قصة المنخل اليشكري والمتجردة: نهاية مأساوية لشاعر الحيرة

قصة المنخل اليشكري والمتجردة علاقة حب سرية ومأساوية في العصر الجاهلي جمعت بين الفارس والشاعر المنخل اليشكري، وزوجة ملك الحيرة النعمان بن المنذر. وانتهت القصة باكتشاف الملك لهذه العلاقة إثر وشاية من الشاعر النابغة الذبياني، ما أدى إلى إعدام المنخل وتعذيبه حتى الموت في السجن عام 600م، لتُخلّد قصيدته الرائية تفاصيل هذا العشق والتمرد.

في هذا المقال نستعرض تحليل قصيدة الرائية للمنخل اليشكري، ونغوص في أعماق شخصية المنخل الفارس والعاشق، لنستكشف كيف تداخل الانتماء القبلي مع التمرد الفردي في مجتمع تحكمه الأعراف الصارمة، وكيف تحولت أبيات الغزل إلى وثيقة تاريخية تروي فصول هذه المأساة.

تُعد قصة حب المنخل اليشكري والمتجردة، زوجة الملك النعمان بن المنذر، واحدة من أعقد القصص التي مزجت بين الحب الخفي والسياسة في العصر الجاهلي. ولا تقتصر أهمية هذه الحادثة على البعد العاطفي والمأساوي الذي انتهى بمقتل الشاعر، بل تمتد لتكشف عن طبيعة الصراعات الخفية داخل بلاط الحيرة، ودور الوشايات التي كان بطلها الشاعر النابغة الذبياني.

الصراعات الخفية في بلاط الحيرة

يجمع الإخباريُّون على أن المنخَّل اليشكري «شاعر مُقِلّ من شعراء الجاهلية». وأبرز ما وصلنا من شعره قصيدته «الرائية» التي قيل إنه نظمها في «المتجرَّدة» امرأة النُّعمان بن المنذر.

وقد كانت هذه القصيدة، وعلاقة الشاعر بامرأة ملك الحيرة، وما تواتر من الروايات في اتهام «النابغة الذُّبياني» بحب المتجرَّدة، من الأسباب التي جعلت المؤرخين والمصنِّفين يولون هذا الموضوع العناية الكبيرة درسًا وتمحيصًا، حتى طغى أمر المنخَّل والمتجرَّدة على كثير من أخبار الأدب في المصادر القديمة والمراجع الحديثة على السواء.

وبات الإلمام بالإطار العام لخلفيات قصيدة «اليشكري» ذا بعيد الأثر في إلقاء الضوء على شخصيته وحياته وعلاقته ببلاط الحيرة ونابغة بني ذبيان وشعره، وكل هذا منوط بتحديد الإجابة عن عدد من علامات الاستفهام التي تتناول الشخصيات والأحداث الأساسية في هذه القضية:

فمن هي «المتجرَّدة»، ومن هو «المنخَّل اليشكري»؟ وما حقيقة العلاقة بين الشاعر وزوجة الملك؟ ولماذا ربطت كتب الأدب بين قصيدة «اليشكري» و«الذبياني»؟

المتجردة: قصة الجمال الذي أشعل نار الغيرة

«المتجرَّدة» لقب أطلقه النُّعمان على امرأته إعجابًا بحسنها عريانةً. فقد كانت بِضَّةَ الجسم، ناعمةً موثوقةَ الخلق، مديدةَ القامة، آيةً في الجمال والرشاقة. وقيل: هي هند بنت المنذر بن الأسود الكلبية، وذكرها المنخَّل في شعره باسم «ماوية». أما النابغة فقد خاطبها باسم ميَّةَ.

وبنو كلب من قبائل عدنان العريقة في قوتها وفخامتها، وإليها نُسِبَتْ قديمًا البادية المعروفة الآن ببادية السماوة، التي كانت تمتد من الحجاز صعودًا إلى أعالي الشام فالعراق.

وقد عاصرت هذه القبيلة مملكة تدمر، وأقامت لنفسها دويلة منيعة ذات نفوذ، وكانت دومة الجندل مركز الرئاسة فيها. ومن الذين مُلِّكوا فيها زهير بن جناب. وعند ظهور الإسلام اعتنق آخر زعمائها، الملك أكيدر، الدين الجديد. ونظرًا لعزَّة هذه القبيلة وعلو شأنها في أنساب العرب، فقد أصهر إليهم العديد من أمراء المناذرة والغساسنة وكبار الصحابة في صدر الإسلام. وكانت ميسون بنت بحدل الكلبية زوجة معاوية.

والمتجرَّدة كانت زوجةً للملك المنذر بن ماء السماء، وبعد وفاته آلت إلى ميراث ابنه الملك النُّعمان. وهي في الأصل زوجة ابن عمها الأسود بن المنذر الكلبي، الذي كان يلقب بـ «جلما». وكان نديمًا للملك المنذر الذي وقع في غرامها وجنَّ بحبها لفرط ما كانت عليه من البهاء والفتنة.

ويقال إن المنذر أقنع «جلما» بتطليقها، وبعد نجاح حيلته عقد عليها ونقلها إلى عصمته، وحال بين نديمه والزواج من مطلَّقته سلمى. وقد أشار النابغة إلى هذه الخدعة حين قال:

قد خادعوا جلما عن حرة خرد حتى تبطنها الخدَّاع ذو الحُلَمِ

المنخل اليشكري: الفارس العاشق

لم تكن حظوة المنخَّل عند النُّعمان بأقل من مكانة «جلم» عند أبيه المنذر، لمناعته في قومه من بني يشكر، وهم من قبيلة ربيعة التي عظم دورها في دولة المناذرة بعد تأييدها الملك النُّعمان ونُصرته عندما غدر به كسرى ملك الفرس. وقد انتقمت ربيعة لحليفهم في موقعة «ذي قار» التي شارك فيها فرسان يشكر، والمنخَّل من أبرزهم وأشدهم مراسًا وبلاءً في القتال.

هذه الحظوة عند الملك، وتلك المكانة بين فرسان يشكر، بالإضافة إلى ما كان يتمتع به المنخَّل من الرجولة وفتنة الشباب، وتواتر أقوال الرواة مؤكدةً أنه كان أجمل العرب وأبهاهم طلعة، جعلته، حين التقى المتجرَّدة، يقع من نفسها ويمتلك عليها عقلها وجوارحها. ولم يكن هيامها به بأقل من هيامه بها.

وهكذا توثقت بينهما دواعي العشق والصبابة، وبدا كل منهما مأخوذًا بأليفه وعشيقه، ما كان يدفعهما إلى التمادي في العلاقة، والاستهتار بالعواقب مع تعاظم الرغبة عندهما في قطف ثمار الهوى وإطفاء جذوة التدليه الذي استولى عليهما، لا سيما أن امرأة النُّعمان، كما يقول أبو الفرج، كانت فاجرةً وذات تجارب في مضمار الغواية والإيقاع بقلوب الرجال.

ولا سيما بعد أن وقعت سبيَّةً بيد قرة بن هبيرة القشيري العامري، حين أغار على النُّعمان في موضع «سفوان» على مسافة من البصرة، وبقيت في قبضته مدة قبل أن يستعيدها الملك، كما هو مشهور، وكما يقول نابغة بني جعدة، شاعر بني عامر:

وظلَّ لنسوةِ النُّعمانِ منَّا على سفوان يومٌ أروناني

فأردفنا حليلته وجئنا بما قد كان جمَّع من هجانِ

فظللتُ كأنِّي نادمتُ كسرى له قاقِزَّةٌ ولي اثنتانِ

العداء التاريخي بين النابغة والمنخل

ولا تكتمل قصة هذا الهوى المفتون بين الفارس والملكة، إلَّا باكتمال عناصرها وتبيان دور النابغة فيها. وثابت أن النابغة كان شاعر النُّعمان، وكانت له عنده حظوة ومودة لإعجاب الملك بشعره، ورغبته في توثيق الروابط بين إمارته من ناحية، وقبيلة الشاعر وأحلافها من ناحية ثانية.

كان كلٌّ من النابغة الذُّبياني والمنخَّل اليشكري يجالسان النُّعمان ويشربان معه، ويذكر صاحب «الأغاني» أن الاثنين كانا جميلين، لكن الذُّبياني كان عفيفًا، واليشكري كان يتهم بـ«المتجرَّدة». ويشاء القدر أن تتكشف دورات الأيام لتكون زوجة الملك سببًا في هروب النابغة إلى الغساسنة بعد أن أهدر النُّعمان دمه، ليخلو الجو للمنخَّل نديمًا وعاشقًا، يجالس الملك دون منافس على مائدة اللهو، ويخلو إلى الملكة في قبتها دون رقيب أو مزاحم.

أما كيف سارت الأمور على هذه الصورة، فتُروى روايتانتقول إحداهما إن النابغة دخل على النُّعمان مجلسه الخاص، بوصفه نديمه، ففوجئ بالمتجرَّدة معه، فسقط نصيفها، فتناولته بيد، وحجبت وجهها بالأخرى. وأراد الملك أن يتجاوز وقع المفاجأة، فطلب منه أن يصف هذه المناسبة، فقال:

سَقَطَ النَّصيفُ ولم تُرِدْ إسقاطَهُ ... فتناولته واتَّقَتْنا باليدِ

وتذهب الرواية الثانية إلى أن الملك المولع بالمتجرَّدة قال لشاعره: صفها لنا في شعرك، يا أبا أمامة، فنظم قصيدته التي استهلَّها بقوله:

أَمِنْ آلِ مَيَّةَ رائحٌ أو مغتدي ... عجلانَ ذا زادٍ وغيرَ مزوَّدِ

وتمادى في وصفه فأفحش، وساق عددًا من الأبيات على لسان النُّعمان، ومنها:

زَعَمَ الهُمامُ بأنَّ فاها باردٌ ... عذبٌ إذا ما ذقته قلتَ ازددِ

زَعَمَ الهُمامُ ولم أذقه أنَّهُ ... يُشفي بريقُ لِثاتِهِ العطشَ الصدي

زَعَمَ الهُمامُ ولم أذقه أنَّهُ ... عذبٌ مقبَّلُهُ شهيُّ الموردِ

ولا ريبَ أنَّ المنخَّل، عندما سأله النُّعمان رأيه في القصيدة، وهو الذي يغار من شعر النابغة؛ لأن النُّعمان كان يفضله على شعره الذي كان لا يحتمل وجود منازع له في هوى المتجرَّدة، وجد الفرصة لتحريض الملك وإيغار صدره، وردِّ التهمة عن نفسه باتهام خصمه بالخيانة والتشكيك بعفته، فقال للملك: «إنَّ هذا الوصف وصف معاين، لا يقول، أيها الملك، مثل هذا إلا من ذاق وجرَّب».

يبدو أنَّ مركَّب النقص عند الملك، لما هو فيه من البرش والدمامة، حرَّك عليه الظنون وأثار غيرته، فامتلأ قلبه حقدًا وكراهية. فتوعد الشاعر على مسمع من حاجبه عصام الذي كان صديقًا للنابغة وسارع إلى تحذيره ونصحه بأن يلوذ بالفرار.

فأذعن للتو، وهرب إلى قومه أولًا، ثم لجأ إلى الغساسنة دون أن يجد الفرصة للدفاع عن نفسه والرد على الاتهامات التي وُجِّهت إليه، وبعضها يعود إلى مسألة المتجرَّدة، وبعضها الآخر يعود إلى شعرٍ في هجاء النعمان نسبه أعداؤه إليه.

تفاصيل الخيانة ونهاية المنخل المأساوية

بعد هروب النابغة صفا الجو للمنخَّل في مجلس الملك، وخلت له وحده قبة المتجرَّدة ومخدعها، ردحًا من الزمن قبل أن تثبت خيانته ويقع في جريرة وشايته بصاحبه.

وذُكر أنه بعد تشكيك الملك بالذُّبياني، لم يعد اليشكري يبالي بالمعرَّة، ولا يقيم أي حساب لعواقب المخاطرة، وهو يأخذ طريقه عند كل سانحة إلى مضجع الملكة التي لم تأبه لجلالة المُلك، ولم تحفظ وقار الملك، بل راحت تستسلم لنوازعها، وهي ترى في عشيقها أميرًا متوجًا بتاج الجمال البهي. وكان مثل هذا التاج أكثر خلبًا لفؤادها من عزة السلطان وتاجه.

وخلال هذه السوانح من الوصال المشبوب بين أمير الحب الفارس وملكة العشق الولهى، ولدت المتجرَّدة لأبي قابوس «غلامين جميلين يُشبهان المنخَّل»، وكانت العرب تقول: «إنَّهما منه».

ومن البديهي أن يتيه المنخَّل إعجابًا وزهوًا في هدأة هذه الأيام الغُر، وقد تبسَّم له الزمن، وأشرقت عليه شمس البهجة والسعد، وبات يجمع إلى فروسية الحرب فروسية عالم القلب، ويطير فرحًا في عناق الجمال، وكان ينطلق، غير هيَّاب، إلى ساحات الوغى وقراع الأعداء.

تحليل قصيدة المنخل اليشكري الرائية

وهكذا كان هذان الأفقان في شاعريته: الجانب القومي العام، والجانب الوجداني الخاص، يتداخلان ويستثيران فيه مواهبه الشعرية، ليفتخر بالشجاعة والمروءة والنجدة، وليخلص بعد «حماسته» إلى التشبيب، فيصف ملحمة من نوع آخر وبطولة ثانية من بطولاته: نعني ملحمة الصراع من أجل الحب وبطولة اقتحام خدر المرأة المحبوبة بحذر الفارس ودليل قلب العاشق. وكل هذه الأجواء سنجدها في قصيدته التي نحن بصددها، والتي مطلعها:

إِن كُنـتِ عاذِلَتـي فَسـيري نَحـوَ العِـراقِ وَلا تَحـوري

تصف المراجع نهاية المنخَّل اليشكري على يد الملك النعمان بروايات تكاد تكون واحدة في دقائقها الرئيسة، وتقول إنه كان للنعمان يوم يركب فيه للصيد فيطيل المكث، وأن الشاعر الفارس كان يأتي المتجرَّدة في مثل هذا اليوم، فيطيل هو الآخر في ملازمتها منتشيًا بخمرة الكأس وخمرة الوصل، يقطفها من مواطن الفتنة في خليلته، من الخد والثغر ومن الترائب والصدر، حتى إذا عاد النعمان من القنص أو السفر، آذنتْها بمجيئه وليدةٌ لها أوكلتها بهذا الأمر، فتسارع إلى توديعه وتخرجه قبل دخول الملك عليها.

وقد بلغ هيام المتجرَّدة بخليلها الفاتن، الفائق الوصف في روعة الجمال، أنها كانت تقيِّد رجلها ورجله بالقيد مخافة أن يغيب عنها، وحرصًا على قربه وبقائه غير بعيد من مراشفها وملامسها.

وغفلت حواس الخادمة ذات مرَّة عن ترقُّب عودة الملك؛ لأن وقت أوبته لم يكن قد أزف، وخالف هو عادته في الإياب، فأقبل فجأةً وسارع إلى التوجُّه إلى مخدع الملكة، ولم يتسع للوليدة أن تنذر العاشقين أو تنبِّههما من نشوة اللقاء.. وكتب بذلك مصير المنخَّل المشؤوم، بل نهايته المأساوية:

قيل إن الملك دفع باليشكري إلى صاحب سجنه «عكب» ليعذبه، وكان عكب من لخم، فعذَّبه حتى قتله. ولم يفد المنخَّل في شيء استنجاده بقومه بهذه الأبيات قبل أن تأتي نهايته، وكان قد بعث بها إلى ابنيه:

ألا من مبلـغُ الـحُـرِّيـنِ عـنـي ... بـأنَّ الـقـومَ قـد قـتـلـوا أبـيـا

وإنْ لـم تـثـأروا لـي مـن عـكَبٍّ ... فلا أرويتما أبـدًا صـديـا

يُـطـوَّفُ بـي عـكـبٌ فـي مـعـدٍّ ... ويطعن بالصملة في قفيا

بينما كان المنخَّل في غيابات السجن يتلقى سياط الانتقام ويقضي تحت ضرباتها في العام 600م، كان النابغة قد نجح، أو كاد، في تبديد شكوك النعمان في «اعتذارياته» التي حشد فيها كل قدراته الشعرية إثارةً وإقناعًا.

ولئن كان اليشكري قد استغل اتهام النابغة، ثَمّ هروبه، للانفراد بهوى المتجرَّدة والفوز بها، فإن النابغة بدوره أفاد، على ما نرى، من افتضاح علاقة الشاعر اليشكري بالملكة للدفاع عن نفسه والحفاظ على مصلحة قبيلته، عندما انتزع بصنيعه الفني البارع دليل براءته، وفي الوقت نفسه انتزع جواز عودته إلى بلاط المناذرة، منتصرًا لإبائه وكبريائه، ومثبتًا وفاءه للملك الذي غمره بنواله وهباته حتى بات يأكل في صحاف من الفضة والذهب.

عند هذا المنعطف الحاسم يمكننا أن نرفق القصيدتين المرمى إليهما في سياق هذا الفصل، وهما رائية المنخَّل ودالية النابغة، متبوعتين بقصيدة ثالثة مجهولة النسبة؛ لأن ناظمها ظل غير محدد الهوية، على الرغم من آراء عدد من النقاد وطروحاتهم التي هدفت إلى تحديد قائلها، مع الإشارة إلى أن نحو أربعين شاعرًا تنافسوا في ادعائها وضمها إلى منظوماتهم.

هذه القصيدة الثالثة المشار إليها تعرف بأسماء كثيرة، منها: القصيدة اليتيمة، والتيمية، والدُّرَّة اليتيمة، وفريدة العصر، ويتيمة الدهر، والدعديَّة. ومن الدارسين من نسبها إلى ذي الرُّمَّة أو إلى دوقلة المنبجي، غير أن الأدباء لم يجمعوا على صحة ذلك.

قصيدة المنخَّل اليشكري

تقع قصيدة المنخَّل، كما أوردتها المراجع الأدبية، في نحو اثنين وثلاثين بيتًا، وهي تشتمل على مقطعين أساسيين، وتنطوي على موضوعين متباينين: موقف الشاعر من بيئته وتقاليدها في المروءة والبطولة، وموقفه من ذاته وحياته الوجدانية الخاصة.

القسم الأول من القصيدة

1- يستهل الشاعر بالرد على المرأة العاذلة التي ترمز إلى صوت الجماعة أو ضميرها، وهو الصوت الذي يلوم الشاعر على سيرته الخاصة وما فيها من استهتار بالقيم العامة والسعي إلى لذَّة الشراب ومتعة القلب في دنيا المرأة، على نحو ما تطالعنا به معلقة طرفة بن العبد، الذي تحدَّى تقاليد العشيرة حين أسرف في شرب الخمر والسعي إلى لذَّات الحياة، إذ قال:

وَمَا زَالَ تَشْرَابِي الخُمُورَ وَلَذَّتِي ... وَبَيْعِي وَإِنْفَاقِي طَرِيفِي وَمُتْلَدِي

إِلَى أَنْ تَحَامَتْنِي العَشِيرَةُ كُلهَا ... وَأُفْرِدْتُ إِفْرَادَ البَعِيرِ المُعَبَّدِ

وبعد أن يزجر الشاعر عاذلته، يطلب منها الرحيل والذهاب بعيدًا إلى العراق وعدم العودة. وفي رأي أبي العلاء المعرِّي، أن دعوة الشاعر هذه تنطوي على مديح ضمني موجَّه إلى ملك الحيرة النعمان بن المنذر، الذي كان حليف قومه، كما كانوا أنصارًا له في وجه ملك الفرس كسرى عندما غدر به.

2- لكنَّ الشاعر الذي نسبته المرأة العاذلة إلى التهاون بالشأن القبلي والازدراء بتقاليده لا يلبث، بعد رفض هذا الاتهام وردع صاحبته، أن ينبري لتأكيد قيمه العليا مفتخرًا بكرمه وشجاعته واستعداده لبذل ماله وحياته دفاعًا عن انتمائه القومي، مستمدًا من موقعة «ذي قار» أمجاد البطولة ومواقف العزَّة والغلبة.

3- ويردف المنخَّل بستة أبيات يمدح بها أبا علقمة بن صبر، تبعًا لرواية الأصفهاني وابن منظور، وهي أبيات أغفلتها الروايات الأخرى. وقيل إن علقمة الذي عناه بهذا الثناء قد يكون أبا يعفر بن علقمة بن مالك، من ملوك الحيرة اللخميين، وقد أراد الشاعر، على ما يبدو، الاعتراف بأياديه والإشادة بجوده وسماحته.

4- وينتهي اليشكري من هذا التمهيد الذي استغرق الأبيات العشرة الأولى من شاعريته المجسدة لمثله القومية إلى تمجيد فرسان بني يشكر، وهم صفوة أبطال ربيعة، فيصفهم مستلئمين بدروعهم، مدججين بسلاحهم فوق صهوات خيل ضامرة نجيبة، مشيدًا بقوتهم واندفاعهم كالصقور على أعدائهم، وكيف سبوا نساءهم الرافلات بالمسك ليرغموا أولئك الأعداء على دفع فديتهن، مؤكدًا في هذا الوصف شخصية الفارس المغوار الذي يقود كتائب قومه إلى معارك الشرف دفاعًا عن الذات في سبيل البقاء الأمثل، بقاء القوي الذي لا يذل ولا يضعف.

القسم الثاني من القصيدة

أما القسم الثاني الذي يعنينا الآن أكثر من القسم الأول، فهو يمثل انتقالًا من الشأن العام إلى الشأن الخاص، إلى حياة الشاعر الخاصة التي يعدها حقًا من حقوقه الذاتية، ويراها ثمنًا يُكافأ به الأبطال الفرسان، ويمثل نوعًا من التكافؤ بين التفاني في سبيل الجماعة، والحرص على الذات والدفاع عن الفردية واستقلال الشخصية، على نحو ما ذهب إليه طرفة، الذي سبق المنخَّل في هذا المضمار؛ فقد أكد إسهامه في الخدمة العامة ورفضه التنازل عن ذاتيته، فقال:

فـإن تـبـغـني في حـلـقـة الـقـوم تـلـقـني ... وإن تـقْـتَـنِـصْـني فـي الـحـوانـيـتِ تـصْـطَـدِ

هكذا ينبري المنخَّل إلى الحديث عن الضرب الثاني من بطولته، وهو السعي إلى المرأة في خدرها في جو رومانسي يضفي على مغامرته هذه طابعًا من الإثارة؛ فيحلو للعاشق الاختلاء بالمحبوبة في اليوم المطير. وفي هذا السياق نجد، وللمرة الثانية، التماثل بين اليشكري والبكري، الذي جعل مثل هذا اللقاء إحدى لذَّاته، بالإضافة إلى الخمرة والنجدة، فقال:

وتقصير يوم الدَّجْنِ والدَّجْنُ معجِبٌ ... ببهكنةٍ تحتَ الخباءِ المعمَّدِ

ويحرص المنخَّل، حين يجاري طرفة في صورته، فيقول:

ولقد دخلتُ على الفتاة ... الخِدْرَ في اليوم المطيرِ

أن يؤكد جملة من الأمور، في طليعتها دلالته على المرأة التي، لفرط هوسها بحبِّه، تعرِّض نفسها لأهوال الافتضاح، وتسمح لمن أحبت أن يأتيها إلى جناحها الخاص، إلى خدرها، وهو أشبه بعرين الأسد الذي لا يجرؤ أحد على اقتحامه. ولولا حبُّها إياه واستعدادها لافتدائه، لما احتملت عبء هذه المجازفة.

أما الأمر الثاني الذي يبينه «دخول الخدر»، فهو الرمز المعنوي الذي يحدِّد منزلته في قومه، وما لهم من هيبة بين قبائل ربيعة. وكيف لا يكون الواقع كذلك، وقد انتصرت عشيرته وأحلافها على كسرى بالذات في «ذي قار»؟ ولئن سأل سائل: وكيف لم تبادر عشيرته للدفاع عنه حين سجن وعُذِّب قبل أن يهلك؟ كان الجواب أن ذلك هو اتفاق العرف القبلي على استهجان الخيانة ورفضها، وهذا لا يتعارض إطلاقًا مع هيبة القوم وعزَّتهم، بل يؤكد مُثُلَهم في الشهامة والوفاء.

وهند، التي ليست إلا المتجرَّدة، لم تكن شأنًا في الجمال وحسب، بل شأنًا كذلك في موقعها الاجتماعي؛ يكفي أنها الملكة التي كانت تحكم قلب النعمان، وسلطانها أعظم من التاج الذي يزهو به مفرقه. فهي خود حسناء صارخة الفتنة، نهد صدرها فباتت كاعبًا فتية الصبا، منعمة في دلِّها، تميل متبخترة بأثواب الدمقس والحرير فوق رداء الشباب المثير.

أما الفارس العاشق، فقد كان في حمأة الرغبة مدفوعًا إليها، وإذا هي كمثله ولهًا تستجيب له، فتتدافع، وهو في هذا الدفع يعطفها إلى ذات صدره، فتطاوع وتنعطف، كأنها تود أن تطير إلى أحضانه أو ذراعيه كالقطاة العطشى في وسط القفر المحرق، إذا رأت غديرًا سارعت إلى الارتماء في لجَّته لتبرد وتخمد نار حشاها.

ويمعن الشاعر في وصف هذا اللقاء المحموم، وقد راح يلثم مقبلها، فتبعث ملامس شفتيه على ثغرها تنهدات مستمتع يفرغ، مع استمتاعه، طاقة الألم الدفين، ألم الجوى المكبوت، فتبدو، وهي ترسل هاتيك الأنات العميقة، كغزال جريح مبهور الأنفاس، أو كظبي صغير عقرت ساقه في تجربة عدوه الأولى.

ويتابع المنخَّل وصفه، وقد هزَّ كلٌّ منهما كيان الآخر، حين دنت منه وسألته عما بجسمه من الحمَّى والحرور أو الإعياء والفتور، فيؤكد لها ويطمئنها بأن حبَّها وحده هو الذي أسقمه وشفَّ جسمه وأضناه، ويسألها عطاء الحب لقلبه المتيم الأسير، المعنى بهواها.

وبعد أن يصف إقباله على الشراب وكرمه في تحصيل نشوة المدام، وإنفاقه من أجل ذلك الذهب والفضة وذكور الخيل وإناثها، وكيف أنه إذا انتشى بدا له أنه سيد ذينك القصرين العظيمين: الخورنق والسدير، في حين إنه عندما يصحو ويعود إلى وعيه وواقعه لا يعدو أن يكون مجرد بدوي مالكٍ للشياه والإبل، بعد ذلك كله يعلن في ختام أبياته امتداد الحب الجامع بينه وبين أميرته ليكون حبًّا بين ناقتها وبعيره.

في غزل المنخَّل اليشكري ملامح من فلسفة طرفة بن العبد وخواطره في الحياة، وفيه كذلك سمات بيِّنة من شخصية امرئ القيس الأمير في حبِّه، والمغامر في هواه ودخوله خدور المحبوبات من النساء. لكنَّ المنخَّل يمتاز بعد ذلك بشفافية هذا الغزل ورقة لفظه وعذوبة تراكيبه وموسيقاها الإيقاعية، التي تتكافأ مع مضامين شعره وتلائم أجواء العاشقين النفسيَّة. 

تبقى قصة المنخل اليشكري والمتجردة شاهدًا حيًّا على قوة الكلمة وسطوة العاطفة في مواجهة سلطة الملوك. إن المأساة التي انتهت بسجن الشاعر ومقتله لم تطمس إرثه الأدبي، بل جعلت من قصيدته الرائية أيقونة للشعر الوجداني المتمرد.
 لقد جسَّد المنخل في حياته وشعره صراعًا أزليًّا بين الواجب القومي وحرية الفرد في اختيار مصيره، لتبقى أبياته تردد صدى فروسيته وعشقه عبر الأجيال، مؤكدة أن التاريخ يخلد دائمًا من خاضوا معاركهم بشجاعة، سواء في ساحات الوغى أو في ميادين الحب.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة