حكم فرانشيسكو فرانكو إسبانيا لمدة 36 عامًا بعد انتصاره في الحرب الأهلية عام 1939، معتمدًا على نظام ديكتاتوري اتسم بالقمع الواسع، والإعدامات، ونفي مئات الآلاف، والعزلة الاقتصادية، قبل أن تنتهي حقبته بوفاته عام 1975، لتبدأ البلاد مرحلة التحول نحو الديمقراطية واستعادة اندماجها الأوروبي.
على مدار 36 عامًا حكم فيها إسبانيا، كان فرانشيسكو فرانكو مثالًا للديكتاتور والطاغية والسفاح الذي حكم البلاد بقبضة من حديد، وهو ما جعل مرحلة حكمه من أسوأ المراحل التي مرّ بها تاريخ البلاد؛ فكان يوقّع على قرارات الإعدام وهو يتناول الشوكولاتة الساخنة والخبز المحمّص، في حين كان يلقي المعارضين في السجون التي امتلأت بالمنادين بالحرية، ونفى أكثر من نصف مليون مواطن إسباني إلى خارج البلاد، وأدخل إسبانيا في عزلة اقتصادية كان لها تأثير كبير على مسيرتها كدولة كبيرة.
فكيف وصل فرانشيسكو فرانكو إلى حكم بلاد الفلامنجو؟ وماذا فعل فرانكو في إسبانيا؟ ولماذا يكره الإسبان تلك المرحلة التي حكم فيها فرانكو البلاد؟ وكيف انتهى عصره بغير رجعة؟ أسئلة تجد إجاباتها في هذا المقال الذي يتناول قصة فرانشيسكو فرانكو طاغية إسبانيا وصاحب القبضة الحديدية من خلال السطور التالية.
فرانشيسكو فرانكو المولد والنشأة
وُلد فرانشيسكو فرانكو يوم 4 ديسمبر عام 1892 في مقاطعة لاكورونيا الإسبانية لأسرة لها تاريخٌ كبيرٌ في البحرية الإسبانية، إذ كان أجداده لستة أجيال متتالية يحملون رُتَبًا عاليةً في البحرية، وهو الأمر الذي وصل إلى والده الذي تولّى قيادة البحرية الإسبانية.
كان فرانشيسكو فرانكو في طفولته مريضًا ونحيفًا، في حين كان في شبابه قصير القامة بصورة ملحوظة، وهو ما جعله يتعرّض للاستهزاء والسخرية من أصدقائه في الأكاديمية العسكرية في طليطلة.
ومن ناحية أخرى، كان فرانكو مجتهدًا وطموحًا وراغبًا في المضيّ قدمًا في الحياة العسكرية. فرغم عدم قبوله في مدرسة التدريب البحرية وهو في 12 من عمره، استطاع أن يلتحق بأكاديمية طليطلة العسكرية للمشاة وهو في الرابعة عشرة من عمره وذلك عام 1907.

الحياة العسكرية لفرانكو
في مسيرته العسكرية التي بدأت مبكرًا استطاع فرانشيسكو فرانكو في 10 سنوات فقط أن يحقّق صعودًا كبيرًا وحصل على رتبة جنرال، ليصبح بذلك من أصغر الجنرالات ليس في إسبانيا فقط، وإنما في أوروبا بالكامل، وذلك بسبب اجتهاده الكبير في إفريقيا والتزامه الشديد وإصراره على تنفيذ المهام مهما كانت صعبة، وهو ما جعله يكتسب شعبية كبيرة في الجيش وبين الطبقة البرجوازية.
كانت إسبانيا في صدام كبير في المناطق المغربية فيما يُعرف بـ«حروب الريف»، التي أدت إلى سقوط أعداد كبيرة من القتلى الإسبان الذين كانوا في الغالب من أبناء الفقراء، إذ كان أبناء الأغنياء يدفعون الرسوم لتحرير أبنائهم من الخدمة العسكرية.
وبالتالي ذهب فرانشيسكو فرانكو إلى المغرب ليبدأ مهماته العسكرية في حماية المناجم وإقامة الاتصالات بين التحصينات الإسبانية، لتتم ترقيته في نفس العام إلى رتبة ملازم وهو في سن التاسعة عشرة، ثم أصبح جزءًا من القوات الصدامية التي تُعرف باسم «القوات الأهلية النظامية»، إذ حصل على مزيد من الترقيات والامتيازات والأوسمة نتيجة انتصاره في عدة عمليات قتالية أظهرت شجاعة كبيرة وقدرة تكتيكية عالية وعدوانية غير محدودة.
وعندما بلغ 23 من عمره تعرّض فرانشيسكو فرانكو لإطلاق الرصاص في منطقة بين مدينة طنجة ومدينة سبتة، وهو ما أصابه بجروح في الكبد، ليتم نقله إلى المستشفى لعدة أشهر، وهي الإصابة التي تركته بعد ذلك بخصية واحدة، في حين اعتبر الأطباء نجاة فرانشيسكو فرانكو من هذه الإصابة عودةً من الموت.
وبالتالي حصل فرانكو على ترقية جديدة ليصبح رائدًا، بالإضافة إلى حصوله على وسام الشجاعة الأهم في إسبانيا المعروف بـ«سان فرناندو»، ليصبح بذلك أصغر رائد في الجيش الإسباني.
وفي عام 1920 شارك فرانشيسكو فرانكو في تأسيس فيلق جديد ذو طبيعة خاصة ومهام غير تقليدية؛ إذ كان الفيلق الذي يتكوّن من ثلاث كتائب يتميّز بالانضباط والوحشية التي وصلت إلى قطع رؤوس السجناء من أجل إرهاب العدو، وبالطبع انضم الفيلق الحديدي إلى حروب الريف خاصة بعد الخسائر الكبيرة التي تكبّدتها إسبانيا أمام قوات عبد الكريم الخطابي، إذ أصبح الأمر يتعلّق بسمعة إسبانيا أكثر مما يتعلّق بالانتصار في المعارك.
وبالفعل، أقدم الفيلق تحت قيادة فرانشيسكو فرانكو على تحرير بعض المواقع والقيام بالكثير من الأعمال الوحشية، وهو ما زاد من شهرة فرانكو في إسبانيا، إذ تم اعتباره بطلًا قوميًا وتمت ترقيته إلى رتبة مقدم قبل أن يصبح القائد العام للفيلق، وهي الترقية التي لم تستمر مدة طويلة، إذ تمت ترقيته مرة أخرى إلى رتبة عقيد عام 1925.
وبعد استسلام عبد الكريم الخطابي عام 1926، تمّت ترقية فرانكو إلى رتبة عميد، وهو ما زال في الثالثة والثلاثين من عمره، ليصبح أصغر جنرال في أوروبا. وتمّ تعيينه قائدًا على اللواء الأول في الفرقة الأولى في مدريد، قبل أن يتمّ تعيينه مديرًا لأكاديمية سرقسطة العسكرية، إذ حقّق نجاحات كبيرة ومتتالية. وكان الشاب الصغير يُظهر حماسًا كبيرًا واستعدادًا هائلًا للصعود والترقّي إلى آخر درجة.
الأوضاع في إسبانيا قبل الانقلاب
في عام 1931، أجرت إسبانيا استفتاءً على الملكية، وهو ما كان له دور كبير في انتهاء دور الملكيين الذين قرروا مغادرة البلاد، إذ بدأت سيادة الجمهورية الإسبانية الثانية، وبدأت الدولة تتجه إلى مرحلة العلمانية والحكم الاشتراكي القائم على الانتخابات. إلا أن الأمور لم تكن بهذه السهولة، إذ كانت الأوضاع في إسبانيا تبدو فوضوية إلى حد كبير؛ فمن بين الشعب الإسباني كثيرون يفضّلون الحكم الملكي، ومنهم طائفة من العسكريين الذين لا يفهمون فكرة الانتخابات وتداول السلطة، وأيضًا الأحزاب والنقابات، إضافةً إلى التيارات الدينية التي رفضت المرحلة الجديدة وما تحمله من تغييرات.
ومع تلك الفوضى كان من بين الأحداث الكثير من الاحتجاجات والإضرابات التي وصلت إلى حدود الثورات الداخلية، وهو ما أدّى إلى تكوّن شبه تصوّر عام داخل القوات المسلحة الإسبانية بضرورة تنفيذ انقلاب عسكري من أجل عودة النظام والهيبة وليس بغرض أيديولوجي، وهو ما يقودنا إلى فرانشيسكو فرانكو الذي قضى عدة سنوات متنقّلًا بين المناصب العسكرية، وعُرض عليه أكثر من مرة الاشتراك في انقلابات عسكرية، إلا أنه كان مترددًا وخائفًا من النتائج.
الانقلاب العسكري في إسبانيا
كان فرانشيسكو فرانكو قد أصبح القائد العام لجزر الكناري حينما تحالف مع مجموعة من جنرالات الجيش الإسباني من أجل القيام بانقلاب والسيطرة على الحكم بغرض إعادة النظام إلى البلاد، وهو ما عُرف بانقلاب عام 1936.
بدأ الانقلاب يوم 17 يوليو عندما أعلن فرانشيسكو فرانكو التمرد واستولى على جميع المباني الرسمية في جزر الكناري. وفي الوقت نفسه، سيطرت مجموعة من الجنرالات المشتركين في الانقلاب على أماكن أخرى، من بينها المحمية الإسبانية في المغرب، التي وصل إليها فرانكو وبثّ منها خطابًا أعلن فيه عن الانقلاب، وقال فيه إنه جاء بهدف إنقاذ إسبانيا.
كان الجنرالات المتمردون قد سيطروا على ثلث إسبانيا، وأطلقوا على أنفسهم اسم «الوطنيين»، وفي الوقت نفسه بدأت أصوات تتعالى برفض الانقلاب في المدن الكبرى في إسبانيا مثل برشلونة ومدريد وفالنسيا. كما صادَرَ العمالُ أسلحةَ الشرطة والجيش وكوَّنوا ميليشيات لصد المتمردين، وهو ما أدى في النهاية إلى اندلاع حرب أهلية في إسبانيا بين رافضي الانقلاب من ناحية، والقوات العسكرية التي نفَّذت الانقلاب من ناحية أخرى.
وبالفعل، أصبحت إسبانيا مقسمة إلى منطقتين، إحداهما في أيدي المتمردين والأخرى لا تزال تحت سيطرة الجمهورية الإسبانية، وأصبحت المؤامرة الانقلابية التي كانت تهدف إلى السيطرة السريعة على الحكم سببًا في تقسيم الجيش الإسباني إلى قسمين؛ إذ كان نصفه يحارب نصفه الآخر.
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل أدت الحرب الأهلية إلى التدخل الأجنبي؛ إذ أرسلت إيطاليا وألمانيا الدعم للمتمردين، في حين قدّم الاتحاد السوفيتي الدعم للجمهورية الإسبانية، وهو ما أدى إلى تفاقم أعمال العنف في البلاد، إذ قُتل الكثير من الناس لأسباب تافهة بتهمة تأييد الطرف الآخر، في حين وُجد الكثير من المحاكمات والإعدامات السريعة في فترة من أسوأ مراحل التاريخ في إسبانيا.
فرانكو والحرب الأهلية
شهدت الحرب الأهلية الإسبانية ظهور الوجه البشع للجنرال فرانشيسكو فرانكو الذي تولى قيادة 30 ألف جندي من الجيش الإسباني في المغرب من أجل السيطرة على المنطقة، وأعدم مئات الضباط الإسبان الذين شك في ولائهم للتمرد.
ومن المغرب انطلق فرانكو بقواته نحو الجمهورية الإسبانية مستعينًا بالمساعدات الإيطالية والألمانية، إذ استولى على المدن والبلدات واحدة تلو الأخرى، مع الكثير من أعمال القتل والإبادة لأي شخص يثبت تعاطفه مع الجبهة الشعبية؛ إذ أُطلِق النار على أكثر من 1000 شخص، من بينهم نساء، في يوم واحد، قبل ارتكاب مذبحة «بطليوس» التي قتلت فيها قوات فرانكو عدة آلاف من المدنيين.
في أكتوبر عام 1936، أُعلِنَ فرانكو قائدًا عامًا للجيش الوطني الإسباني، وذلك بعد موت قائد الانتفاضة خوسيه سانخورخو الذي تحطمت طائرته في الجو، وبالتالي أصبح فرانكو رئيسًا للدولة عن جانب المتمردين.
فرانكو حاكمًا على إسبانيا
بفضل الدعم الكبير الذي حصل عليه فرانشيسكو فرانكو من ألمانيا وإيطاليا، تمكّن من الانتصار في الحرب الأهلية والسيطرة على البلاد ودخول العاصمة مدريد يوم 28 مارس عام 1939، إذ بدأ عهده كرئيس ينتهج الديكتاتورية الصريحة في حُكمِ إسبانيا التي كانت تحاول التخلص من الملكية والوصول إلى الجمهورية الديمقراطية.
كان فرانشيسكو فرانكو متأثرًا بالنظام الفاشي الشمولي في إيطاليا وألمانيا، وهو ما جعله يقلده تمامًا في إسبانيا في معظم المجالات السياسية والاقتصادية، وحتى في استخدام الأسماء والرموز. ورغم أن فرانشيسكو فرانكو لم يكن يحمل أي أيديولوجية واضحة، فإنه كان واضحًا في الاستبداد؛ إذ وضع جميع معارضيه في السجون، وكان القتل والإعدام وسيلتيه في إسكات الألسن وقمع محاولات الاعتراض.
من ناحية أخرى، فقد شهد عهد فرانكو نفيَ وهروب مئات الآلاف من الإسبان من دولة الاستبداد ومعسكرات الاعتقال، إلا أن فرانكو لم يجد من يسانده بعد هزيمة ألمانيا وإيطاليا في الحرب العالمية، بالإضافة إلى الرفض الدولي لإسبانيا من دول أوروبا وأمريكا، وهو ما جعل إسبانيا تدخل في عزلة دولية اضطر فرانكو إلى إجراء بعض الإصلاحات.
وعلى المستوى الاقتصادي، فقد عمل فرانكو على تأسيس نظام اقتصادي منغلق، أدى إلى دخول البلاد في نفق الفقر والفساد والسوق السوداء، نظرًا لقلة المواد الخام والمواد الغذائية، وهو الأمر الذي استمر حتى بداية الستينيات من القرن الماضي، عندما تخلّى فرانكو عن أفكاره، واتجه إلى الانفتاح على الاقتصاديات الخارجية.
من ناحيتها، فقد رفضت دول أوروبا انضمامَ إسبانيا إلى السوق الأوروبية المشتركة بسبب الأوضاع الداخلية الصعبة وغياب الديمقراطية، وهو الأمر الذي أدى إلى اضطرار فرانكو إلى مجموعة من الإصلاحات على سياسته الديكتاتورية؛ إذ بدأت تتعالى أصوات المعارضة الديمقراطية، وبدأ العمال يتحدثون من خلال النقابات واللجان العمالية. كما وافق على قدوم «خوان كارلوس دي بوربون» من منفى العائلة الملكية في إيطاليا وتسميته وليًا للعهد في البلاد.

وفاة فرانشيسكو فرانكو
كيف مات فرانكو؟ كانت صحة الجنرال فرانكو قد بدأت في التدهور منذ بداية عام 1975، قبل أن تتوقف أعضاؤه الحيوية عن العمل يوم 25 أكتوبر، إلا أن الحكومة الإسبانية لم تعلن وفاته، إذ سعت لإيجاد حلٍّ بديلٍ مناسب لإدارة الحكم في البلاد. ثم توفّي فرانشيسكو فرانكو رسميًا يوم 20 نوفمبر عام 1975، وأُعلِنَ خوان كارلوس دي بوربون ملكًا لإسبانيا، لتبدأ البلاد عهدًا جديدًا بعد 36 عامًا من الاستبداد والطغيان والعزلة الاقتصادية والسياسية بسبب رجل واحد هو الجنرال فرانشيسكو فرانكو.
وفي نهاية هذا المقال، الذي تضمن جولة سريعة في حياة الديكتاتور الإسباني فرانشيسكو فرانكو، نرجو أن نكون قد قدمنا لك المتعة والإضافة. كما يسعدنا كثيرًا أن تشاركنا رأيك في التعليقات ومشاركة المقال على مواقع التواصل لتعم الفائدة على الجميع.
في ختام قراءتنا صفحات كتاب التاريخ الإسباني المعاصر، يظل عهد الجنرال فرانشيسكو فرانكو درسًا قاسيًا حول كلفة الاستبداد وغياب الديمقراطية. 36 عامًا من الحكم الشمولي، والقبضة الأمنية المرعبة، والعزلة الدولية، لم تمنح إسبانيا استقرارًا حقيقيًا، بل أورثتها عقودًا من الفقر والشتات والمقابر الجماعية.
ورغم محاولات فرانكو ترتيب مشهد ما بعد غيابه، فإن قطار التاريخ لا يعود إلى الوراء؛ وبمجرد رحيله عام 1975، طوت إسبانيا صفحة الديكتاتورية لتفتح ذراعيها لعهد جديد من الحرية والتطور والاندماج الأوروبي، مبرهنة على أن إرادة الشعوب في الانعتاق تظل دائمًا هي الأقوى.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.