قصة "السقوط لا يليق بكِ".. قصة قصيرة

ما زالت تلك اللحظة عالقة في ذهنها وكأنها قد حدثت أمس.

 لم تكن تعلم البتة ماذا يخبئ لها القدر غدًا! لم تكن تعلم أن قطرات دموعها ستتحول يومًا ما إلى قطرات الندى التي ستسقط على بتلات زهرة مستقبلها، لتتحول محنة مرضها إلى منحة تهتدي بها نحو عالم جديد، عالم من نوع خاص «عالم الترجمة».

 ظلت تحمل المخاوف بين طيات ضلوعها من ذلك المستقبل الغامض الذي ينتظرها، إلا أن صدى جملة «كل شيء سيكون على ما يرام، لم ينته الأمر بعد» كان يتردد في قرارة نفسها بين الحين والآخر.

  لم يكن مرضها المناعي «متلازمة كرون» في ذلك الحين سوى نقطة انطلاقها نحو «عالم الترجمة الطبية».

 فعلى الرغم من حبها مهنتها كونها مترجمة للغة الصينية، فلم تنسَ قط رغبتها في أن تصبح طبيبة منذ صغرها كأي طفلة، لتساعد الناس على تخفيف آلام مرضهم.

 لذا أخذت تبحث عن طريقة ما لتدمج بين مهنتها الحالية وأمنيتها السابقة، لكن بدأ جهازها المناعي يهاجم جسمها خلال رحلتها، بل وهاجم خلايا غدتها الكظرية فاكتشفت إصابتها متأخرًا بمرض مناعي آخر نادر آلا وهو «متلازمة أديسون»، نهش العلاج عظامها ومفاصلها، حتى خارت قواها تمامًا، وأصبحت عجوزًا في جسد فتاة في مقتبل العمر، لكنها عثرت على «مفتاح التميز»، فتذكرت رواية «إني أتعافى» لدافيد فوينكينوس وانهمرت بعض كلماتها على ذهنها:(يجب أن أتحمل ألمي بصبر).

 إنها العبارة التي كنت أتمسك بمعناها جيدًا أكثر من أي وقت مضى، وكان عليّ أن أنتظر ساعة سعادتي، ومع ذلك فإنني كنت أشعر عند كل عودة للوجع بأنني أكثر إنهاكًا، لا شيء أسوأ من الانتكاس (إن الكلمة نفسها مرعبة)، ولا شيء أسوأ من عودة الألم عندما يكون المرء قد اعتقد أنه تخلص منه.

 ساورها القلق مرة أخرى خوفًا من فشل «تلك الفكرة»، غير أن الشعور بالتميز كان أقوى منه، منذرًا بقدوم رياح الأمل هذه المرة...

  كانت تحب قراءة المقالات الطبية، وتجيد قراءة التقارير الطبية، بل إنها قد اضطُرت في إحدى المرات قبل أن يعصف بها المرض أن تعمل في أحد مخازن الأدوية، فأصبح لديها خبرة لا بأس في المعلومات عن الأدوية ودواعي استعمالها والأعراض والآثار الجانبية.

وحينئذ لاح فجر فكرة دراسة تقنيات ترجمة المصطلحات الطبية، لينير ظلمة مرضها.

بدأت تستعيد صحتها شيئًا فشيئًا، فواصلت دراستها الأكاديمية، وطرحت فكرة بحثها عن «ترجمة المصطلحات الطبية بالعربية والصينية»، وعلى الرغم من رفض فكرتها للمرة الأولى من قبل مجلس الكلية، بسبب ندرة الدارسات السابقة في هذا المجال، وعدم توافر قواميس طبية مترجمة باللغتين للاستعانة بها في بحثها، فإنها لم تستسلم هذه المرة، واقترحت مرة أخرى أن تقوم بذلك بدراسة المصطلحات الطبية باللغة الإنجليزية أولًا كلغة وسيطة.

 كانت مقتنعة تمامًا أن المترجم هو ذلك الشخص الوحيد الذي يمكنه أن يقوم بأي وظيفة في أي مجال.

 فبالتأكيد لا يقل دور المترجم أهميةً عن دور الطبيب في غرفة العلميات في إنقاذ حياة مريض والتخفيف من ألمه.

 إذا أخطأ الطبيب في عمله، فمن الممكن أن يودي بحياة أحدهم، كذلك المترجم إذا أخطأ في ترجمة أحد المصطلحات الطبية في تقرير طبي أو في أثناء ترجمته أحد الكتب الطبية، فمن الممكن أن يكون سببًا في فقد المريض حياته.

  لم يكن الأمر سهلًا في بادئ الأمر، بل شعرت بنوع من المجازفة إلى حد ما بعد طرح فكرة بحثها.

لكنها كانت ترى وجود هناك فائدةً كبيرةً من ترجمة مصطلحات الطب الصيني وتطور العلوم الصينية في هذا المجال، بل من الممكن أن تفتح المجال أمام الدراسين لترجمة الكتب الطبية المهمة عن الأمراض النادرة باللغتين مستقبلًا، ولا سيما مرضها.

 لذا تمسكت بفكرة بحثها أكثر على الرغْم من صعوبة الدراسة، والحاجة إلى بذل مجهود أكبر في دراسة المصطلحات الطبية وفهمها أولًا من الناحية العلمية، حتى يتسنى لها ترجمتها ترجمة صحيحة في النهاية.

  أصبحت مترجمة طبية وأطلقت مبادرة لترجمة المقالات الطبية من الصينية إلى العربية على مواقع التواصل الاجتماعي تحت عنوان #حملة للتوعية الطبية للتشخيص المبكر، لتخطو بضع خطوات أخرى نحو حلمها الصغير بعد حصولها على درجة الماجستير في هذا التخصص، وإمداد المرضى بالمعرفة عن طريق ترجمة مقالات طبية من الصينية إلى العربية.

وحينئذ تيقنت أن مرضها لم يكن سوى محنة لتهتدي بها إلى تلك المنحة، ألا وهي منحة «عشق الترجمة».

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة