كان لي صديق يقطن في ميدان الحجاز، لم أعتَد زيارته في منزله، كنا نلتقي دائمًا في أحد المقاهي في مصر الجديدة (مقهى أمفتريون).
يوم الأحد. سبتمبر. عام١٩٨٤
كان يومًا لا شمس فيه، إلا أن سماءه كانت صافية وطقسه معتدل، وكأننا في نهار شتائي دافئ.
قررت زيارة طارق في منزله فحدثته هاتفياً قائلاً له "سآتي لاحتساء القهوة معك" ليأتيني رده "تعال بسرعة، لدي من الوقت ساعة فقط وبعدها أغادر المنزل".
أسرعت إلى منزله فور إنهاء المكالمة معه، وفي منزله شربنا القهوة معًا وتحدثت إليه بأمور سريعة، منها أرض الفيوم والبيت والقضية المرفوعة وظروف العمل، كنا قد تحدثنا بأشياء كثيرة، من بعدها غادرنا المنزل بسرعة كي يلحق بموعده.
عند باب شقته وبانتظار المصعد شممت رائحة بخور وباب شقة يغلق برفق وصوت مبحوح، رقيق يلقي التحية على صديقي "صباح الخير". التفتُ لأرى من هو ذاك القادم من آخر الممر بخطوات مسرعة ليلحق بالمصعد معنا، وفجأة أحسست بالخدر حالما وقعت عيناي على جارته الهيفاء القادمة باتجاهنا، بابتسامتها المقتضبة وعينين عسليتين لامعتين تشعّان بريقاً، وشعرها المتمرد، وهيئتها التي ذكرتني بالساحرة كساندرا.
في المصعد سألتْ الجارة صديقي: هل تعرف أين يقع معهد قيثارة بالتحديد؟
نظر صديقي إليّ قائلاً: أعتقد أنك تعرف مكانه تمامًا، أليس كذلك؟
وجّهت الجارة الهيفاء نظرها باتجاهي، وليتها لم تفعل. مرت ثوانٍ قبل أن أستطيع فك لجام لساني لأرد بصوت مرتجف: نعم أعرف، إنه في ميدان الإسماعيلية.
"لماذا يرتجف داخلي؟" كنت أتساءل "وما سر هذا الحضور الغامض لهذه الأنثى؟". وجّهت نظري للأسفل لأرى يدين ناعمتين وأظافر ملونة تمسك بثلاثة أحجار وسبحة من اللؤلؤ الحر في راحتها.
قتلني فضولي لأسألها "ماذا ستفعلين بها، هل سترمين الناس بهذه الأحجار، وألا يكفي هذا الوابل من نظراتك المربكة؟"
ملابسها الفضفاضة كانت منسدلة على جسدها كمجرى ماء صافٍ يظهر قاعه بكل شفافية.
قالت ضاحكة: بس كدا؟
قلت في نفسي "بس ايه!.. الله يخربيتك يا طارق وبيت أبوك واللي خلفوك"، وأكملتُ بنبرة عالية وصوت مرتفع وكأني أشرح نظرية فيثاغورث لطلبة مصابين بالصمم، وصرت أتصبب عرقًا: "يا دي الفضيحة اللي بجلاجل!".
أجبتها: لأ، أقصد أعرف أكثر عنه.. أعرف أن هناك عازف غيتار هندي اسمه ر.ك. كان من مؤسسيه مع الموسيقار ف.س. .. أقدر أساعدك؟
كنا قد خرجنا من باب العمارة، وردت بسرعة: أكيد.. شكراً.. باي طارق.
ابتعدت تاركة خلفها رائحة بخور تدل على حقيقة وجود هذه الدرويشة وأنني لم أكن أحلم.
"في ناس ممكن تأذيك من غير ما تلمسك".
رحيل سيرة ذاتية
سبتمبر1984
مصر الجديدة
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.