قصة الملاك الصامت الجزء 16

وصل نوار والجدة في صبيحة اليوم التالي، لم يكن نوار من النوع الذي يترك شيئًا للصدف، بدا جذابًا ومتأنقًا بينما كادت رائحة عطره تخنقني، سحرت ليا به، ولكزتني هامسةً: هل كان نوار وسيمًا هكذا؟

ملتُ نحوها وأجبتُ: ألا تعرفين لأجل من هو متأنق؟ بالتأكيد ليس ليثير إعجابكِ، لقد حسب أنه قد يلتقي بلورا لذا جاء بكل هذه الأناقة .

أجابت ليا ضاحكة: ويقول إنه نسيها ولا يحبها..

نهضت قمر وسألت بصوت ناعس: ما لكما؟  ألا تستطيعان أن تكونا أكثر هدوءًا؟ ما الحديث الهام الذي لا يؤجل؟ 

ردت ليا: نوار..

سألت قمر متثائبة: ما به؟ 

قلتُ: إنه هنا، لقد حضر.

نهضت قمر بسرعة وصاحت فزعة: ماذا؟  متى حضر؟ 

قلتُ: إنه هنا منذ الصباح، لم يرد إيقاظكِ، لكن علينا الاستعداد للذهاب لمركز الفرقة .

ارتدت قمر ملابسها على عجل، وخرجت لترحب بجدتها وأخيها، ضم نوار أخته وسألها: كيف تشعرين؟ هل أنتِ بخير؟ آمل أنكِ لا تزالين على وعدكِ لي.

أومأت قمر موافقة، مسح شعرها وقبل جبينها بلطف، بدت لنا شخصية نوار غريبة تمامًا عن ما تحكيه قمر، كان حريصًا وحنونًا للغاية على قمر، خرجنا فقد كان علينا المغادرة في العاشرة لنصل بوقت التدريب، أراد نوار القدوم معنا ليرى لورا، لكن قمر قالت: ممتاز، لقد كلمتني لورا وألغت موعدنا لهذا اليوم، سنقصد أولًا مدينة الملاهي ثم المركز التجاري، كم أنتَ رائع يا أخي.. ستحمل لنا كل ما نريد شراءه، لكن هل معكَ ما يكفي من المال؟ فقد انتهى كل ما معي.

كان نوار يعرف تمامًا ما معنى الذهاب لمركز تجاري برفقة ثلاث فتيات، فهذا سيستهلك يومه بالكامل، والملاهي كانت دائمًا ما تشعره بالملل، وهو بالأساس يريد رؤية لورا، لذا فتح محفظته وقدَّم المال لقمر، وهو يردّ متهربًا: بصراحة أنا متعب من الرحلة، حظًا جيدًا بالتسوق، قد أرافقكن بالغد، صمت لحظات وأردف: قمر، أرجوكِ لا ترهقي نفسكِ.

أومأت قمر: أعرف لا تقلق، لن أفعل ما قد يؤذيني.

شعرتُ أن كلامهما غريب، ما الذي قد يؤذي قمر؟ خرجنا وسألتُ قمر: أتعرفين، نوار لا يبدو كما كنت تتحدثين عنه؟ بدا كشخص مهتم ويحبكِ، وحتى أنه لم يذكر شيئًا بخصوص لؤي.

زفرت قمر متململة: إنه يخادع، يحاول أن يظهر نفسه أخًا مهتمًا، وألا يفتعل المشكلات معي، وذلك لطلب لؤي منه ألا يزعجني وأن يهتم بي.. 

وصلنا مقر الفرقة وابدأ التدريب، وبدأت معه انتقادات روبياس وإهاناته، كانت قمر تنظر إليه أحيانًا نظرات غريبة، كأنها تراه للمرة الأولى، وهو لم يكن يوفر حصة قمر من الإهانات، نظرًا لأن أخطاءها تزداد بطريقة كبيرة، فكلما غنَّت أكثر زادت الأخطاء بدل أن تنقص.

فجأة توقف روبياس عن الكلام، وحدق بقمر للحظات كما لو كان يعاتبها عن شيء فعلته، زفر بهدوء مخاطبًا الجميع: حسنًا، هذا كل شيء لليوم، يمكنكم العودة غدًا.

قالت لورا: إنه وقت الغداء يا أصدقاء لنذهب معًا ونأكل، أمسك روبياس بيد قمر وقال بجدية: لا، هي ستبقى معي، نظر لقمر بحدة: عليكِ التدرب على أغنيتكِ الخاصة معي.

صاحت لورا: أرجوكَ روبياس، دعنا نذهب، فنحن نريد قضاء الوقت معًا.

نظر إليها بحزم وهدر بصوت مرعب: اذهبي الآن يا لورا، قبل أن أفقد أعصابي.

أشارت قمر لهن أن يذهبن وستلحق بهن بعد نهاية تدريبها، فخرجن ومضى بعض الوقت وروبياس صامت لا يتكلم أو يفعل أي شيء، فقط ينظر إلى قمر، فســــألته: مــا الأمر؟ قلت إنكَ تريد التدرب معي، لكنكَ لا تفعل شيئًا.

زفر روبياس: هذا جزء من التدريب، وقمت بما يخصني وجاء دوركِ، هاتِ ما لديكِ فأنا أنتظر.

سألت قمر بغير فهم: لم أفهم ما تقصد.

حك روبياس جبينه ونظر إلى قمر وسألها: تغنين الملاكَ صامت كأنكِ ملاك صامت حقيقي، فبصدق من فضلكِ ما الحكاية؟

ضحكت قمر بمرح، وسألت مرتبكة: ماذا تعني؟ أحاول أداء الأغنية كما تتطلب كلماتها فأين الخطأ؟ 

ركز روبياس عينيه على قمر، وسأل: Moon، أرجوكِ دون مواربة ما سركِ؟ أشعر أني أشترك بجريمة دون أن أدري ما هي؟ على الأقل أخبريني ما دوري فيها؟ فلا أحب لعب دور الأحمق.

ردت قمر بهدوء: لا سر لدي.

صاح روبياس غاضبًا: كاذبة، أنا أغني وأعرف أنكِ تخفين سرًا كبيرًا، مذ سمعتكِ الحفلة الماضية وأنا أتساءل ما خطبكِ؟ وكلما سمعت صوتكِ أشعر بالذنب، يوجد ما يفوتني وهو ليس بالشيء الجيد، أستشعر شيئًا ليس صحيحًا يحدث، وأكره جهلي لهذا السر، تقربت منكِ بالأمس علكِ تثقين بي قليلًا وتبوحين بما لديكِ كما فعلتُ، لكنكِ أثرتِ إخفاء سركِ والمراوغة، يمكنكِ خداع الجميع إلا أنا يا آنسة، قولي ما لديكِ وإلا طردتكِ مع صديقاتكِ من الفرقة ولا أكترث لموهبتهن الفريدة.

أمسكتَ قمر بيدي روبياس، وصاحتَ باكية: لا أرجوكَ، لا ذنب لهن، هن لا يعرفن أي شيء، لم يشتركن معي بإخفاء أي شيء عنكَ.

زفر روبياس: حسنًا، قولي ما بكِ؟ 

نبست قمر بضعف وصوت متقطع: أنا.. أنا أفقد صوتي لأني مصابة بسرطان الحنجرة.

أغمض روبياس عينيه بيأس وألم، وزفر: Moon، أعتذر لكن لم يعد لكِ مكان فـــي فرقتـــــي، عودي لبلدك وأنقذي حياتكِ.

استدار روبياس ليغادر لكن قمر تمسكت به، وصاحت تتوسل باكية: أرجوكَ فقط مرة، اسمح لي بالغناء مرة أخيرة، مرة واحدة فقط أعدكَ، لا أستطيع الاستمرار دون أن أغني، سأموت بالفعل ما لم أغنِ.

رد روبياس بحزم: آسف، لا أستطيع أن أكون شريككِ بهذه الجريمة، أتدركين أنها جريمة أم لا؟ مجرد معرفتي بوضعكِ وسماحي لكِ بالغناء، يجعلني قاتلًا أتفهمين؟ أرجوكِ ارحلي Moon.

صاحت قمر متحدية: إن لم تسمح لي بالغناء، سأخبر الصحافة عنكَ فيليب.

زفر روبياس متململًا: حسنًا لنذهب.

سألت قمر: أين؟ 

رد روبياس: سأسمح لكِ بالغناء بحالة واحدة فقط، أريد سماع أن هذا لن يؤذيكِ من طبيب مختص.

ارتسمت بسمة جميلة على وجه قمر، فهي تدرك أن حالتها ما زالت ببدايتها، ولن تتأذى ما دامت لا ترهق نفسها.

اصطحب روبياس قمر للمستشفى وأجرى لها بعض الفحوصات، وتبين أنها لا تزال بالمراحل الأولية، وأن الغناء لن يضرها، فأدرك روبياس سبب عدم تقيد قمر بملاحظاته فهي تبذل جهدها فقط في الحفلات كيلا تتعب، لكن الطبيب أوضح أن المسكنات التي تتناولها لم تعد تجدي نفعًا؛ لأن وضعها تطور على نحو أسرع عن السابق، وطلب منها أن ترتاح أكثر وألا تهمل الأدوية التي وصفها، فقد يتأزم الوضع إن لم تلتزم بتعليماته.

كان روبياس يفكر: لا، لا أستطيع تركها تغني، لا يمكنني جعلها تعاني، سأكون قاتلًا إن فعلتها، زفر بهدوء: Moon، لقد غنيت وكان صوتكِ رائعًا، وأتمنى لو أنكِ تغنين معي الحفلة المقبلة، وأنا حقًا لن أجد صوتًا كصوتكِ مهما بحثت، لكن حياتكِ أهم من هذا، لذا عليكِ التوقف عند هذا الحد.

صاحت قمر غاضبة: لا، وعدتني أنكَ ستسمح لي بالغناء إن قال لكَ الطبيب أني أستطيع.

رد روبياس: صحيح، لكن حالتكِ تزداد سوءًا كلما تدربتِ، أنتِ بالفعل لا تبذلين جهدكِ بالتمرين لكنكِ تبذلين بعضًا منه، ويومًا بعد يوم تكونين أرهقتِ نفسكِ، وقد تصلين لمرحلة لا يتمكن فيها أحد من إنقاذكِ.

سألت قمر: إذن سأؤدي الأغنية على نحو جيد مرة واحدة، وهكذا أتوقف وأرتاح لبقية الأيام، وهكذا لا أوذي نفسي.

أشاح روبياس نظره عن قمر وزفر: كم أنتِ عنيدة! وفجأة لمعت برأسه فكرة ولمَ لا، وقال: اسمعي كل يوم تذهبين لهذا العنوان، إنه استديو صغير كنت أتمرن به في بداياتي، تبقين هناك حتى آتي.

سألت قمر: هل ستمرنني به؟ 

هز روبياس رأسه نافيًا: لا، ستجلسين وترتاحين حتى الحفلة ثم نعود إلى المركز الرئيسي معًا، لن تغني حتى ليلة الحفلة.

تنهدت قمر: حسنًا موفقة، لكن لدي طلب واحد إضافي.

نظر إليها روبياس، وسأل متململًا: وما هو؟ لن أسمح لكِ بالغناء سوى مرة واحدة ومعي كيلا ترهقي نفسكِ..

ابتسمت قمر بلطف، وأردفت: لا، ليس هذا لكن أخي في لندن..

حدق روبياس بقمر وسأل بعدم فهم: وما شأني أنا؟ إن كان في لندن أم في يورك شاير.

ضحكت قمر بخفة: هو يريد الانضمام إلى فرقتكَ؛ لأنه يريد تطوير نفسه، كما أنه يحب لورا ويريد أن يكون معها، لكن هلَّا أبعدته بعض الوقت عن الفرقة؟ فأنا لم أخبر عائلتي أنني أغني، حدق روبياس بقمر وكأنه يطالبها بالحقيقة، فردت: في الواقع وعدتهم ألا أغني، وأني عندما أعود سأبدأ بالعلاج.

وضع روبياس يده على عينيه ثم نظر بسخط قمر وقال: أتدركين أنكِ تطلبين الكثير؟ ماذا لو وجدت صوته جيدًا، ويستحق أن يكون في فرقتي.

ردت قمر بمكر: أرجووووووك... فيليب، فقط لبعد الحفلة المقبلة بعدها اطلبه لفرقتكَ.

هز روبياس رأسه غير راض وتنهد: الفتيات، لا يؤتمن على سر، حسنًا إن أتى لن أقبله بالفرقة، نظر إليها وأردف: لكن Moon عديني ألا تخبري أحدًا به.

قمر: أنا أحفظ السر روبياس، لا تقلق لكن هلا قلت لمَ اخترت هذا الاسم؟

روبياس: فيليب هو اسمي الحقيقي، أما روبياس فقد اختاره لي عمي، وهو من علَّمني الغناء وعزف الجيتار، قال لي إن لون شعري الأحمر يذكره بالياقوت؛ لذا اعتمدت هذا الاسم من بداية مسيرتي الفنية .

تذكَّرت قمر القلادتين اللتين ابتاعتهما، فأخرجت واحدة ونظرت إليها كيلا تمنحه القلادة المكسورة بالخطأ، وما إن تأكدت منها حتى وضعتها حول عنق روبياس وقالت ببسمة جميلة: هذه هدية لكَ، إنها من الياقوت الأحمر.

نظر روبياس للقلادة معجبًا بها، وقال: رائعة، أتصدقين؟ كنتُ أبحث عن شيء مشابه، سأرتديها دائمًا.

ردت قمر: تليق بكَ، والآن عليَّ العودة.

سأل روبياس: أتحبين أن أوصلكِ؟

أومأت قمر نافية: سيكتشف أخي أني كذبتُ منذ الصباح، سأتصل بالفتيات ونعود معًا، أريد منكَ أن تخبر الجميع في الفرقة ألا يخبروه أنني أغني، أنا فقط أحضر لأستمع لتدريبكم وأكون مع صديقاتي.

رد روبياس: حسنًا، لا تقلقي لن يعرف أي شيء.

- اقرأ أيضاً قصة الملاك الصامت الجزء الأول

- اقرأ أيضاً قصة "الملاك الصامت" ج18.. قصص قصيرة

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

مقالات ذات صلة
نبذة عن الكاتب