وذهبت أحضر لغسان فنجانًا من القهوة.. وحينما أوشكت على الانتهاء منه شردت في سنوات صباي.. لا أدري على وجه التحديد كيف عدت له محملة بالقهوة في يدي وبالدموع في مقلتيّ.. وسمعتها منه مجددًا..
غسان: الملكة لا يليق بها البكاء.
شغف: أنا لا أبكي.
غسان: ولا ينبغي عليها الحزن كذلك.
شغف: وماذا أفعل في رأيك؟
غسان: فلنحاول معًا تخطي الحزن يا صديقتي.
شغف: سيرحل أبي.. أليس كذلك؟
غسان: هو أمر حتمي لكل إنسان.. ولا يعلم وقتها إلا الله عز وجل.. فعليكِ بالصبر يا منيتي..
شغف: ولكنني أشعر بذلك.. يعتريني ذلك الإحساس منذ مدة.. كما كان يعصف بي قبيل رحيل أمي..
غسان: أوتذكرين ذلك منذ سن العاشرة.
شغف: بلى.. فلقد حطمني تمامًا ذلك الإحساس.. حاولت تجنبه، اهماله، نسيانه وتجاهله.. لكنه كان يداهمني بقسوة وكأنها حافلة فقدت كباحها..
غسان: ألم تجتازي تلك الفترة كما أخبرتني من قبل؟
شغف: لا.. لقد كذبت.. لم أجتز أي شيء.. بل خبأته في ركن داكن في قلبي.. يشعرني بالغصة ما بين الحين والآخر.. يتحكم في أفعالي، في أفكاري، في مشاعري وفي انفعالاتي كلها على حين غرة.. وأركض بعيدًا عن البشر.. أظل وحيدة لفترة لا أعرفها أبدًا.. ولا انتهي من كل ذلك إلا بتصنع مشاعر التأقلم على الحياة دونها.
غسان: ولكن.. الحياة مليئة بالبشر.
شغف: بلى.. لكنهم يفتقدون الإحساس بي.. لا أقارنهم أبدًا بأمي وأبي.. لكنهم يجدوني في أحسن حال حينما يسمعون ضحكاتي.. ولا يعلمون أبدًا ما أطويه بين جنباتي.
غسان: ما أصعبها تلك الحياة!
شغف: بل ما أصعبها تلك الأقنعة! لأنه يوجد قناع لأهلك لتتودد إليهم رغم اختلاف التفكير والميول.. يوجد قناع لعملك حتى تؤديه على أكمل وجه بل حتى تبدع فيه لتضمن استمرارك على القمة..
يوجد قناع لأصدقائك لتخبرهم بما يريدون الاستماع إليه..
يوجد قناع لجيرانك لترحب بهم على الدوام حتى لو تسببوا لك بالأذى..
يوجد قناع للطريق حينما تسير وتبحث عن شخص ما تعلم جيدا أنك لن تراه..
يوجد قناع للأطفال لتغوص معهم في عالم بريء تمامًا من الرياء..
يوجد قناع لمن يحتاجك ليعلم بأنك قوى على الدوام..
يوجد قناع لمن ينتظر ذلتك لتخبر نفسك بالحذر والانتباه..
يوجد قناع لمن لا يفهمك أبدًا لتعلم أنك دائمًا وأبدًا ستظل وحدك..
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.