيسي (تيودوز نيكولايفتش)، وهناك، أخرجتُ من جيبي لفة أوراق، وأخرج هو أوراقًا مالية، وتبادلنا الأوراق؛ أعطاني أوراقه وأعطيته أوراقي، فقد كنتُ أملك أوراقًا تعرض سمعته للخطر. صدقوني يا سادتي إن قلتُ لكم إنني لم أقبل رشوة في يومٍ من الأيام، لكنني في هذه المرة قبلتُ المال الذي أعطاني إياه رجلٌ ألفَ هذه الطريقة لتسوية الأمور.
لقد أعطاني ما لو أعطاه لأي أحد منكم أيها السادة لاشترى به ضميره، هذا إذا كان هذا الضمير يساوي شيئًا ويستحق أن يُشترى أصلًا! لقد أعطاني ألفًا وخمسمائة روبل، ومع ذلك شعرتُ في تلك اللحظة كأن أحدهم صب على رأسي ماءً يغلي.
العودة لبيت الرئيس وتأنيب الضمير
قال لي رئيسي (تيودوز نيكولايفتش): «ألا تخشى الله يا (أوزيب ميخائيلوفتش)؟».
ماذا كان في وسعي أن أقول ردًا على هذا السؤال؟! فسألته: «لماذا تظن ذلك يا (تيودوز نيكولايفتش)؟».
فقال: «أبعد أن كنتَ صديق أسرتنا تأتي فتهددنا بأن تشي بنا؟! فيمن نثق بعد الآن إذًا؟!».
فأسرعتُ بتناول قبعتي تأهبًا للخروج.
فقال: «إلى أين أنت ذاهب؟ لمَ تبغضني؟ ماذا فعلتُ بك؟ إنني ألاحظ الندم باديًا على وجهك، أنت تعلم أن غدًا هو عيد ماريا المصرية، هيا كفكف دموعك، لقد أخطأتَ ثم ندمتَ، علَّني أستطيع أن أردك لصوابك».
ثم أمسك يدي، وقادني لأسرتي، فشعرتُ ببرد يسري في جسدي، وتساءلتُ بأي وجهٍ أقابل (ماريا تيودوزيفنا)، ومن سوء حظي أنها جاءت محمرة العينين، فظننتُ -أنا الأبله- أنني سبب ما ذرفته من دموع، لكنني علمتُ فيما بعد، أنها قد بكت لأن ضابط سلاح الفرسان قد ولى، ثم علم الأهل بعد ذلك بخفايا القضية، فأرادوا أن يكتموها.
دعوني أحدثكم عن الضابط؛ لسوء حظي أو ربما لحسن حظي، فمن يدري؟ إن ضابطًا من سلاح الفرسان، قد بلغ من التصاقه بأسرة (تيودوز نيكولايفتش) أن ذلك أحزنني، فعمدتُ كعادتي لطرقٍ ملتوية لمواجهة تلك المسألة فقلتُ لـ (تيودوز نيكولايفتش): «لماذا تعذبني، مع أنني أكاد أكون صهرك؟ لقد بدأتُ بكتابة قصائد لابنتك، ورويتُ لها النكات، وذرفتُ لها العبرات، واعترفتُ لها بحبي».
ما إن رأيتُ (ماريا تيودوزيفنا) حتى تمنيتُ لو ابتلعتني الأرض، فوددتُ الهرب لكنهم كانوا قد أوصدوا الباب، وقال لي (تيودوز نيكولايفتش): «تعالَ يا عزيزي، لقد نسيتُ كل شيء»، فهرعتُ إليه وقلتُ له والدموع الحارقة تسيل على وجهي: «يا من أحسنتَ إليّ...»، وكان كل من في الأسرة يبكي ترحيبًا بعودة الابن الضال إلى أهله تائبًا، واحتفالًا بذلك، قُدِّمت الفطائر والحلوى.
كذبة نيسان والقرار الطائش
حقًا إن حماقة الرجل لا حدود لها، إنني لم أنظر في شهادة ميلادي، ونسيتُ أنني قد بلغتُ من عمري الثلاثين، كان واضحًا أنهم يسخرون مني ويضحكون عليّ، فامتلأ قلبي بالغضب، فقررتُ ألا أطأ بيتهم بعد ذلك، وراودتني فكرة الوشاية والتشهير، وكان تقريري الصغير يشتمل على إيضاحات دقيقة وبراهين قاطعة.
لما عدتُ لجدتي سألتني: «هل أعطاك اللص مالًا؟»، فقلتُ: «أعطاني، السعادة ستطرق بابنا يا جدتي».
وخلدتُ للنوم، وعندما استيقظتُ أخذتُ أفكر وأنا منتشٍ، قلتُ لنفسي: «غدًا أول نيسان/ أبريل، هلاَّ حزرتم ماذا اخترعتُ كذبة لأول نيسان/ أبريل؟ إنني أستحي أن أقول، لقد لبثتُ الليل كله أكتب، ويا لحماقة ما كتبتُ، لقد خطرت على بالي فكرة مضحكة، فجلستُ على مكتبي أكتب، فكتبتُ استقالتي من وظيفتي، مذيلة بتوقيعي مع ذكر جميع رتبي وألقابي، ذلكم ما اخترعته كذبة لأول نيسان/ أبريل! لقد كان فرحي سببًا في إسراعي لهوة الشقاء وغوصي في الوحل، لقد سرقوا مني كل شيء تقريبًا، ثم أعطيتهم الباقي من تلقاء نفسي!».
في الصباح ارتديتُ ثيابي، وتزينتُ بأبهى حلة عندي، ومضيتُ لمنزله حاملًا ورقتي في يدي، فاستقبلني بنفسه، وعانقني، فتراجعتُ خطوة إلى الوراء، وقلتُ له: «لا يا (تيودوز نيكولايفتش) اقرأ هذه الورقة أولًا».
سأتظاهر بالغضب، وأخبرهم بعدم رغبتي بابنتهم زوجة لي، وأن المال الذي أخذته سيضمن مستقبلي، ولذلك أقدم استقالتي، كما أنني لا أحب أن أعمل تحت إمرة رئيس كهذا، فسأنتقل لمصلحةٍ أخرى، وسأقوم هنالك بوشايةٍ جديدة، لقد نفذتُ أمس إلى قلوبهم، واليوم أردتُ أن أطلق لنفسي العنان فيما حسبته مزاحًا مع أهلٍ لا كلفة بينهم.
ما إن قرأ الورقة حتى تغير وجهه فجأة، وسألني: «ما هذا؟»، فما كان مني إلا أن قلتُ له: «إنها كذبة نيسان/ أبريل». في الواقع، لقد شعرتُ من فعلتي بالخجل، وقلتُ لنفسي: «كيف يمكنهم أن يقبلوا شخصًا مثلي في منزلهم؟».
فخ الرئيس المحتضر والاعتراف
لقد عشنا على هذا النحو أسبوعًا، كانوا يعدونني خطيبًا للفتاة، وأوشكوا أن يحددوا يوم الزفاف، ولكنهم لم يشاءوا أن يعلنوه فورًا، لأنهم كانوا ينتظرون وصول مفتش من (بطرسبورغ)، وكنتُ أنتظره على أحر من الجمر كونه يؤخر سعادتي، وفي تلك المدة، عَهَدَ إليّ (تيودوز نيكولايفتش) جميع أعماله، لقد كانت الفوضى في المحاسبة رهيبة، ففي كل موضع أخطاء، وكان يقول لي: «لا بأس، ساعد حماك قليلًا»، ومَرِضَ فجأة وازداد اعتلال صحته يومًا بعد يوم.
بعدما أنجزتُ كل شيء، جاء اليوم المشؤوم، فجاءني فجأة رسولٌ، قال لي: «تعال حالًا، إن (تيودوز نيكولايفتش) بحالةٍ سيئة»، فهرولتُ مسرعًا، وقال لي هناك: «إنني أموت يا عزيزي، لمن أدع أسرتي وأطفالي؟».
كانت زوجته (ماريا فومينشنا) موجودة هناك، وكانت ابنته (ماريا تيودوزيفنا) تبكي، فأخذتُ أبكي أنا أيضًا، فطلب منهم المغادرة، وأمرني أن أغلق الباب وراءهم، وتحدث معي على انفراد فقال: «أرجوك يا بني العزيز، أريد وأنا على فراش الموت أن أبوح لك باعتراف، إن الخزانة التي يقوم عليها المسكين (ماتفايف) ينقصها سبعة آلاف روبل، وقد سددتُ بعض النقص من مالي أنا، إني لأتألم كثيرًا حين أتذكر أن أناسًا أشرارًا اتهموني زورًا وبهتانًا، فصدقتهم أنت، سيصل المفتش قريبًا، وسَأُطَالَب أنا بسداد المبلغ، إني أملك بعض المال، لكنه ليس بحوزتي الآن، ما عساني أفعل؟».
لم أستطع أن أكبح جماح نفسي فإذ بي أركع أمامه قائلًا: «إنني لم أقدرك حق قدرك، لقد وسوس لي الأشرار أن أشي بك، فسامحني، سأرد لك ما أخذته منك تعبيرًا عن اعتذاري».
فنظَرَ إليّ والدموع في عينيه وقال: «هذا ما كنتُ أتوقعه منك يا بني، لا تقلق، لقد سامحتك».
الخديعة الكبرى ونهاية المأساة
ركضتُ للبيت كي آخذ المال وأعيده إليه، وقلتُ له: «خذ يا أبتاه، المبلغ كامل باستثناء خمسين روبلًا أنفقتها في بعض حاجاتي».
فقال لي: «حسنًا، لا بأس، اكتب إذن طلبًا مؤرخًا بتاريخٍ سابق، تلتمس فيه سلفة على راتبك بمقدار خمسين روبلًا، فأقوم أنا بما يتوجب فعله مع الرؤساء، فأقول لهم إنني قد أعطيتك هذا المبلغ سلفة على راتبك».
في اليوم التالي تلقيتُ جوابًا رسميًا مختومًا جاء فيه أن استقالتي قد قُبلت، وأن عليّ أن أهيئ حساباتي وأن أعيدها إلى المصلحة.
فصحتُ قائلًا: «كيف؟»، وأسرعتُ إلى (تيودوز نيكولايفتش) سائلًا: «ما هذا؟».
فأجابني: «ما الأمر، لقد قُبلت استقالتك».
فقلتُ له: «لكنني لم أتقدم باستقالة في يومٍ من الأيام!».
فقال لي: «كيف؟ ألم تقدمها مؤرخة في أول نيسان/ أبريل؟ في الواقع، يؤسفني جدًا أنك راودتك الرغبة بترك العمل في المصلحة، على كل حال، كن مطمئنًا من ناحية الشهادة التي سأعطيها لك، سأكتب لك شهادة جيدة، فأنت فعلتَ كل ما يجب وتستحقها».
فقلتُ: «لكنها كانت مزحة يا (تيودوز نيكولايفتش)، لقد كان ذلك كله عبثًا لم أقصد منه إلا إضحاكك!».
فقال: «مزحة؟! ومنذ متى يمزح الناس بشؤون العمل؟ وداعًا يا سيد، ليس لدي متسع من الوقت للحديث معك، فقد وصل المفتش، وأحب إبلاغك أنني قد ابتعتُ منزلًا جديدًا وأرجو ألا أراك على بابه».
ركضتُ إلى جدتي صارخًا: «لقد ضعنا يا جدتي!»، فأخذت جدتي تعول دون أن تعرف ماذا حدث، وما هي إلا لحظات حتى جاء خادم (تيودوز نيكولايفتش) حاملًا معه قفصًا فيه عصفور، هو هدية كنتُ قد أهديتها إلى خطيبتي، لقد أعادوه مع بطاقة كُتِبَ عليها: كذبة نيسان/ إبريل.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.