قصة القنفذ والذئب: حكاية تراثية عن انتصار الحكمة على المكر

تُعد قصص الحيوان، أو ما يُعرف بالخرافة الرمزية وسيلة أدبية عريقة استخدمتها الشعوب لتمرير الحكمة ونقد السلوكيات البشرية، كما نرى في كتاب كليلة ودمنة.

في عالم الحكايات الشعبية، لا تكون الغلبة دائمًا للأقوى جسديًّا، بل للأذكى عقليًّا، تروي لنا هذه القصة التراثية صراعًا طريفًا وعميقًا بين الذئب الذي يمثل القوة الغاشمة والمكر السيئ، والقنفذ الذي يمثل الحكمة والفطنة الهادئة.

تدور الأحداث حول وليمة مشتركة، حاول فيها الذئب استخدام كل حيل الاستغفال للاستحواذ عليها، لكنه اصطدم بعقلية يقظة قلبت الطاولة عليه، لتعلمنا أن «من حفر حفرة لأخيه وقع فيها».

وفي هذه القصة، نجد صراعًا أزليًّا بين القوة الغاشمة المتمثلة في (الذئب) والذكاء الدفاعي المتمثل في (القنفذ). القصة لا تكتفي بالسرد، بل تغوص في علم النفس السلوكي للشخصيات، موضحة كيف يمكن للدهاء الإيجابي أن ينتصر على الخبث وسوء النية، وكيف يقع الماكر في شر أعماله.

يُحكى أن القنفذ أذكى من الذئب، وأنه عند اجتماعهما دائمًا وأبدًا، تكون الغلبة للقنفذ، فمع أن حجم جسم الذئب كبير، ودهاؤه ومكره وخبثه أكبر، فإن القنفذ بفطنته وحكمته، ينتصر في آخر المطاف بحسن سيرته ونيته.

فيُروى أن القنفذ والذئب ذبحا ديكًا، وأرادا أن يحتفلا معًا في حفلة يُقيمانها في إحدى المنتديات، على ألا يشاركهما أحد، في حفلتيهما، وكانا حريصين كل الحرص على عدم إفشاء سرهما حتى لا يفتضحا، أو يتسلل أحد إلى قصر حفلتيهما. فزيَّنا المكان بأنواع شتى من البخور والعطور والإكسسوارات، وجاءا بالأضواء الملونة والخافتة، وأحاطا القصر بها من جميع جوانبه.

يُروى أن القنفذ والذئب ذبحا ديكًا، وأرادا أن يحتفلا معًا

ثم دخلا قصر حفلتيهما، وأوصدا جميع الأبواب والنوافذ، حتى لا يلتفت أحد لحفلتيهما أو يحاول التجسس عليهما، ومن ثم يُفشي سرهما.

فالذئب بدأ يتحايل في إغلاق النوافذ، وكأنه يحاول استغباء القنفذ، ومن ثم مشاركة أولاده معهما في حفلتيهما، لكنه لا يُظهر ذلك علانية، بل يُضمر ذلك في نفسه، ويحاول ترك نافذة غير موصدة، بل مردودة وحسب، حتى يتسلل أولاده منها في الوقت المناسب، دون إذن أو مشورة، بل اقتحام القصر عنوة، وأخذ اللحم غصبًا، وترك القنفذ يعتصر جوعًا وألمًا.

والقنفذ، الذي كان مُكَلَّفًا بإغلاق الأبواب، ذهب إليها وأغلقها جميعها، وألقى بمفاتيحها تحت وسادته، وربطها بيده، خشية أن تُسرق منه في لحظة غفوة أو سِنةٍ من النوم.

وعمد إلى وسادة زائدة في بيته، وأفرغ محتواها، وأخذ القماش الذي بداخلها، فمزقه أربًا أربًا، ثم عمد إلى الشقوق التي يمكن للناظر أن يختلس النظر منها من الخارج إلى الداخل، فأغلقها وأحكم إغلاقها.

ثم رجع إلى مكانه واتكأ.

ثم زفر ووعوع، وضحك وابتسم، وكأنه علم شيئًا إلا أنه يريد إخفاءه، فقال:

سِرْ يا صديقي الذئب، بالنية ولا تخف، فكل شيء يأتي إليك طوع بنانك، شاء أم أبَى.

الحمد لله، لقد أكملت عملي على ما يُرام.

فإذا بوجه الذئب يَتَمَعَّرُ، ظنَّ أن القنفذ إنما تَفَطَّنَ لفعله ولسوء نيته، فقال الذئب:

كلنا، ولله الحمد، أنجزنا مثل ما أنجزتَ، فلماذا هذا التباهي والتماهي يا قنفذ؟

فقال القنفذ للذئب:

إذا ما الأمر كذلك، فلماذا تغيَّر وجهك؟

ولِمَ الرياح تأتي من بعض النوافذ التي كُلِّفتَ بإغلاقها؟

وأظنك لم تفعل ما ينبغي لك أن تفعله، فأعد الكرَّة حتى نطمئن على حفلتنا من أن يأتي إليها من يُفسدها علينا.

ففشلت حيلة الذئب التي حبكها، فأعاد إغلاق النوافذ ثانيةً دون تلكؤ، لأنه خسر في هذه الجولة، والخاسر - كما هو معلوم - ينزل عند رغبة المنتصر، حفاظًا على وُدِّه، ورغبةً في الحفاظ على الصداقة معهغير أن حرب الأفكار بينهما سجال، ولكلٍ خطته وحيلته، وكلٌّ منهما يحاول التجسس على الآخر، واكتشاف ما يدور بخلده، قبل الانقضاض عليه وفوات الأوان.

ثم عَمِدَا إلى لحم الديك، فقطعاه قطعًا صغيرة، وألقيا بها في الطاجين، وأوقدا النار عليها لتُطهى جيدًا. وبعد ساعة، بدأ الذئب يفكر: كيف يأكل وحده اللحم ويترك القنفذ يتضور جوعًا؟ درس جميع الأفكار والخطط، ووضع أمامه جميع السيناريوهات، وما من خطة يدرسها، إلا ويبدو له أن إفشالها وعدم نجاحها كامن في إعدادها. الليل كله وهو يفكر ويُخمِّن، ويحدس، ويحبك ويفتري.

عَمِدَا إلى لحم الديك، فقطعاه قطعًا صغيرة، وألقيا بها في الطاجين، وأوقدا النار عليها

والقنفذ هادئ البال، مرتاح الضمير، يُعد اللحم ويطهيه، ويحافظ عليه من أن يحترق بالنار. كل ساعةٍ إلا ويحركه، وينظر: هل طُهي أم لا زال نيئًا، إلى أن أعد كل شيء.

والذئب يدرس كيف يَخُونُهُ، ويمكر به، ويحرمه من حقه.

وما إن طُهي اللحم، وحان وقت الأكل، وجيء بالصحن المملوء باللحم الطاهي الشهي اللذيذ، الذي تسيل له اللُّعَابُ لمجرد رؤيته، فضلًا عن شمِّ رائحته وتذوقه.

فإذا بالذئب في آخر لحظة، يفكر بخطة ماكرة -حسب ظنه- وكأنه يظن ويتمنى من أعماق فؤاده أنها ناجحة، أو أنها ستنجح لا محالة، وأن القنفذ بحجمه الصغير، وعقله البليد، وتفكيره الركيك، ونيته وثقته العمياء في الذئب، سيقع في شراكه، ولا مفرَّ له هذه المرة من الوقوع بين مخالب براثنه، أو الفرار من بين أنيابه.

فقال له وهو يحاوره:

أيها القنفذ، والله إن هذا اللحم الذي في الصحن، هو لحم قليل، ولا يكفي إلا لأحدنا، وإن مشاركتنا فيه ستضر بنا أيَّما ضرر؛ لا أنت ستشبع إن شاركتك فيه، ولا أنا سأشبع إن شاركتني فيه. ومن ثم، لا بد لأحدنا من أكله دون مشاركة صاحبه، حتى يشبع، أو يأكله كله.

وأنا فكرت في طريقة منصفة لنا جميعًا: أكبرُنا سنًا، احترامًا له وتقديرًا لِكِبَرِ سنه، هو من سيأكله. ما رأيك، أيها القنفذ؟

فقال القنفذ: طيب، إذا كان فعل ذلك لا مفر منه، وذاك هو حكمك النهائي الذي لا مُعَقِّبَ له، فأنا موافق على ما قلته، وراضٍ بحكمك.

ففي أي سنة وُلدتَ أنت، أيها الذئب الوقور؟

فمكث الذئب مليًا يفكر، ثم قال: أيها القنفذ، أنا وُلدت في اللحظة التي وُلد فيها البحر.

فإذا بالقنفذ يبكي ويولول، ويبغبغ.

فقال الذئب: لماذا تبكي، أيها القنفذ المسكين؟

فقال: أبكي تَحَسُّرًا وتألمًا لهذه اللحظة العصيبة التي مررت بها في حياتي، وأنت ذكَّرتني بها، مع العلم أنني كنت قد نسيتها حينًا من الدهر. لأنه في اللحظة التي وُلد فيها البحر، قُتل لي عشرة أبناء. أيها الذئب، ذكَّرتني بلحظة مؤلمة من حياتي! ذكَّرتني بأحلك اللحظات وأشدِّها عليَّ، إنها لحظة ولادة البحر! يا لها من لحظة كئيبة مظلمة مرَّت عليَّ في حياتي. لكنها، بالنسبة لي، كأنها بالأمس القريب، فلا زلتُ صغيرًا، يا صغيري الذئب.

ومن ثم، استولى القنفذ على اللحم وأكله، وترك الذئب يخطط ويمكر، ليأكل تخطيطه ومكره. وإن المكر لا يرجع إلا على صاحبه.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

متابعي الأوفياء سعيد بمتابعتي وقراءة مقالاتي وابداء رأيكم حولها ولكم مني جزيل الشكر والإمتنان
أضف ردا

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة