قصة"الأزهر بين تربص أعدائه وخور أبنائه".. قصة قصيرة

حينما أشاهد بعض الإعلاميين ينتقص من الأزهر ومن رجاله ليل نهار دون حسيب ولا رقيب، وأشاهد بعض أعمال السينما والمسرح تصور للمشاهد أن العالم الأزهري قليل الفهم والإدراك والتعايش مع الواقع يلوك لسانه بكلمات عربية فصحى لا يفهمها العوام، وأصبح عُرضة للسخرية والتنمر والتنقيص.

حتى رأيت بعض زملائنا حينما كنت واعظا بالأزهر، كان لا يخرج لعمله بزي الأزهر وبعمامته الحمراء خوفا من نظرة الناس، بعضهم كان يحمل الزي الأزهري في حقيبة ويلبسه داخل المسجد وبعد ما ينتهي من عمله سرعان ما يخرج منه. 

وهذا من آثار الحملة الإعلامية على الأزهر. 

هذا الصرح العظيم الذي جحد أهله مكانته، وضيعوا هيبته، وسخروا منه وسخطوا عليه، إما بحسن نية أو بسوء نية ساقتهم العلمانية البغيضة، المغرضة إلى هذا، وفي ظنهم أنه لو نجحوا في حملتهم لفعلوا ما بدا لهم دون أن يقف أمامهم أحد. 

وبينما أشاهد هذا الواقع المرير كنت أحاضر في أحد المساجد فبعدما انتهيت من المحاضرة جلس معي أحد صحفيي جريدة عقيدتي _وكان أستاذا فاضلا وقورا_ وقال يا شيخ لماذا أزهر اليوم يختلف عن أزهر زمان؟

لماذا لا نرى علماء في الأزهر كالشعراوي والغزالي والإمام الأكبر عبد الحليم محمود؟

لماذا لا نرى من خريجي الأزهر فارسا من فرسان المنابر كالشيخ عبد الحميد كشك؟

قلت: السبب بسيط ووجيز وهو أن الطالب كان لا يلتحق بالأزهر إلا إذا حفظ القرآن وكانت له اختبارات أخرى في اللغة العربية لا يدخل الأزهر إلا إذا تجاوزها.

كان الطالب يدخل الأزهر وهو يجيد السباحة والغوص فكان يغوص في الأعماق يبحث عن الصدف والدرر، فتجده يحفظ ألفية ابن مالك في النحو والتحفة والجزرية في التجويد ومتن أبي شجاع والمنهاج في الفقه والبيقونية في مصطلح الحديث، ومتن الورقات في الأصول وغيرها من المتون ثم يطالع شروحها وهو لم يلتحق بالجامعة بعد.

أما الآن فطالب الأزهر ينزل البحر وهو لا يجيد السباحة ولا الغوص، لا يحفظ قرآنا ولا يُجيد لغة، ولا يعرف شيئا عن المتون المختلفة.

أذكر أستاذي الفاضل أني كنت أملأ كراسة الرغبات لألتحق بالكلية، فهمس في أذني أحدهم وقال: ألا توجد كلية في وسط هذه الرغبات لا تهتم بحفظ القرآن.

دهشت من هذا الذي نجح في المرحلة الثانوية ولم يحفظ شيئا من القرآن.

القرآن هو سلاح الأزهري الذي يحارب به الأفكار الشاذة، هل يعقل أن يدخل جندي معركة دون سلاح إنه ضرب من الجنون.

اذهبوا إلى مدينة البعوث لتعرفوا قيمة الأزهر ومكانته في الأمة الإسلامية. 

مبعوثون من أكثر من مائة دولة يتكلمون أكثر من مائة لغة، إنه قوة ناعمة لو أحسنتم استغلالها. 

حينما ذهبت إلى مدينة البعوث، وعايشت المبعوثين من أفريقيا ومن أسيا ومن أوربا ومن الأمريكيتين سمعت ورأيت مدي تعظيمهم للأزهر ولعلمائة. 

تعرفت على طلاب من ماليزيا وأندونسيا واستراليا وبريطانيا، تعرفت على طلاب من الجزائر والعراق وسوريا، من الهند وباكستان وتركستان والشيشان، من السنغال ونيجيريا وجنوب أفريقيا. 

كانوا يعظمون العالم الأزهري، إذا رأو أحدا يلبس زي الأزهر التفوا حوله كم تلتف الكواكب حول الشمس وبادروا بتقبيل يده والنهل من علمه. 

بعض هؤلاء المبعوثين حينما يعود إلى بلده يتقلد مناصب سيادية، وبعضهم أصبح رئيسا لدولته. 

مكانة الأزهر لا تقتصر على المكانة الدينية في الوطن العربي والإسلامي بل لها أبعاد أكبر من هذا، أبعاد سياسية وأبعاد اقتصادية. 

هل علمتم الآن أن الذين ينتقصون من الأزهر ورجاله، ينتقصون من مصر ومن مكانتها، ويسئون إلى ماضيها وحاضرها ومستقبلها. 

يسئون إلى أعرق جامع وأقدم جامعة. 

وسيظل الأزهر يؤدي رسالته رغم حقد الحاقدين وتربص المتربصين. 

أقر وأعترف أن الأزهر ضَعُف، ولكنه أبدا لم ولن يموت. 

أعترف أن المَوجة عالية كالجبال ولكنها ستنتهي بلا شيء. 

أعترف أن بعض ابنائه أصابهم الخور، إلا أن الله قيض له ثلة ما زالت تحفظ عهده، وتؤدي رسالته، وتدافع عنه، وتنشر منهجه. 

سيظل الأزهر شامخا عزيزيا ينشر علوم الدنيا والدين في ربوع الكون. 

 

 

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة