قصة "الزوجة التانية والبهلوان".. قصة قصيرة

بعد ما عقدُت العزم على الاهتمام بعملي للابتعاد عن سلاطة لسان الجميع.. وبعد ما قررتُ أن أسقط من ذاكرتي جميع من تسببوا في شعوري بالحنق لا لشيء، وإنما لأني صاحبة قراراتي الخاصة..

وبعد ما قررتُ التخلي عن مهنتي في التدريس والخوض في معتركات الحياة كأي فتاة تبحث عن العمل.. تنامى إلى سمعي أنني لن أستطيع الاستمرار هكذا وحتماً سألجأ للحل الأبدي لمن بمثل سني.. ألا وهو الزواج.. ولكن ما به سني.. لماذا الحديث يكون دوماً مشمولاً بكبر سني، ووصولي لآخر مراحل العمر دون شريك لحياتي.. ولماذا يحدثني الجميع أنني سأبقى دوماً وحدي.. بل لماذا يجحد الجميع قراري بالوحدة..

نعم، فقد قررتُ منذ صباي ألا أكون نسخة مكررة ممن حولي.. وكانت النتيجة أنني أصبحتُ فريدة في كل شيء إلا في أهم شيء.. فلم أستطع تكوين أسرة حتى الآن.. الآن.. وما به الآن.. سأخبركم.. لقد شرفت على عقدي الرابع ولم أتزوج بعد..

لقد وُصمت بذلك العار ولاحقتني تلك الأفكار البالية.. وحتى أهرب منها جميعاً وافقت على شيء كنت قد رفضته طوال حياتي.. ألا وهو الزواج لمجرد الزواج..

فذات يوم راسلتني زميلتي في العمل، وأخبرتني بضرورة المرور عليها في منزلها لاحتياجها لي في أمر مهم، وككل مرَّة أشعر بوجود مشروع زواج يلوح في الأفق، فهكذا حدثتني نفسي وهكذا ينبض قلبي وهكذا أستعد لسبب رفضي.. ولكن.. عدلت عن فكرتي الأخيرة لا لشيء.. وإنما رغبة منى في اللحاق بقطار الإنجاب.. وحدث ما توقعته.. كان ذلك الرجل يكبرني بعام واحد..

رأى صورتي على مواقع التواصل الاجتماعي وذلك بعدما رشحتني له قريبته.. وكانت هي أم زميلتي.. حدثتني أنه ميسور الحال لكنه يقطن بالعاصمة.. له زوجة ملتزمة بل صارمة حتى إنها لا تضع مساحيق التجميل في بيتها.. ضجر من حياته معها بعد ما أنجب منها ثلاثة أبناء أكبرهم فتاة في الخامسة عشر من عمرها، فتى في الثالثة عشر، وآخر في العاشرة.. وإن صدق أمر الزواج سيستقر في محافظتي الإسكندرية..

ويبتاع لي مسكني الخاص.. كان يزن ١٢٠ رطلاً، وأجرى جراحة ليصل إلى ٩٥.. يريد في زوجته الثانية أن تكون مرحة، قابلة للالتزام كما اعتاد، تتخلى عن العمل وتعوضه عن قسوة زوجته الأولى.. يحب المرح ، مثقف، وحاصل على شهادة تعليم متوسط و...

ودارت بي الأرض بمن عليها.. فها هو الحال يقذف بي لمن لا يملك أي صفة أحبها.. وبالرغم من كل ذلك وافقت على مقابلته وأخبرت أهلي بأنني موافقة على الزواج منه.. نعم تسرعت في اتخاذي لذلك القرار المصيري ولكن ما باليد حيلة.. فالجميع يعلم أزمتنا الاقتصادية الحالية والتي تجعل العشرينية تنتظر لأكثر من عقد حتى تنتهي من تجهيز بيت الزوجية وهي محاطة بالديون..

وافقت على مضض حتى أنجب فقط.. وتبدل حالي بعد الزواج.. فقد أخبرني بأنه سيهتم ببيته الأول لفترة أكثر من اهتمامه ببيتنا لأنه ملزم برعاية أبنائه وزوجته.. وعليه طرأت علينا بعض الأمور.. فقد حرمت من حقي كزوجة وامرأة وحيدة في حياة زوجها..

أنت تتم مقارنتي دوماً بها وبأفعالها وحتى تستمر السفينة في المسير كان عليَّ الانصياع وعدم التذمر.. كان لا يتعجل بأمر الإنجاب عكسي تماماً، وذلك لأنه سعيد بذريته، ولا يهتم معي إلا بتجديد شبابه الضائع والحصول على المرح في وقته الفائض..

وها قد مرَّت بي السنون حتى أصبحت زوجة بالاسم فقط.. فلا أنا أشارك حياتي مع حب حياتي، لا أتسامر، لا أتذمر ولا يحق لي التحدُّث إلا بصوت منخفض حتى تستمر حياتي ولا أعود لوحدتي وحتى لا أسمع من جديد لسليط اللسان، وأكتوي بكرباج من حديد..

وماذا بعد حياتي تلك.. حقاً لا أدري.. أحياناً ما أريد الصراخ بكلمة كفى.. كفى انهياراً لأحلامي، كفى تشدقاً بأشياء لا تحدث معي على الإطلاق، كفى كذباً على الناس بأنني "صبرت ونولت"، كفى تصبراً على مرارة الإحساس وكفى افتخاراً برفاهية ما وصلت له من مستوى معيشي ودلال بتلك المجوهرات، والتي يعوضني بها عن غياب المشاعر..

كنتُ أريد الزواج بمن يقبل طباعي، صفاتي.. بمن يمدح مميزاتي ويتحمل عيوبي بل يتقبلها ويساعدني على معالجتها.. بمن يتخطى معي أوهامي بأنني هرمت وأنني مجرد بهلوان الملك الذي يُسخره لإرضائه.. بمن يشعر بي ككيان مكتمل لا بأنني أنثى مكتملة المعالم..

كنتُ أريد الحياة مع زوجي والتربع على عرش قلبه لا الحياة على أرفف اهتماماته.. كنتُ أريد إنجاب العديد من الأبناء لأنني وحيدة والديَّ لا الاستمرار في الوحدة قلباً وقالباً، لا التحول لخادمة لرغباته ولا التظاهر بأنني أمه وأنه طفلي المدلل كما يقول لي دوماً.. كنتُ أريد أشياءً كثيرة.. أما الآن فلا أريد سوى العتاق!

 

اقرأ أيضاً

- تعرف على أفكار وطرق إنسانية لحماية القطط من جشع الشوارع

- الضغط النفسي المرضي والطاقات السلبية الناتجة عنه

 

 

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة