يُبتلى بعض الناس بالأمراض التي تقض آلامها مضاجعهم ليلًا ونهارًا، فيهرعون للبحث عن طبيب يخفف عنهم شدة تلك الآلام؛ لذلك تراهم يتقاطرون على عيادات الأطباء زرافات ووحدانًا، وكان من نصيبي أن أكون أحد المراجعين بحثًا عن الشفاء من حادث ترك لأحد أفراد عائلتي ألمًا مستمرًا.
جلسنا في عيادة في الطابق الأول في الحارثية في بغداد، وكانت مواعيد المعاينة المعلن عنها من الساعة التاسعة صباحًا حتى الرابعة عصرًا، وصلت العيادة نحو الساعة التاسعة.
وكانت العيادة قد امتلأت بالمراجعين رجالًا ونساءً، شيوخًا وأطفالًا، وكان على كل مراجع أن يدفع أجور المعاينة، ثم يراجع طبيبًا شابًا؛ لكي يتبين موقع شكواه، ويأخذ له أشعة جديدة، ليهيئ ملفه.
أنجز القسم الأكبر من المراجعين متطلبات المعاينة وأنا منهم، وكان الناس كالموج المتلاطم يضرب بعضه بعضًا، وكانت القاعة التي تسع (60) مراجعًا مكتظة عن بكرة أبيها، ولم يصل الطبيب المختص العيادة إلى الآن.
الطبيب المختص كان يجري العمليات في المستشفى الخاص به، وعندما يفرغ من عملياته يأتي إلى العيادة لمعاينة مرضاه، ومن أجرى لهم عمليات في الأيام السابقة، وكان قد عُلّق إعلان كتب على ورق يفيد الاعتذار لضيق المكان بسبب إجراء صيانة على العيادة القديمة.
حال العيادة يرثى له، تتكون من عدة غرف قديمة البناء، وقاعة لجلوس المراجعين، لقد كانت أعقاب السجائر وأوراق المناديل المستعملة تنتشر في بعض الزوايا، وتنبعث رائحة العفن من بعض غرفها، كان الجلوس مملًا، وبعض مفرغات الهواء لا تعمل، كان الجو يشعر الفرد بالاختناق، فكيف بالانتظار ساعات.
وسط هذه الأجواء دخلت متسولة لتبلغ جمهور المراجعين المرضى ومرافقيهم بأنها وحيدة، وليس لها معين، وتطلب المساعدة، مرت على جميع المرضى، اثنان استجابوا لها، أحدهما بمبلغ دينار وآخر بمبلغ نصف دينار، ثم خرجت بعد أن دست المقسوم في كيس تحمله معها.
وبعد نصف ساعة دخلت متسولة ثانية في كفها عاهة، فكفها تظهر منه ثلاث أصابع فقط، أما الإصبعان الآخران فقد اختفيا وسط كتلة إسفنجية تغلف كفها، لا تُعرف حقيقتها، لكنها مقززةٌ تظهر مثل ورم.
كانت تلك المتسولة تطلب المساعدة، وبعد نصف ساعة أخرى دخل العيادة شاب ثلاثيني يقود طفلًا صغيرًا؛ ليعلن أنه من أهالي نينوى ولديه مراجعة لدى الأطباء، ولا يملك نقودًا، وخرج بعد أن استجاب لطلبه اثنان من المراجعين.
وفي الساعة الواحدة والنصف جاء بعض الأطفال وهم يصيحون:
- (إجا الطبيب إجا الطبيب)
ليبشروا المراجعين بحضوره، أحدثت صيحاتهم فرحًا لدى البعض، فيما تنفس الآخرون الصعداء، لقد جاء الطبيب الساعة الواحدة والنصف ظهرًا بعد أن مضى على الانتظار أربع ساعات ونصف، وسيأخذ وقتًا آخر ليقابل الطبيب المراجعين واحدًا واحدًا.
ووسط هذا الجو تفاجأنا بمتسولة ثالثة تدخل وهي تنظر يمنة ويسرة لتحدد طريق الدخول والمرور على المراجعين، ثم قالت بصوت عالٍ:
- (الله يشفي مرضاكم إن شاء الله، الله يشفي كل مريض إن شاء الله، والله جوعانة وما عندي).
كانت الساعة بحدود الثانية ظهرًا، وكانت قد مرت 5 ساعات على وجودنا في العيادة.
في الساعة 2:20 دخلت المتسولة الرابعة، وكانت ترتدي ملابس سوداء مع نقاب على وجهها، تحمل كيسًا صغيرًا؛ لتطلب المساعدة المالية، وخرجت دون أن يعطيها أحدٌ شيئًا، فقد مل المرضى من كثرة المتسولات.
وفي الساعة 2:34 دخل المتسول السادس، وكان يرتدي سروال جينز مع قميص، ويضع على كتفيه كيسًا من (الجلفاص)، فصاح قائلًا:
- (ينطيكم الله، من مال الله)
ثم خرج.
وفي الساعة الثالثة بعد الظهر دخل شاب يرتدي (ترانشكوت) أصفر مع نعال، وكان يقول كلامًا غير مفهوم، كان يبدو معوقًا:
- (تيني، ينتيك الله).
وقفز على أحد المرضى الجالسين، وقبله، فأخرج المريض مبلغًا من المال وأعطاه دينارًا، وساعده شخصٌ آخر من الجالسين ثم خرج.
أما الطبيب فقد بدأ عمله بفحص المرضى بعد الساعة الواحدة والنصف، فعدد المراجعين تجاوز المئة مراجع، وأخيرًا جاء دورنا للدخول إلى الطبيب بعد تجاوز الساعة الرابعة عصرًا، لم تكن الأشعة واضحةً، فطلب أخذ سونار لموقع الألم، فأعدت السونار وشخص الطبيب لي المرض، عندها أوشكت الشمس على المغيب، بعد أن انقضى النهار، ما اضطرنا على الفور التوجه إلى أحد المطاعم لتناول وجبة الإفطار.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.