قصة الملاك الصامت الجزء 15

خرجنا لنلتقي بلورا، فقد اتفقنا أن نلتقي لنسترجع أيام الماضي قبل أن نُشغل مجددًا بالتدريب. كنا نرى الإرهاق والتعب باديًا على وجه قمر، لكن كلما حاولنا فهم المشكلة كانت تتهرب قمر من كل السؤال ببراعة، وتبدع بإيجاد ما يشغلنا عنها. 

بدأنا نتنزه في الحدائق ونلتقط الصور، ثم اشترت ليا التذاكر لحضور السينما، لكن لم تعتقد واحدة منا أن الفلم سيكون مملًا لهذي الدرجة، سألتَ لورا: ألم تقولي إن الفيلم خيال علمي؟ 

ردت ليا: أجل، لكن لم أعتقده هكذا . 

زفرتُ بهدوء: فلنبقى قليلًا؛ فأنا متعبة من التجوال، كما أنه ما زال ببدايته فلننتظر . 

التفتُ لأجد قمر تهمسُ لي: تيا، أنا متعبة سأعود إلى الفندق. 

قلتُ معاتبة: لكن لم تنتهِ جولتنا بعد، ستحزن لورا منكِ . 

ابتسمت قمر: لكني مرهقة حقًا، فأنا لم أنم جيدًا بالأمس، سنخرج لاحقًا أعدكن بذلك، لورا آسفة. 

تنهدت لورا بسأم: أنتِ مفسدة للمناسبات، ما العمل إن كنتِ متعبة؟ اذهبي لكن علينا هذا اللقاء مرة أخرى . 

ردت قمر مبتسمة: بالتأكيد، إلى اللقاء . 

غادرت قمر وبقينا في السينما، ولم ندرك أن قمر ما كانت تنوي العودة إلى الفندق مباشرة، حتى إنها لم تكن تريد حضور أي فيلم أو ممارسة أي نشاط معنا، كانت تشعر بالاختناق من وجودنا بقربها، فقد ضاق الحصار عليها، مرضها الذي لم يعد يستكين بالمسكنات الموصوفة لها، كذبها على عائلتها، وأيضًا سرها الذي يكاد يمسي مفضوحًا أمامنا، كانت تجد بشخصية القمر البنفسجي ملاذًا وحيزًا من الحرية، فهي تنعتق من شخصية قمر المريضة لتغدو قمرًا بنفسجيًّا يحيا بحرية دون أن يعكر المرض صفوها . 

كانت تريد البقاء قمرًا بنفسجيًا، لا تبتغي العودة لقمر، فجلست في حديقة تفكر بحيلة تبقيها القمر البنفسجي مدة أطول، ولم تشعر إلا بيد تربت على كتفها برفق، التفت فرأت شابًا يبتسم لها بلطف، لم تعرفه وسألته: عذرًا، من تكون؟ 

قفز جالسًا بجوارها ضاحكًا بخفة: أحقًا لم تعرفيني؟ 

صاحت متفاجئة: روبياس، أهذا أنت؟ 

وضع إصبعه أمام فمه، ونظر حوله بريبة: شهه، لا تقولي هذا الاسم، وسأل: إذن ما تفعلين وحدكِ؟ ظننتكِ مع صديقاتكِ . 

ردت قمر بملل: إنهن في السينما، ولا رغبة لي بأي شيء مشترك، أنا أختنق من وجودي مع الناس. 

وضع يديه خلف رأسه وسأل بهدوء: هل أضايقكِ إن بقيتُ معكِ؟ فأنا أيضًا وحيد كما ترين .. 

هزَّت رأسها نافية: يمكنكَ البقاء لا مانع لدي، لكن لمَ أنت وحيد؟ يمكنكَ أن تكون مع عائلتكَ أو مع بيتر وكلاوس.. 

زفر روبياس: الواقع لا أستطيع، عليَّ دائمًا المحافظة على مسافة بيني وبين الناس، خاصة الذين في فرقتي، قد تعتقدين أني صارم ومزعج وربما حقير كوني أتمادى مع الجميع بالكلام، لكن لولا هذي الصرامة لانخفض مستوى الفرقة؛ فهم سيرونني صديقًا، وليس مدربًا يحسبون حساب غضبه إن أخطأوا، هذا تقريبًا مزعج بالنسبة لي، فعليَّ أن أكون المدرب القاسي الفظ مع أعضاء فرقتي، والمغني اللبق واللطيف مع المعجبين .

سألت قمر: لمَ لا تجرب اللطف؟ فهو يصنع المعجزات، ويفتح كل الأبواب فعندما تتعامل مع أصدقائكَ باحترام سيردون ذلك بطريقة أفضل .

ردَّ روبياس بتكهم: ربما، لكن أنتِ كيف تتعاملين معهم؟ لقد هربتِ من صحبتهم، وجئتِ لتجلسي وحيدة . 

تنهدت قمر بيأس: هذا لأني أكاد أختنق من ضغط الناس حولي . 

فكر روبياس بعمق: هكذا إذن، تختنقين؟ حسنًا، بحالة كهذه يجرى عادةً التنفس الاصطناعي لحل مشكلة من هذا النوع . 

احمرَّ وجه قمر، وصاحت فزعة: ما؟ ما الذي تقصده بهذا؟

ضحك روبياس ساخرًا، ونظر بمكر: لا تفكري بقذارة يا Moon، فما أقصده ليس بالتأكيد ما تفكرين به، قولي ما أكثر شيء تحبينه ويشعركِ بالحرية؟ 

فكرت قمر، وتنهدت بطريقة حالمة: الغناء . 

هزَّ روبياس رأسه نافيًا: لا، ليس اليوم، إنها استراحة الفرقة، وأنا بالتأكيد لن أغني الآن، أتعرفين لو عرف من حولنا من نكون؟ سيتعين علينا إحياء حفلة في الشارع، ودفع مبلغ كبير للشركة الفنية الراعية للفرقة . 

أسندت قمر رأسها وضحكت: لن يعرفكَ أحد، فأنتَ الآن أسمر وشعركَ أسود وعيناك بنيتان، مختلف تمامًا، سيظنون أنكَ مغنٍ ناشئ . 

ابتسم روبياس: لا، لن أغني بهذه الهيئة، فهي حريتي التي لن أفرط بها، نهض روبياس ممسكًا يد قمر وقال: دعينا نذهب لفعل أشياء أخرى . 

سألت قمر: مثل؟ 

شد روبياس يد قمر وصاح: هيا تعالي، ستعرفين عندما نصل . 

وصلا عند بحيرة جميلة كان هنالك عدة أشخاص يطيرون بواسطة حذاء نفاث فوق المياه، سأل صاحب الآلة: هل ستطيران معًا؟ أم كل بمفرده؟ 

رد روبياس: معًا.

التفتَ لقمر وقال: فلنفعلها؟ 

هزَّت قمر رأسها نافية. وأجابت خائفة: لكن أليس هذا خطرًا؟ 

ضحك روبياس وقال: هيا تشجعي، سأطير بكِ فوق الماء، وعندما تكونين بين الهواء والماء ستشعرين بالتحسن، عندما أشعر أني حزين أو مختنق آتي إلى هنا، أعدكِ ستتحسنين . 

حدقت قمر بالماء تتذكر حادثة غرقها عندما أنقذتها لورا وسألت: ألن أغرق؟ أنا لا أجيد السباحة.. 

أمسكَ بيدها وجعلها تنظر إلى عينيه، وقال: بالتأكيد لا، فأنا معكِ، وإن وقعتِ سأنقذكِ، فقُري عَينًا. 

سألت قمر: لكنكَ ستكشف، وتخسر حريتكَ الثمينة .. 

ابتسم روبياس: لا تهتمي لذلك، دعينا نطر معًا، ولتتركي همومكِ وأحزانكِ على الأرض.

ارتدى روبياس خف الطيران بسرعة، وأمسك بيد قمر وجذبها نحوه قائلًا: مستعدة، لكن قمر أصيبت بالذعر، وتعلَّقت برقبة روبياس بقوة ظنًا منها أنهما طارا وابتعدا عن الأرض، فصاح بصوت متقطع: تمهلي.. لا تمسكي بي هكذا.. سأختنق.. دعي رقبتي من فضلكِ، سأمسك أنا بكِ. 

كانت قمر ترتجف خائفةً، وقد أغمضت عينيها وصرخت مرعوبة: لا، لا أستطيع أنا خائفة، سأسقط بالماء، أعدني للأرض.

صاح روبياس: نحن لم نطر بعد، ما زلنا على الأرض، اهدئي فنحن لن نطير ما لم تهدئي.

هدأت قمر قليلًا، وفتحت عينيها تدريجيًّا، وتركت عنق روبياس ببطء، فتنهد: أجل هكذا، دعيني أنا أمسككِ، ثقي بي، تنفسي ببطء وهدوء وأغمضي عينيكِ الآن.

أغمضت قمر عينيها ببطء، فارتفع روبياس قليلًا وتدريجيًّا ابتعد عن الأرض وحلَّق بقمر، ثم قال: الآن Moon افتحي عينيكِ، وتأملي العالم معي.

فتحت قمر عينيها، ونظرت حولها خائفة ثم تمسكت بروبياس بقوة، لكن سرعان ما أدركت أنها لن تسقط فهو يمسكها بإحكام، تأملت ما حولهما مبتسمة بسعادة، وقالت: رائع، أنتَ محق، أشعر أني قادرة على التنفس من جديد، أتدري الغناء هنا سيكون رائعًا؟ لكن لا يمكننا كشف هوياتنا صحيح؟ 

أومأ روبياس موافقًا وزفر: أنتِ محقة، أنا أحب الغناء وأنا أطير، لكنه ثمن باهظ، فهنا أكون حرًا كإنسان عادي، وليس إنسانًا حياته ملك الجميع، ولا أريد خسارة حريتي مرة أخرى، أريد أن أمارس رياضة واحدة قرب الماء، لا تعرفين كم أعشق السباحة، لكن الفتيات والمصورين يلاحقونني كلما خرجت كروبياس.

حدَّقت قمر بعينيه الجميلتين، وقالت: دعنا نعد إذا وقعنا بطريقة ما، سيكتشف أمرنا ولن تبقى حرًّا، هم لا يعرفونني يعرفون Moon Purple، سيؤلفون الكثير من القصص والإشعاعات عنكَ، لذا فلنعد حتى تحتفظ بمساحة الحرية الخاصة المتبقية لكَ، سأذكرُ دائمًا تضحيتكَ هذه من أجلي. 

ابتسم روبياس وسألها: هل زال الاختناق أخيرًا؟ 

أومأت قمر بإيجاب، وردَّت بلطف: أعتقد أن التنفس الاصطناعي قد نجح.

عادا إلى الأرض، وما إن هبطا حتى قال صاحب الآلة: ما كان ينبغي أن تخافي هكذا وحبيبكِ معكِ، فمن الواضح أنه لن يترككِ تسقطين.

احمرَّت وجنتا قمر خجلًا عندما تذكرت كيف كانت تمسكُ روبياس، كما لو كانت خائفة أن تفقده، لاحظ روبياس خجل قمر فصاح غاضبًا: ليست حبيبتي يا هذا، بل صديقتي، هيا فلنغادر.

غادرا المكان وبقيت قمر صامتة يعتريها الخجل، فقال روبياس: Moon دعكِ منه؛ فالفتيات جميعهن يخفن من هذه اللعبة في التجربة الأولى، وأيضًا أنتِ لا تجيدين السباحة، لذا تصرفكِ كان طبيعيًّا.

ابتسمت قمر بود: شكرًا روبياس، كان اليوم رائعًا.

أردف روبياس: اسمعي عندما أكون بهذي الهيئة ناديني فيليب، والآن لنكمل جولتنا.

سألت قمر: حسنًا، فيليب أين سنذهب؟ 

ضحك روبياس وسأل: أولستِ جائعة مثلي؟ 

ردت قمر: بلى، لكن أين تفضل؟ ماكدونالدز، كنتاكي، بيتزا هات.. 

سأل روبياس: ما هذا؟ أتحسبين أني سأقصد مطاعم كهذه؟ أوه لا، لا يوجد مطعم أفخر من SeaSheell بالنسبة لي. 

ابتسمت قمر: حسنًا، سأدعوكَ أنا هذه المرة.

ضحك روبياس بخفة وقال: لا، هذه المرة أنا من يدعوكِ، والمرة المقبلة تدعينني، اتفقنا.. 

وصل روبياس وقمر للمطعم وتناولا السمك المشوي، شعرت قمر وكأنها ألذ وجبة تناولتها.

كان روبياس يراقبها ويفكر: ما بكِ؟ لمَ أنتِ حزينة؟ لمَ قلبكِ مكسور هكذا؟ ما الذي حطم روحكِ بهذي الطريقة الفظيعة؟ ما لكِ يا Moon؟ ما سركِ الكبير يا تُرَى؟ هل أستطيع سؤالكِ دون أن يختفي هذا الفرح الصغير، الذي حاولت جعلكِ تشعرين به؟

سألت قمر مبتسمة بلطف: ما الأمر؟ هل أضعتَ شيئًا ما في وجهي؟ 

ابتسم روبياس: لا، لكنكِ حسناء كما يصفكِ الإعلام والمعجبون.

تنهدت قمر: حسنًا، أشكركَ فيليب على هذه الجولة، كنت حقًا بحاجة إليها، عليَّ العودة الآن قبل أن يصلن للفندق ويقلقن عليَّ.

استدارت قمر لتذهب، فاستوقفها صوت روبياس: Moon عديني أن تبقى شخصيتي هذه سرًا.

نظرت إليه قمر وأومأت متفهمة: حسنًا أعدكَ، لكن عدني بأن تفكر أن اللطف والاحترام يصنعان المعجزات.

- اقرأ أيضاً قصة الملاك الصامت الجزء الأول

- اقرأ أيضاً قصة "الملاك الصامت" ج17.. قصص قصيرة

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

مقالات ذات صلة
نبذة عن الكاتب