قصة الكومودور جيمس بارون.. من حادثة تشيسابيك إلى المبارزة القاتلة

كان جيمس بارون ضابطًا في البحرية الأمريكية، شارك في الحرب شبه الرسمية (Quasi-War) وحروب البربر، وقاد خلالها عدة سفن شهيرة مثل USS Essex وUSS President، كما تولى قيادة الفرقاطة USS Chesapeake عام 1807، وكان متورطًا في حادثة تشيسابيك-ليوبارد، التي انتهت باستسلام سفينته للبريطانيين، مما أدى إلى محاكمته عسكريًا.

بعد تعرضه لانتقادات من بعض الضباط، تحدى ستيفن ديكاتور، الذي كان عضوًا في محكمته، إلى مبارزة بالمسدس، انتهت بمقتل ديكاتور، وقد أوقف بارون عن الخدمة لمدة خمس سنوات بسبب عدم تجهيز السفينة للمعركة، ثم عمل في التجارة بأوروبا أثناء حرب 1812، وأنهى مسيرته المهنية في الخدمة البرية، وأصبح أكبر ضابط في البحرية الأمريكية عام 1839.

أدين جيمس بارون بالإهمال في تجهيز سفينته، ما أدى لإيقافه 5 سنوات وتدمير سمعته، وانتهى نزاعه مع منتقديه بقتل ستيفن ديكاتور في مبارزة.

البدايات المبكرة: من مرافقة الوالد إلى رتبة «نقيب»

ولد جيمس بارون في هامبتون، فرجينيا، وكان ابنًا لقبطان تجاري يدعى جيمس بارون، الذي أصبح كومودورًا للبحرية الصغيرة لولاية فرجينيا أثناء الثورة الأمريكية، وكان الشقيق الأصغر لصموئيل بارون.

ولد جيمس بارون في هامبتون، فرجينيا، وكان ابنًا لقبطان تجاري يدعى جيمس بارون

عمل بارون كمتدرب مع والده لعدة سنوات، ثم انضم إلى البحرية برتبة ملازم وخدم على متن السفينة United States تحت قيادة جون باري. وتمت ترقيته إلى رتبة نقيب عام 1799 بفضل كفاءته وخدمته المتميزة.

المسيرة العسكرية: ملاح فائق في مواجهة حروب البربر

في 9 مارس 1798، حصل على رتبة ملازم في البحرية الأمريكية الجديدة، وأظهر مهارات ملاحية فائقة على متن الفرقاطة United States، ونتيجة لجهوده البارزة وتفوقه، رُقي بعد عامين إلى نقيب وتولى قيادة سفينة Warren خلال الأشهر الأخيرة من الحرب شبه الرسمية مع فرنسا.

في أبريل 1804، تولى قيادة USS Essex أثناء الحرب البربرية الأولى، وسافر إلى البحر المتوسط للانضمام إلى سرب أخيه الكومودور صموئيل بارون، وخدم في حماية السفن التجارية الأمريكية وحاصر ميناء طرابلس حتى مايو 1805، ثم تنازل عن قيادة السرب لصالح الكومودور جون رودجرز بسبب مشاكل صحية.

في 25 يونيو 1805، شارك بارون مع ستيفن ديكاتور وآخرين في محكمة تحقيق على متن USS Constitution في سيراكيوز للتحقيق في حادث غرق USS Philadelphia قرب طرابلس.

وفي 15 أبريل 1806، عُيّن قائدًا لسرب البحر المتوسط، وحصل على رتبة كومودور في 22 أبريل. في العام التالي، تولى قيادة USS Chesapeake، التي كانت راسية في نورفولك، وتم تجهيزها بسرعة بطاقم غير متمرس ومعدات دون المستوى المطلوب

3. النكسة المدوية: تفاصيل حادثة «تشيسابيك - ليوبارد» (1807)

نستعرض في هذه الفقرة تفاصيل المحاكمة العسكرية لعام 1808 التي تعرض لها الكومودور جيمس بارون، وهي واحدة من أكثر المحاكمات إثارة للجدل في تاريخ البحرية الأمريكية، حيث اعتبرها الكثيرون محاولة لإيجاد «كبش فداء» بعد حادثة «تشيسابيك وليوبارد» المهينة.

في يونيو 1807، غادرت السفينة الأمريكية «تشيسابيك» بقيادة بارون متجهة إلى البحر المتوسط، رغم عدم جاهزية طاقمها ومعداتها، وبعد مسافة قصيرة من الساحل، اعترضتها السفينة البريطانية «ليوبارد» مطالبة بتفتيشها بحثًا عن فارين من الخدمة. بالطبع رفض بارون الطلب المهين، فما كان من السفينة البريطانية إلا أن أطلقت نيرانها بكثافة، مما أسفر عن سقوط قتلى وجرحى، من بينهم بارون نفسه.

في يونيو 1807، غادرت السفينة الأمريكية «تشيسابيك» بقيادة بارون متجهة إلى البحر المتوسط

ونظرًا لعدم قدرته على المقاومة بسفينة غير مستعدة، اضطر بارون للاستلام، وهو ما أثار موجة غضب عارمة في الولايات المتحدة وطالب كثيرون حينها بإعلان الحرب.

المحاكمة العسكرية (1808): البحث عن «كبش فداء» للأزمة

انعقدت المحكمة العسكرية في يناير 1808 على متن السفينة نفسها، وضمت نخبة من كبار الضباط الذين كانت علاقة بارون ببعضهم متوترة، وعلى رأسهم جون رودجرز وستيفن ديكاتور. ووجهت لبارون 4 تهم رئيسة تشمل:

  1. الإهمال في أداء الواجب.
  2. عدم تجهيز السفينة للقتال.
  3. الفشل في تشجيع رجاله.
  4. عدم بذل قصارى جهده لتدمير السفينة المعتدية.

سير المحاكمة والدفاع

خلال المحاكمة، برزت تناقضات مثيرة؛ حيث كان الشاهد الرئيس ضد بارون هو الضابط تشارلز جوردان، المسؤول الفعلي عن تجهيز السفينة قبل إبحارها، ورغم اعتراف جوردان في رسائل سابقة بأن السفينة جاهزة، فإنه تهرب من الإجابة عن أسئلة حاسمة أثناء الاستجواب.

من جانبه، دافع بارون عن نفسه عبر رسالة مطولة أكد فيها أن مسؤولية جاهزية السفينة تقع على عاتق ضباط آخرين، وأن قرار الاستسلام كان «حكمًا مهنيًا» لتفادي مجزرة محققة في ظل التفوق البريطاني الكاسح.

الحكم والتبعات المأساوية

انتهت المحاكمة بتبرئة بارون من 3 تهم، لكنه أُدين بتهمة واحدة هي «الإهمال في تجهيز السفينة للعمل القتالي عند توقع الاشتباك». كانت العقوبة هي الإيقاف عن العمل والراتب مدة 5 سنوات، وقد أدى هذا الحكم القاسي إلى إنهاء مسيرته المهنية، كما أدى إلى عزلة اجتماعية وعسكرية دفعته لاحقًا لخوض مبارزة مع ستيفن ديكاتور في عام 1820، والتي انتهت بمقتل ديكاتور، ليظل بارون في الذاكرة التاريخية بلقب «الرجل الذي قتل ديكاتور».

رصاصات الكرامة: كواليس المبارزة القاتلة مع «ديكاتور»

بعد عودته من كوبنهاغن بعد 6 سنوات، سعى بارون لإعادة تأهيل سمعته، لكنه ظل مثيرًا للجدل وتعرض لانتقادات شديدة من بعض الضباط، وكان ستيفن ديكاتور من أبرزهم، فتحدى بارون ديكاتور إلى مبارزة بالمسدس جرت في 22 مارس 1820.

تحدى بارون ديكاتور إلى مبارزة بالمسدس جرت في 22 مارس 1820

جرى ترتيب المبارزة بطريقة تجعل إصابة أو موت كلا المبارزين أمرًا مرجحًا للغاية، فكان من المقرر أن يقف الرماة متقاربين، وجهًا لوجه؛ فلا مجال للابتعاد والالتفاف لإطلاق النار، وهو إجراء غالبًا ما يؤدي إلى إضاعة الهدف. عند اتخاذ المبارزين مواقعهم، تلقى تعليمات من ويليام بينبريدج أحد المنظمين: «سأعطي الإشارة بسرعة، واحد، اثنان، ثلاثة. لا تطلقوا النار قبل كلمة "واحد" ولا بعد كلمة "ثلاثة"».

وبعد أن اتخذ كل منهما موقعه، رفع مسدسه، وجهز بندقيته، وصوّب، ووقف صامتًا. صاح بينبريدج: «واحد»، فأطلق ديكاتور وبارون النار قبل العد إلى «اثنان». أصابت رصاصة ديكاتور بارون في أسفل بطنه وارتدت إلى فخذه، أما رصاصة بارون فأصابت ديكاتور في منطقة الحوض، مما أدى إلى قطع الشرايين، وسقط المبارزان في لحظة واحدة تقريبًا.

أصيب ديكاتور بجروح قاتلة وأمسك بخصره، وهو يصرخ قائلًا: «يا إلهي، أنا ميت لا محالة». أما العميد بارون (الذي نجا في النهاية)، وهو يرقد جريحًا، فقد أعلن أن المبارزة جرت بشكل لائق ومشرف، وأخبر ديكاتور أنه يسامحه من صميم قلبه.

نهاية أكبر ضابط في البحرية الأمريكية

ظل بارون في البحرية في الخدمة البرية، وأصبح أكبر ضابط في البحرية الأمريكية عام 1839، وتوفي لاحقًا في نورفولك، فرجينيا في 21 أبريل 1851 عن عمر يناهز 82 عامًا، وتُوجد أوراقه الشخصية، التي تتعلق أساسًا بحادثة تشيسابيك - ليوبارد، في المجموعات الخاصة بكلية ويليام وماري.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة