من أشهر القصص التي سمعناها في صغرنا، قصة الذئب مع القنفوذ، كانت تحكيها لنا امرأة كبيرة طاعنة في السن.
في سبعينيَّات القرن المنصرم، عندما كنا تلاميذ صغار ندرس في المراحل الأولى للدراسة، ولم يكن آنذاك ملاهٍ نتلهى بها كما هي موجودة في عصرنا الحاضر، فكنا نلتهي بما تقصه علينا المرأة العجوز، فكانت تجمعنا حولها، وتأمر الصبيان أن يستديروا حولها بحلقة مستديرة محكمة، ولا تتفوَّه كلمة دون أن تكون الحلقة مستديرة في شكل سلسلة، محكمة التنسيق، ليس فيها داخل ولا خارج من الحلقة، وتفرض عليهم الإنصات والاستماع إلى ما ستقصه عليهم، وما لم ينصاعوا لا تتكلم معهم بتاتًا، فكانت صارمة في قراراتها إلى حد أنه لا يرد عليها ولا يناقش كلامها، ثم تحكي لنا هذه القصة، لا زلت أعقلها وأفتكرها، وكأني بها تخاطبني الآن، وتقول بلسانها الدارج المغربي، إلا أني سأحاول أن أنقل كلامها إلى الفصحى ما استطعت إلى ذلك سبيلاً.
كانت تقول: كان يا مكان في غابر الزمان، كان هناك قنفوذ ذكي، وذئب غبي، كان لهما غرسة أو قطعة من الأرض، فأرادا حرثها وغرسها بشتى أنواع الغرس والثمار.
فأخذ كل واحد منهما معوله وذهبا إلى الحقل للعمل فيه، واصطحبا معهما قدرة من السمن العتيق، كزاد لهما للأكل والغذاء.
وعلى أي حال، أخذا يبذران البذور في الأرض، وشرعا في خدمتها، وتغطية البذور بما في أيديهما من معاول، حتى لا يأكله الطير، أو يعدوا عليه الوحش، فيذهب عملهما أو يذهب ما كانا يصبوان إليه سدى، فإذا القنفوذ ترك معوله وذهب متظاهرًا أنه يريد أن يختلي بنفسه، أو كأن أحداً يناديه.
فذهب وترك الذئب يعمل، وآنذاك ذهب وأخذ قدرة السمن التي كانا قد علقاها في شجرة القليين، أريت ما يفيء الظل أو يبين، وأكل القنفوذ منها شيئًا قليلاً، ثم بعد ذلك رجع إلى العمل مع الذئب، فقال له الذئب: أين كنت؟
فقال له القنفوذ: لقد ناداني بعض الأشخاص، وطُلِب لي مني أن أُسمي له مولودًا ذكرًا،
فقال له الذئب: أحقا ما تقول؟
فقال القنفوذ: أي وربي أن ما أقوله لحق مثل ما أنك تعمل.
فقال الذئب: وماذا سميت ذلك المولود؟
فقال له القنفوذ: أسميته البداية، وهو يقصد بداية أكله السمن من القدرة.
ثم شرع في العمل مع صديقه الذئب، وما من إلا أن القنفوذ رفع رأسه إلى السماء ونادى بأعلى صوته هيييييه، هيييييه!!
وهو يشير بيديه إلى ناحية من النواحي، ثم أردف قائلاً: تمهل، ها أنا، ها أنا حاضر، انتظر قليلاً وسآتيك مسرعًا!
فيتوجه بفيه نحو الناحية التي أشار إليها فيقول:
ماذا تقول يا هذا؟ أو ما تراني أعمل؟ رجاء اتركني وشأني!
فالتفت إليه الذئب وقال: مع من تتكلم يا قنفوذ؟
أراك مشغول البال مع أحد ما، فقال القنفوذ: وهو يتظاهر بالغضب، لقد نودي علي من جديد يا صديقي، اللعنة اللعنة، والويل لهم، يأبون إلا أن يشغلوني عن عملي، فها أنا سأذهب إليهم ثانية.
فترك معوله وذهب، ولما توارى عن أنظار الذئب، انطلق مسرعًا نحو قدرة السمن، فأخذها وأكل منها ما يقدر بنصف السمن، ثم ردها بهدوء إلى مكانها كي لا يتفطن له الذئب المنهمك في العمل بتفانٍ وإخلاص.
وجاء القنفوذ إلى الذئب ونفسه ينفث بسرعة من رئته كأنه كان يعدو عدوًا سريعًا، آيبًا إلى عمله في الحقل مع الذئب، لمَّا وصل سأله الذئب، أين كنت؟
ومن كان ينادي عليك فلبيت نداءه؟
قال القنفوذ له: لقد نودي عليَّ من أجل أن أسمي لهم مولودًا آخر، فقال له الذئب: وهل سميت لهم؟
قال القنفوذ: أي نعم.
قال الذئب: وماذا سميت لهم؟
فقال القنفوذ له: النصف.
وهو يقصد أنه أكل نصف القدرة من السمن، قال له الذئب: لقد أحسنت صنعًا ما أجمله وأحسنه وأظرفه من اسم!
فتهلَّل وجه القنفوذ، بثناء الذئب على فعله، أخذ يعمل معه، ولم تمضِ إلا دقائق معدودة، حتى بدأ ينظر إلى ناحية من النواحي، معاكسة للناحية الأولى، ويشير بيده ويقول: أن انتظر، ماذا تقول؟
وتظاهر بالغضب، كأنه كاره للمنادي المزعوم الذي ينادي عليه، فعمد إلى تلك الناحية التي أشار إليها، والذئب ينظر إليه ولم يتكلم بشيء، أما القنفوذ: فذهب إلى تلك القدرة متخفيًا، وأكل ما تبقى فيها من السمن، وترك شيئًا قليلاً، وأخذ بعض بعر البقر الطري، وأفرغ ما تبقى من السمن في القدرة، ثم أفعم القدرة بالبعر وألقى القليل من السمن على رأس القدرة، حتى يوهم الذئب أنها لا زالت على حالها الأول، ثم عاد بهدوء تام ليعمل مع الذئب، لمَّا وصل إلى مكان الحقل، قال له الذئب: إلى أين ذهبت يا قنفوذ؟
قال له القنفوذ: لقد نودي عليَّ من جديد من أجل أن اسمي لهم مولودًا جديدًا، لأشخاص آخرين، قال له الذئب: أحسنت، وماذا استميت لهم؟
قال سميت لهم النهاية: وهو يقصد أنه أتى على القدرة من السمن كلها حتى وصل إلى نهايتها، فقال له الذئب: اسم غريب لكن خيرًا فعلت.
في نهاية العمل قال الذئب للقنفوذ: هيَّا آت بتك القدرة لعلَّنا نأكل، لقد تعبنا في عملنا هذا وأخذت المسغبة منا مأخذها، فذهبا إلى تلك الشجرة التي كانت القدرة مربوطة في أحد أغصانها معلقة في الهواء، ولمَّا طلب الذئب من القنفذ أن يأتي بتلك القدرة، قال له: إني لا أستطيع الصعود فوق هذه الشجرة أخاف أن اسقط من فوقها فأصاب بمكروه أو يكون في ذلك حتفي، فأنت أرجلك طويلة، فقم فآت بها، فأتى بها الذئب، ولمَّا فتحها الذئب، وأراد أخذ ملعقة من السمن فإذا بالبعر يخرج عوض السمن، فتمعر وجه الذئب فقال: للقنفوذ. لماذا أكلت السمن؟
قال له القنفوذ: أنا لم آكل السمن، وإنما أنت كنتَ تنتظر فرصة غيابي فأكلت السمن كلَّه واعتديت عليَّ، فتخاصمها وتنازعا، ثم بعد أخذ ورد اتفقا على أن يناما دون أكل، وإنما في الصباح الباكر، ينظران إلى الفضلات التي تخرج منهما. أيهما كانت بيضاء، فصاحبها هو الذي أكل السمن، وفعلاً نفذا ما اتفقا عليه، إلا أن القنفوذ بدهائه ومكره،
استيقظ مبكرًا، ووجد الفضلات التي خرجت منه بيضاء، فألقاها بالقرب من الذئب، وأخذ بعض فضلات الذئب وألقاها بالقرب منه، وتظاهر بالنوم، فلما استيقظ الذئب، وجد أن بعرته بيضاء، وأن بعرة القنفوذ سوداء.
تعجَّب من ذلك، وسقط في يد القنفوذ، لا هو أكل السمن ولا هو برأ نفسه من التهمة، القنفوذ أكل السمن، فبرأ نفسه من التهمة بدهائه، والذئب لم يأكل شيئاً والصقت به التهمة بسبب غبائه.
وهذه القصة كانت تحكى لنا للبرهنة على أن المرء ينبغي أن يكون ذكيًّا مثل القنفوذ، وألا يكون أبلهًا غبيًا مثل الذئب.
فتمعن في أحداثها، واقرأها مرارًا، فإن فيها عبرة وعظة.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.