كل يوم أنظر إلى ابني أجده خائفاً من ملاقاتي والحديث معي، فكلما آتي من العمل أراه يستحي من الحديث معي عن حياته، وأحوال مدرسته، وأوضاعه الاجتماعية مع أصحابه..
وفي أحد أيام الإجازة قرَّرت الحديث معه، لكنِّي وجدته متردداً في حديثه، فقد كان انطوائياً بعيداً عن العالم، لم يكن له أي أصحاب يتحدث معهم، ولم يقضِ وقته مع غيره، لكنِّي وجدته يقضي أكثر وقته في الدراسة والقراءة.
وفي أحد الأيام مررت بمدرسته وأنا عائد للعمل، فقابلت بعض مدرسيه فأخبروني بأنه جيد في الدراسة، ويُعتبر الأول على جميع من في المدرسة فكان معدله 100%.
لكن أحد المدرسين أخبرني أنه لا يشترك في الألعاب الرياضية والأنشطة التي تُقام في المدرسة، وأنه لا يتحدث مع أي شخص ولا يمشي مع أي صديق، وكان يقضي الفسحة في المكتبة، فعرفت أنه صديق للكتب فتذكرت قول الشاعر:
أنا من بدَّل بالكتب الصحابا
لم أجد لي وافياً إلاّ الكتابا
صاحب إن عبته أو لم تعب
فليس بالواجد للصاحب عابا
ومنذ تلك اللحظة وأنا في حيرة من أمري كيف يكون انطوائياً عديم الأصدقاء، لكن الجواب أنه كان لديه ثلاثة أصدقاء: القرآن والكتاب والدراسة؛ فكان يختم القرآن الكريم كل شهر، وكان يخصص ساعة من وقته لقراءة كتاب جديد..
وكان يدرس بجد فكان الأول على جميع من حوله، ولم يكن مغرورا ولا متكبراً، وكان باراً بأمه، فكانت إذا نادته أجاب، وإذا طلبت منه طلبا فعله ولم يعقب، وكان يفعل كل ما أطلبه منه، ولم يرمِ كلمتي، وكانت أعظم فترة لي عندما تخرَّج من الثانوية بمعدله المعروف 100% ودخل جامعة الطب، وكان سعيداً جداً بهذا الخبر.
وعندما ذهب للتقدُّم في الجامعة كان هناك خطأ برمجي في حاسوب أحد العمال، فاستغربت أن ابني وجد حلاً للمشكلة في خمس دقائق، ولم يكن صعباً عليه هذا، فسألته كيف قمت بهذا، قال إنه كان قد تعلم البرمجة من بعض الكتب التي كان يقرؤها، فكان أفضل معزة لي أفتخر بها أمام الناس، وكانت فرحتنا يوم تخرج من الجامعة فقد تخرج بماجستير الجراحة، فكان من أفضل الجراحين في المنطقة، فشكرت الله أنّ لي ولداً فاق والده في كل شيء.
سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك.
اقرأ أيضاً
- إنجلترا ضد فرنسا.. ساوثجيت يجهز دفاعاته لإيقاف سلاح ديشامب الفتاك
- هل سمعتَ عن جيش الطين من قبل؟
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.