قصة "العشق الملعون".. قصص قصيرة

مطر السماء ينهمر بقوة وأصوات الرعد تكاد تصم الآذان في غرفته الفخمة (إيهاب) الثلاثيني من عمره، شاب وسيم جدًا، مستلقٍ على سريره ونائم بعمق وكأن كل ما يجري حوله سراب في حلم، يرن هاتف مرات عديدة ليصحى بثقل متأففاً.

إيهاب: ألو.. نعم.. آه أهلاً عزيزتي.. أنا بخير لقد أيقظتني.. لا لا.. لا يهم لقد استيقظت لا تقلقي.. اليوم؟ آه نعم نعم آسف لقد نسيت موعدنا، اسمعي سأجهز نفسي وأكلمك.. إلى اللقاء.

يرمي هاتفه على السرير ويعود لنومه.

في شرفة منزلها (إيلين) فتاة في الثلاثين من عمرها، تمسك هاتفها بخذلانٍ اعتادته من (إيهاب).. وتحدث نفسها بحنق.

إيلين: أنا غبية.. كم مر من وقت وهو يعاملني كجارية.. كم ضيعتُ من أجله سنواتٍ من عمري وهو لا يتغير ولن يتغير.. لو كنت إحدى عشيقاته لامتثل أمامي قبل أن أضطر إلى محادثته.. كم أنا غبية.. كم من مرةٍ خانني وسامحت؟ كم من مرة كذب عليَّ وصدقت؟ لمَ أتحمله دائماً؟ لقد سئمت من وعوده!

تنظر إلى السماء..

إيلين (بضيق يشق صدرها): رباه ساعدني.. فأنا أحبه ولكن صبري نفد وقوتي انهارت بين يديه.. ماذا أفعل يا الله أرجوك؟!

إيهاب وهو يحتسي قهوته في حديقة منزله ويتابع أخبار السياسة على هاتفه المحمول، يترك الهاتف ويمسح رأسه براحة يده وهو يبتسم بسخرية.

إيهاب: كم أنتِ غبية يا إيلين! تظنين أنني سأتزوجك، تظنين أني سأكون روميو المنتظر، ما أنتِ إلا طفلة تعلقت بلعبتي وأنا أحب وجودك في حياتي لا أكثر، لكنك لن تكوني جزءاً منها عزيزتي.. ما أنتِ إلا صديقة عزيزة كانت يوماً ضيفةً عابرةً على سريري.

يسرح في خياله عندما كان شاباً متخرجاً من الجامعة منذ بضعة أسابيع عندما التقاها، فتاة عادية الجمال.. لكن هندامها يلفت أي شاب، تنورتها قصيرة وضيقة، قميصها يكاد أن يتمزق من شدة ضيقه، مكياجها الصاخب، كل هذا كان غريباً عن عالمه المحافظ لا يدري كيف شده هذا الاختلاف.. 

كانت فتاةً تعرَّف عليها عن طريق موقع للتواصل الاجتماعي ودار بينهما عدة أحاديث، ذهب ليراها وكأنها منذ ذلك الوقت تلبسته كجني، تحدى أهله لأجلها عاند الجميع وخطبها، كانت (سيلا) فتاة تصغره بعامين فقط لكنها كانت طموحة لعوب..

استطاعت أن تجرده من كل شيء في عالمه وتأسره وحدها، لقد عانى لأجلها الكثير وعانى معها كثيراً، فلم تكن تقنعها الحياة البسيطة لأي شاب صغير مقبل على الحياة وهي تعلم أن عائلته من الأغنياء وأصحاب النفوذ.. 

كانت لا تقنع بهدية عطر أو فولار أو حقيبة.. فإما الهدية تكون من مستوى منزل أو سيارة وإما ستحرمه من وجودها إلى جانبه وهذا ما لم يكن يقوى عليه.. 

ذهب يوماً ليقابل أحد أصدقائه في إحدى الكافيتريات ليجد ما لم يرغب في رؤيته، وجدها بما حذره كل من حوله منه، وجدها مع أحد الشبان وهي تلف يدها بيده وتتمايل عليه بدلع وشقاوة.. 

لقد كان يرغب في قلع عينيه لأجل ألا يصدق ما رآه منها، تقدم نحوها وهو يغالب نفسه.. وفي هذا اليوم فسخ خطبته منها.. بعد شهر وعندما أراد أن يعود لحياته من جديد.. ظهرت سيلا بكل ما تملكه من أسلحة أنثوية لم يكن يستطع الصمود أمامها.. 

أعادته إلى عالمها دون أي جهد أو عناء.. 

أخذ يحضر لزفافه ويحقق لها متطلباتها في شراء منزل فخم، تحدث مع صديق له يعمل في مجال العقارات وتواعدا ليلتقي ويتحدثان عن مواصفات المنزل.. 

ذهب ليلتقي مع صديقه وإذ بصديقه (نادر) يقف مع فتاة جميلة جداً مُفعمة بالحيوية والضحك والروح الخفيفة.. اقترب وكل ما في روحه يخطفه إليها .

إيهاب: مرحباً نادر.

نادر: أهلاً إيهاب.. أعرفك صديقتي إيلين لقد التقيتها صدفة منذ سنتين لم أرها.. إيلين هذا صديقي إيهاب إنه يبحث عن منزل لز...

يوكزه إيهاب بخفة لكي لا تنتبه إيلين ويقاطعه.

إيهاب: نعم أبحث عن منزل جديد لعائلتي.. كيف حالك إيلين؟

إيلين : بخير وأنت؟

إيهاب: الحمد لله.. إذا لم تكوني مشغولة انضمي إلينا.

إيلين: لا شكراً لقد تأخرت.

يتدخل نادر ويقاطعهما وهو يسحب كرسياً لإيلين.

نادر: هيا.. أرجوكِ إيلين اجلسي.. لقد مر وقت طويل ولم أركِ.

إيهاب: نعم أرجوكِ.

تجلس إيلين بأدب وخجل.

نادر: على فكرة يا إيهاب إيلين كاتبة ممتازة وها هي تشق طريقها للعمل بهذا المجال.

إيهاب: فعلاً؟!

إيلين: نعم.. لكنه يبالغ قليلاً.

نادر: أبداً.. لا أبالغ عليك أن تقرأ لها سيعجبك جداً إحساسها وطريقتها في الكتابة مشوقة ستأخذك إلى عالم آخر.

يرن هاتف نادر فينسحب مستأذناً.

نادر: عن إذنكم، سأجري هذه المكالمة وأعود.

إيلين: تفضل.

إيهاب: حدثيني إذن عنكِ وعن اهتماماتك.

إيلين: أنا فتاة عادية لكن نادر يبالغ بشأني.

إيهاب: إذن حدثيني عن الفتاة العادية كما قلت.. لكنني أراكِ غير عادية أبداً.

إيلين تبتسم بخجل وحياء.

إيلين: ماذا تريد أن تعرف؟!

إيهاب: كل شيء.

إيلين: أنا فتاة وحيدة، والداي متوفيان منذ مدة قصيرة، توفيت والدتي وقد سبقها والدي بثلاث سنوات.

إيهاب: آه.. آسف لأجلك.

إيلين: شكراً.

إيهاب: من أي عائلة أنتِ؟

إيلين: أنا ابنة رجل الأعمال مرتضى الحارث.

إيهاب (بتعجب): نعم أعرفه لقد سمعت باسمه من والدي.. رحمة الله عليه.

إيلين: أشكرك.. نعم وأحب الكتابة إلى حد الجنون، وها أنا أباشر بتحضير كتاب صغير لرواية.. ولي ميول سياسية ورياضية أيضاً.

إيهاب: أووو أبهرتني فعلاً.. كيف لفتاة بسنك أن تتمكن من تحمل السياسة والرياضة أيضاً هذا كثير على فتيات هذا الزمان.

إيلين: لكنه قليلٌ عليَّ.

ينظر إليها إيهاب بإعجاب يترافق مع نظرات ناعمة.. لقد كانت إيلين فتاة مرحة لكنها هادئة ولديها أسلوب في الكلام والتصرف يجذب كل من يراها إليها.. عاد نادر إلى الطاولة لكن إيلين وقفت بعد أن نظرت إلى ساعة هاتفها المحمول.

نادر: إلى أين لم أركِ بعد؟!

إيلين: لقد تأخرت.. فرصة سعيدة إيهاب .

يقف إيهاب ويمد يده ليصافحها.. لكن عندما لامست يده أطراف أصابعها شعر بقشعريرة تسري بداخله، لقد كانت إيلين جذابة وشديدة الجمال وتملك ابتسامة ساحرة.. سحبت إيلين يدها بخفة ليستفيق من لحظات دافئة كان يشعرها ويده في يدها.. تستدير إيلين إلى نادر وتصافحه.

إيلين: لن تكون المرة الأخيرة التي سنلتقيها يا نادر.. رقم هاتفي بات معك كلمني لنلتقي مجدداً لكني فعلاً تأخرت.

نادر: نعم بالتأكيد.. انتظري هاتفي.

إيلين : إن شاء الله.. بالإذن.

نادر : تفضلي.. إذنك معك.

ليبقى إيهاب صامتاً سارحاً في خطواتها وهندامها الأنيق المحتشم الذي يحبه وكأنه عاد إلى أصوله وتقاليد عائلته، لقد رأى فيها فتاة تشبه عالمه أخته وأمه وقريباته.. لقد رأى فيها كل ما يُخالف سيلا.. قاطعه نادر عن شروده.

نادر: ها يا أخي.. فلتجلس وتحدثني عن مواصفات المنزل.

يستفيق إيهاب وكأنه لم يسمع يجلس بهدوء ويتحدث فجأة كأن خاطرة مرت على باله.

إيهاب: نادر.

نادر: نعم!

إيهاب: لا تخبر إيلين أنني مرتبط وأتحضر لزفافي.

ينظر إليه نادر باستغراب وقد ضم حاجبيه ليلاصقا بعضهما، وهو من الأشخاص غير الراضيين عن ارتباط إيهاب بسيلا وحذره مراراً منها أنها طماعة وأخلاقها رديئة، لكن إيهاب صم أذنه عنه هو الآخر.

نادر: إيلين؟ وما خص إيلين بزفافك.. إيهاب أرجوك.. إيلين ليست مثل باقي الفتيات وهي عزيزة عليَّ ولا ينقصها جرح في حياتها.

إيهاب: لقد فهمتني غلط.. لا أدري لقد شعرت عندما قابلتها أنني بحاجة لترتيب أفكاري وحياتي من جديد.

نادر: حقاً؟

إيهاب: نعم نعم أؤكد لك.. لن أتلاعب بها صدقني.. أريد رقم هاتفها.

نادر: كيف ولم تحسم أمرك بعد؟ لا أستطيع، افترض أنها تضايقت مني؟

إيهاب: أعدك أني لن أزعجها . أرجوك أريد الخروج مما أنا فيه والانضمام إلى عالمها الراقي والبريء هذا.. لقد سحرتني.

يهز نادر رأسه بالقبول وكأنه يحاول أن يساعده من الخروج من وحل ما فيه؛ فهو يعرف عن سيلا أشياء قذرة جداً وعن عائلتها أسرارًا لم يكن يحب أن يخبرها لإيهاب لكي لا يحرجه، فسلوك والدتها لا يكاد ينقص عن سلوكها.. مما اضطره أن يوافق إيهاب ويعطيه رقم إيلين.

يعود إيهاب من خياله ويشرب ما بقي من قهوته ويضع الفنجان ويقف ليستعد للذهاب إلى إيلين.

إيلين وقد يئست من قدوم إيهاب، خلعت ملابس الخروج وارتدت ملابس المنزل لتذهب إلى المطبخ وتعد طعامها، وبينما هي واقفة أمام الوعاء الموجود على النار والبخار المتصاعد منه قد أضفى لوناً أحمرًا على وجهها الأبيض وشيئًا من اللمعان سرحت.. لتجد نفسها عند اللحظة التي رن هاتفها بها وهي تقرأ كتاباً سياسياً (برايفت نمبر) نظرت باستغراب وأجابت.

إيلين: ألو.. أهلاً.. من معي؟! آه إنه أنت إيهاب.. كيف حالك؟! أنا بخير.. ماذا؟!  لا لا تقل هذا لم يزعجني حصولك على رقمي بتاتاً، نعم أنا في المنزل أقرأ كتاباً سياسياً.. ماذا ؟ الآن؟ إذن امنحني ساعة وألتقيك هناك.. مع السلامة.

تغلق هاتفها وهي تضع طرفه على شفتيها متعجبة.

إيلين: ترى ماذا يريد؟!

تزداد حرارة البخار لتوقظها من خيالها، وإن كانت حرارة قلبها أشد وقعاً عليها منه.. وتقول بيأس.

إيلين: ليتني لم أُجب يومها على هذا الهاتف اللعين.

وتضغط بيديها على حافة الغاز المنزلي.

إيهاب وهو يأخذ حماماً ساخناً يمسك بقارورة الشامبو ويرحل بعينيه إلى الليلة التي واعد إيلين بها.. يومها كان فرحاً متحمساً فمنذ أن رأى إيلين وعيناه الشهل اللتين تشعان بالحياة والمرح لم يكلم سيلا.. لقد سهر ليالٍ على صفحتها في الفيس بوك يقرأ خواطرها الرومانسية وكلامها الأنيق وعباراتها الشفافة عن الحب والتضحية في سبيله.. 

لقد شعر بصدق كلماتها لقد لامسه إحساسها وعلم أنها لا تخون وتعشق بصدق وتعطي لمن أحبت الرمق الأخير من حياتها وروحها.. 

وتارةً يقرأ نقدها السياسي ومحاكاتها لما يجول حولها من أحداث ومدارات وتغيرات عالمية.. لقد كانت قوية واثقة عارفة كل ما تقوله مع أدلتها عندما تدخل في أي نقاش مع رواد السوشيال ميديا.. وتارة يذهب إلى صورها الطفولية ليداعب بنظراته وجهها الجميل الممتلئ بالدموية ويلامس الشاشة بأطراف أصابعه لتلامس شفتيها الأنثوية المفعمة بالأنوثة.. 

كانت غريبة فهي عدد من الشخصيات في فتاة صغيرة واحدة.. هي طفلة بريئة مرحة وامرأة قوية قارئة وعارفة وسيدة غاية في الجمال والأنوثة، لم تقوَ رجولته على مقاومة هذه الفتاة بتناقضاتها وحملته ليتحدى ذاته معها ويفوز بقلبها.. 

لقد ذهب يومها إلى موعدهما، كانت جميلة للغاية تتكلم وتضحك وتناقش وتحلل، وهو يتابعها بنظراته يحاول مجاراتها واللحاق بها وعيناه تذوبان بين ابتسامات حنونة ولمعان بريقٍ مبهور بها.. 

يريدها، نعم يريدها بكلها وكليلتها متناسياً عالمه الخارجي المليء بالتحديات والأحداث والضغوطات.. صارحها بحبه ولم تقوَ هي على مقاومة سحره أيضاً؛ فهو شاب جنتل مان ولبق ومتحدث، وكان يومها عاشقاً يمتطي عشقه الجارف ليجرفها إليه مسلمة له بقلبها وحبها..

لقد عاشا شهراً من الخيال مليء بالحب والمغامرات والضحك واللعب واقتسام الاهتمامات ومشاهدة المباريات والرماية وكل ما يخطر على بال عاشقٍ اقتسماه معاً.

يصحى إيهاب من غيبوبته ويرمي علبة الشامبو بعصبية ويضغط بيديه على رأسه.

إيهاب: لمَ أفكر، لمَ أسترجع هذه الذكريات اللعينة، لقد كانت كغيرها، سلمتني نفسها ببساطة ولم تقاوم بشق تمرة.. إنها مثلهن.. مثل سيلا والباقيات.

إيلين تتناول طعامها بملل وتميل على حافة الكرسي، تستذكر كم كان إيهاب يهوى طعم طعامها الشهي وكل يوم يطلب منها طبقاً جديداً لتعده له ولم تكن متضايقة، على العكس كانت تملك نشاطاً يكفي لتطعم من طعامها آلاف الناس الجائعة على المقلب الآخر من العالم، لكنه كان عالمها الوحيد، كان هدية الله لها كما كانت تقول له.. 

تغمض عيناه بتعب لتسترجع يوم غيابه، لقد غاب عنها فجأة لتصحى بين يومٍ وليلة ولم تجده، لقد أخذ كل ما استجمعته من طاقات في سنين وحدتها وأحزانها ورحل، أخذ معه مرحها وبراءتها وأمانها الذي منحها إياه وحتى مستقبلها الذي كانت تعمل جاهدة له ورحل .. 

رحل ولم يقل شيئاً، لم يعرها اهتماماً، اختفى وكأنه ما كان، أخذ كل شيء تاركاً لها ذكريات تخنقها صباحاً وتؤرقها ليلاً، استبدل أمانها بخوف جارف، استبدل براءتها بقسوة ولعنة على كل من حاول اختراق وحدتها وعالمها، لقد تغيرت شيئاً فشيئاً أصبحت قاسية، كئيبة، مريضة ومنهكة، حتى الطعام لم تعد تحبه وتحب أن تصنعه فهو لن يتذوقه.. فتحت عينيها وتنهدت بقوة كأنها تريد أن تحرق كل ما حولها بهذه التنهيدة.

إيهاب بـ(برنص الحمام) يبحث بين ثيابه محتاراً ليستوقفه زي رسمي أسود.. نعم هذه بذة زفافه.. يومها كان سعيداً جداً، إخوته وأصدقاؤه يتجولون حوله كلٌ يريد مساعدة العريس وهو كالأمير يتجهز لعروسه سيلا.. 

نعم سيلا التي شعرت بخطر يداهمها عندما شُغل إيهاب عنها بإيلين، التي لم تعرف شيئاً بعد، وطرقت كل باب لتجد حبيبها الراحل عنها دون استئذان... 

سيلا التي عادت متسلحة بمكرها الخفي وداهمت ضعف قدرته أمامها.. فانصاع لها وترك إيلين دون أي عذر.. سيلا التي اشترى لها بيتاً كانت إيلين تحلم به.. وأقام حفل زفافها في المكان الذي احتفلت إيلين معه فيه بعيد ميلادها التي كانت تكرهه، لكنها أقامته لأجل أن يكون معها.. يومها قال لها.

إيهاب: ما رأيك بهذا المكان للزفاف؟

ظنت إيلين أنه يسألها ليقيما زفافهما فيه.

إيلين: جميل جداً.

ولكن الزفاف لم يكن لها ولم تكن هي المقصودة، حتى عيدها غادرها مسرعاً قبل أن يطفئ الشمع متعللاً بانشغالاته وتركها وحدها تطفئ أنوار قلبها في تلك الليلة.. 

تزوج سيلا .. وبعد شهر واحد خانته وسامحها ثم عاودت الكرّة بعد شهرين.. انفصلا وسافر سنوات وقلب إيلين على حاله يزداد حباً له ويزداد عطشاً للثأر لمشاعرها.. 

عاد بعد سنوات وأول ما فعله عندما حطت قدماه أرض الوطن هو أن يتكلم مع إيلين التي رفضت هاتفه مرات عديدة ولم ترد على رسائله.. 

أصرَّ عليها لتسمعه، وافقت والتقيا، عندما رأته انتزع منها الشوق معطف الانتقام ورمته خلفها، عاد ليبرر ما فعل، وقد كانت في تلك المدة قد تمكنت من معرفة ما حصل.. 

عاد ليدق آخر مسامير نعشها.. عاد ليخبرها عن مغامراته النسائية وكل ما حصل معه حتى الحادث الذي حصل له وأفقده بعضاً من رجولته التي كان يتغنى بها.. 

آثرت على نفسها ولم تأبه ولم تفكر إلا بأن تكون معه، طلبت أن يتزوجا ورفض.. وكلما ابتعدت أكلته نيرانه وأعاد سحبها إلى دوامته.. داوم على هجرها وحرق روحها وخيانتها التي كان يتغنى بها أمامها ليحرقها أكثر ويثبت لنفسه أنه الرجل الذي لا يقهر.. 

رأت وسمعت عشيقاته مرات عديدة ورحلت وعادت وعادت ورحلت.. ثم عاودها باتصال مفاجئ ليراها في هذا اليوم.

إيلين تنظف مطبخها بعد تناولها للطعام وتغسل الصحون، يرن جرس الباب.. تذهب لتفتح.. ترى إيهاب أمامها.. أنيق.. جميل.. مبتسم.. وهي في ثياب المنزل والصابون على يديها وشعرها غير مرتب.. ترتبك وتنظر إليه باستغراب.. يدخل مقتحماً منزلها ويجلس وهي لا تزال عند الباب.. يفتح أزرار جاكيتته وهو يجلس.

إيهاب: ألم يكن بيننا موعد؟! لقد تناولتِ الطعام بدوني؟! بالصحة والعافية.

إيلين وهي تغلق الباب وتدخل بعد أن استفاقت من صدمتها.

إيلين: لم أتوقع أن تأتي، لقد مر على موعدنا خمس ساعات.

إيهاب: أنت تعرفين طبعي.

تنزعج إيلين من عجرفته ويمتلئ قلبها بالحنق وتتفوه بانفعالاتها التي منذ غدر بها لم تعُد تقوى على ضبطها.

إيلين: أنت من بالضبط؟!  طبعك؟! ما هو طبعك؟! من أنت لتفعل هذا بي؟! لقد ضيعت عمري، لقد ضحيت بنفسي تحت قدميك، غدرتني مراراً سرقت أحلامي وأهديتها لأخرى، سرقت لحظاتي ومنحتها لأخريات.. لقد وافقتك على كل ما تريد.. لقد قبلت أن أكمل معك برغم كل حججك وادعاءاتك الباطلة.. لقد حطمتني وتطاولت عليَّ مراراً وسامحتك.. من أنت؟ من أنت بربك؟!

يقف إيهاب وقد امتلأ غيظاً فهو شخص مليء بالعجرفة والقسوة والغرور معها.

إيهاب: أنتِ من؟ أنتِ فتاة غبية، لا تملكين أي مقومات لأحبك عليها.. فتاة رخيصة عبرت على سريري كما عبرن الأخريات اللواتي تتحدثين عنهن.. تتحدثين عن سيلا كل مرة، نعم أحبها هي ولن أنساها.. أنتِ مجرد تافهة أتلاعب بها في أوقات مللي وفراغي لكي أقضي لحظات بعيداً عن التفكير بسيلا.. أنتِ عابرة.. كلكن عابرات.. وهي الأساس.

يذهب خارجاً من المنزل.. تاركاً إياها متسمرة في مكانها والدموع تملأ عينيها وتأبيان الخروج.. فهو يعايرها أنها أحبته يعايرها أنها أعطته كل ما ملك قلبها وعقلها قبل جسدها، يعاقبها بالخيانة والآن ينعتها بالرخيصة العابرة.

يقف إيهاب على باب البناء الذي تسكنه إيلين وهو محروق متضايق يلعن ما قاله وما فعله، فهو فعلاً يحبها لكن تلك اللعينة قد وقفت بينه وبينها في كل لحظة، لقد سرقت كل ما تمنى أن يعطيه لإيلين وذهبت أدراج الريح.. إنه يحبها لكن هناك شيطاناً يخنقه كل ما أراد التقدم نحوها أكثر، شيطان اسمه سيلا.

تغلق إيلين باب منزلها بهدوء وكأنها تغلقه على عمرها الذي تركته خارجاً لتعود إلى عزلةٍ أبدية.

يمشي إيهاب سارحاً في شارعٍ طويل وسط ظلامٍ دامس والمطر ينهمر عليه، لكنه لا يشعر به مبللاً تائهاً يتمتم بصوت مسموع.

إيهاب: كلكن عابرات وسيلا هي الأساس.. كلكن عابرات وسيلا هي الأساس.. كلكن عابرات وسيلا هي الأساس.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

سلمت أناملك ودام يراعك
أضف ردا

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

👍🤍❤️👍🤍❤️
أضف ردا

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

👍👍👍👍👍👍👍👍👍👍👍
أضف ردا

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة