قصة قصيرة: حين لا يشتري الذهب السعادة

تظل القصة القصيرة هي المرآة التي تعكس خفايا النفس البشرية وتكشف ما وراء الستار من صراعات، وفي سطور هذه القصة القصيرة المؤثرة، ننتقل من ضجيج الأسواق إلى صمت القصور الباذخة لنكتشف حقيقة السعادة. يبحث الكثيرون عن أجمل القصص القصيرة التي تحمل حكمًا واقعية، وهذه القصة ليست مجرد سرد، بل هي قصة واقعية تلمس جوهر المعاناة الإنسانية حينما يطغى المادي على الروحي.

نستعرض معكم اليوم قصة قصيرة هادفة تتناول مفهوم «غذاء النفس»ي من خلال لقاء غير متوقع بين طبيب نفسي شهير ورجل أوتي من ثراء الدنيا ما لم يؤتَ غيره، لنتعلم أن الراحة لا تُشترى بالذهب، بل تُستمد من السكينة والصلة بالخالق.

في سوق المدينة أصوات الباعة الجائلين تتداخل في بعضها بعضًا، والكل يروِّج لبضاعته. بعض الأصوات عذب وبعضها غليظ أجش. والناس تتزاحم عليهم، فمنهم من يتفحص البضاعة لعله يجد ما يريد، وبعضهم يتفحص بدقة ما استعذبت عيناه، وتاقت إليه نفسه وهواه، ولبَّى حاجته.

ومنهم من يجادل البائع في السعر، ومنهم من يدفع ثمن ما اشترى، ومنهم من ينتظر ما تبقى له من نقود عند البائع، ومنهم من حمل ما اشترى وتولَّى لا يلوي على شيء، يسأل الله العِوض، ويطلب منه البركة.

وكان في السوق دكتور نفسي له شهرة وصيت فاق الآفاق، يسير فيه ليقضي بعض حاجته، ويتأمل عباد الله وهم يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله، الفقير منهم والغني، الرجال منهم والنساء، شباب يتسكع هنا وهناك لا يلوي على شيء، وشباب يكابدون الحياة سعيًا لكسب ما يقيمون به حياتهم وحياة أسرهم.

ولما فصل الدكتور من السوق، إذا بهاتفه يرن رنات متتابعة، منبهًا إياه أن هناك من يود الحديث معه. فلما نظر في شاشة الهاتف وجد عجبًا، رقم المتصل لم يكن رقمًا عاديًا، بل كان رقمًا عجيبًا لا يقدر عليه إلا شركة الاتصالات، أو رجل أوتي من الله الخير الكثير.

تردد الدكتور قليلًا، ثم رد على المتصل، فإذا به رجل من عِلية القوم ذائع الصيت في المدينة، معروف بثرائه الفاحش، من أموال وشركات وعقارات، أو كما يقولون: له في كل وادٍ مِلكٌ. وإذا بالثري يقول له: أأنت الدكتور فلان؟ قال: نعم. قال الثري: أريد أن ألقاك في بيتي لأمر جلل. قال الدكتور: في أي وقت نلتقي. فضرب الثري موعدًا ليس ببعيد. قال الدكتور: إن شاء الله.

استأنف الدكتور طريقه، وهو يفكر. ماذا يريد هذا الثري منه؟ وما حاجته إليَّ؟ مهنتي العلاج النفسي، لا خبرة لي في التجارة ولا دهاليزها، ولا إدارة الشركات، ولا أموالها.

وبينما تتقاذفه الأفكار إذا بصديق عمره يخرجه من أفكاره ويقول له: أين أنت يا دكتور؟ وبعد السلام والترحاب والسؤال عن الأسرة والأولاد، والعمل وأحواله، قصَّ عليه قصة اتصال الثري به. قال له صاحبه: لا تشغل نفسك بهذا الأمر كثيرًا، إن غدًا لناظره قريب، ويا خبر النهارده بفلوس، بكره يبقى ببلاش، وودَّعه، وذهب كلٌّ إلى حال سبيله.

في اليوم والساعة التي حُددت للقاء، ذهب الدكتور إلى هذا الثري حيث يسكن ويقيم. وإذا به يسكن في قصر منيف، تحوطه الأسوار العالية، وتطل منه على حياء الأشجار الباسقة. أما بوابة القصر الرئيسة -كما يحكي الدكتور- فلم يرَ مثلها من قبل، جمالًا وروعة.

عند بوابة القصر اتصل الدكتور بالثري ليخبره بأنه يقف أمام البوابة. سأله الثري: من أنت؟ وماذا تريد؟ فعرَّفه الدكتور بنفسه، وذكَّره بميعادهما. فقال له الثري: على الجانب الأيمن من البوابة الرئيسة جرس اضغط عليه مع ذكر اسمك. ففعل ما طُلب منه، ففُتح الباب له.

وما أن دلف داخل القصر حتى أُغلقت البوابة الرئيسة خلفه. وسار في طريق من بوابة القصر الخارجية إلى بوابة السكن الداخلية، تحفه على الجانبين أشجار تناسقها بديع، لفروعها وأوراقها عشوائية تقر بها العيون؛ وتفرش أرضه الأزهار النادرة ذات الألوان المبهرة، والروائح العطرية الفواحة.

ولما وصل بوابة السكن الداخلية، رأى درجًا بديعًا، نظيفًا كأنما غُسل لتوه بأجمل وأزكى المنظفات. صعد الدرج إلى الدور الأول، ورأى باب الشقة التي يسكنها الثري عجيبًا في تصميمه وجماله، وكأنما رُسمت تصميماته بريشة فنان من فناني العصور الإسلامية الزاهرة.

على باب الشقة استقبله رجل سبعيني، لم تترك الحياة عليه من شقائها شيئًا، فوجهه ناضر، وقوامه سامق، وعيناه متقدتان. سلَّم عليه الدكتور، فإذا بأيدي الثري ناعمة لينة هينة وكأنها يد طفل لم يرَ الدنيا إلا لتوه.

دلف الدكتور إلى الداخل، فغاص برجله في سجاده، لم تطأ قدمه مثلها من قبل، السجادة كلها نعومة وجمال. حدثته نفسه: هل هذه السجادة يمشى عليها أم يقفز من فوقها؟ قطع عليه الثري حديثه الداخلي قائلًا: تفضَّل بالدخول، فدخل غرفة لا تختلف جمالًا وتنسيقًا عما رأى من قبل.

شدَّ انتباه الدكتور سقف الغرفة. السقف تزيِّن جوانبه قطع كأنها الذهب، في تناسق بديع، فحدثته نفسه بأنها من المستحيل أن تكون ذهبًا خالصًا، قد تكون معدنًا مطليًا بالذهب، ومن شدة انبهاره، ظلَّت عيناه معلقتين بسقف الغرفة، وأنساه جمال القطع الذهبية وترتيبها أن الثري بجانبه.

فلما أطال النظر إلى السقف. قال له الثري: ما لي أراك تنظر إلى السقف وتطيل النظر. فقال: الدكتور: أهذا ذهب؟ وأشار إلى القطع التي تزين السقف. قال الثري: نعم، وأسهب في الوصف والثمن.

بدأ الثري يتكلم عن سبب طلبه لقاء الدكتور. فقال: لقد علمت من مقربين منك أنك أفضل دكتور نفسي في المدينة، وأنك بجانب براعتك الطبية لديك من الحكمة الكثير، وأن سمعتك الطيبة وسيرتك العطرة قد تناقلتها الألسن. وأنا يا دكتور في كدر وسِقم، وضيق صدر، وقلق وهلع، والنوم يجافي عينيَّ، وقد زُرت كثيرًا من الأطباء النفسيين فما زادوني سوى ضيق على ضيق وكرب على كرب. فجئت بك لتخرجني مما أنا فيه.

سأله الدكتور عن نفسه، وهل أعدَّ لها غذاءها، ووفَّر لها أطيبه، كما وفَّر لجسده من زينة ومتاع. قال الثري: وما غذاء النفس يا كتور؟ قال الدكتور: غذاؤها احتياجات عاطفية، وروحية، وعقلية شاملة تحقق التوازن والاستقرار النفسي.

وبدأ الدكتور ينصحه بقضاء بعض الوقت مع الأصدقاء والعائلة، والضحك، وتبادل الدعم العاطفي؛ فهذا يقلل التوتر، وبالصلاة والصلة بالله؛ فهي غذاء للروح، وتساعد على طمأنينة القلب وسكون النفس، وبالاستمتاع بجمال الطبيعة تجديدًا للطاقة، وبممارسة الهوايات مثل الرسم، أو الكتابة، وتغذية العقل بالمعرفة والقراءة، وبتوجيه الأفكار نحو الإيجابية، والتأمل في نعم الحياة التي لا تُعد، وبشكر الله على هذه النعم عطاءً وسخاءً على الفقراء والمساكين، وبتجنب الانفعال؛ فكثرة الانفعال هي الممات.

وكان الثري يعيش مع الدكتور بكل خلجاته، كعطشان يقتله الظمأ أو كغريق مُدَّت له يد النجاة، وكلما همَّ الدكتور للاستئذان بالرحيل، طالبه الثري بالمزيد، حتى استغرق اللقاء أربع ساعات. فهدأت نفس الثري، وأُشرب الطمأنية، وعادت له الحياة، بعد أن كاد يودعها بما فيها ومن فيها، ضيقًا بها، وبالزينة فيها.

فرغم غِنى هذا الثري الفاحش، ورغم ما أمده الله به من نعم وأموال وأولاد، فإنه نسي أو تناسى -في غمرة الدنيا وآمالها التي لا تنتهي- روحه التي بين جنبيه، أهملها فضاقت عليه الأرض بما رحبت، وضاقت عليه نفسه، فضاقت عليه حياته.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.