أخبرني أبي كثيرًا عن ذلك الكتاب الذي اعتاد قراءته لي قبيل نومي حينما كنت صغيرة.. لا أعرف على وجه التحديد ما سر تمسكه به.. بل لماذا يكررها على مسامعي بأنني بالنسبة له كالملكة والملكة لا يليق بها البكاء..
ظللتُ أستمتعُ بتلك القصة طوال العشر الأوائل من حياتي وهرعت إليه ذات مرة وقت مجيئه من العمل، لكن لسبب ما تعثرت قدمي بالأريكة الكبيرة، وبكيت بدلاً من ضحكاتي المتعالية وأنا أهتف بسعادة غامرة "لقد عاد أبي.. لقد عاد حبي.. لقد عاد رفيقي".. حينها فقط التقطتني يداه وهو يخبرني بها مجدداً..
أنا شغف أديب، وعمري الآن تجاوز الثلاثين، وأحدثكم من غرفة أبي في مستشفى القلب..
أديب: الملكة لا يليق بها البكاء.
شغف: ولكن.. هي دموع لا تكذب يا أبي.. لقد آلمتني كثيرًا تلك الأريكة.
أديب: وما أدراكِ بأن الأريكة هي السبب.. ألا يحتمل أنه تسرع خطاكِ؟
شغف: بل لهفتي واشتياقي.
أديب: فلتعلمي أن المشاعر تعصب أعيننا عن الحقيقة.. وأنا لا أريدك معصوبة العينين.
شغف: أأتخلى عن مشاعري يا أبي؟
أديب: بل تمسكي بها بين تلابيب عقلك يا ملكتي الصغيرة.. هيَّا بنا لنبحث عن الملكة الكبيرة.
وجاء غسان الطبيب بعد ما غاب ساعة على الأكثر كان يشرف فيها على مرضاه في الحجرات المجاورة ..
غسان: تستطيعين العودة للبيت.. فأنت بحاجة للراحة.
شغف: لن أترك أبي وحيدًا هنا.
غسان: يمكنك العودة في الصباح.. حينها سيكون قادرًا على التحدُّث معك.. ولكن كما أخبرتك من قبل.. القليل من الجهد بالنسبة له كمجهود عام بالنسبة للمصارع.. فاحذري..
شغف: حسنًا، لكنني لن أرحل.. أرجوك يا غسان.. تعلم جيدًا ماذا أحتاج فنحن أصدقاء منذ أمد بعيد..
غسان: وتعلمين كذلك أن إصابة أباك بجلطة في الشريان السباتي أمرًا ليس هيناً.. سأذهب الآن.. فهم يحتاجون إليّ في الطوارئ..
وذهبت تلك الفترة العصيبة لحال سبيلها.. وعاود غسان أبي في بيتنا.. وتوقفت أنا عن تنفيذ نصيحة أبي المعتادة.. لكنني أتظاهر بها أمامه.. فما أقسى من إحساس الحياة على شفير الخوف من الفقدان.. ما أصعب من الشعور بترقب الرحيل.. وما أهون من تصنع الأمل في البقاء.. بل ما أظلم من تلك الحياة التي توهمنا بدوام الحال ولكنه دائمًا محال..
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.