قصة: ارفع الستار الجزء الخامس

أتم الإخوان مهامهما في اليوم التالي، وحزما حقيبتهما ليعودا إلى تونس في اليوم الموالي.

صباح ذلك اليوم قصدا الميناء في انتظار الباخرة، وعندما وصلت وضعا أدباشهما في الأمكنة المخصصة وأدخل عزيز سيارته البيضاء إلى مكان السيارات ثم دخلا غرفة.

وصلا ميناء تونس مساءً فركبا السيارة باتجاه مسكنهما بالمنستير، حطا الرحال في حوالي الساعة التاسعة وما كادت هيفاء تمس الباب لتطرقه حتى فتح فوجدا أمهما تنتظرهما على أحر من الجمر وهي تقول بلهفة:" أهلا! أهلا يا أعزائي! هيفاء أين أخوك؟ ألم يقل إنه سيأتي معك؟"

تبسمت الفتاة وأجابت: "بلى لقد أتى لكنه لا يزال يضع السيارة في مكانها... ها هو قادم، اُنظري".

أطلّت الأم من الباب فشاهدت ابنها بمشيته المتزنة الرشيقة متجها نحوها وهو يبتسم مخفيا فيض الشوق الذي يزخر في قلبه، فقد كان عزيز من الذين لا يرغبون في إظهار مشاعرهم للآخرين، ارتمت والدته عليه وهي تبكي قائلة: "عزيز..، ابني! كم اشتقت إليك، لا تتأخر هكذا مرة أخرى فقد تفطر فؤادي لبعدك يا فلذة كبدي وضياء روحي، وعدتني بأن تزورني كل شهر فلماذا هذا التأخر الكبير يا ولدي، أنت تعلم مدى حبي لك ولولا مصالحك وأهدافك التي تحتم عليك السفر لما سمحت لك أن تبتعد عني ولو أسبوعا".

أحسّ عزيز بتأثر كبير إزاء والدته ولم يحتمل حزنها فترقرقت من عينيه دمعتين وانسابا على خديه لآلئا للحب والحنان، حضن أمه وقال بصوت مرتعش: "أسف يا أمي على تقصيري تجاهك، أسف لأني السبب في حزنك، أسف". 

رثت إيمان لحال ابنها فهي تدري ما يزخر في قلبه من عوامل العطف والإخلاص، وتعلم حسن نيته مع الآخرين، وشدة لومه لنفسه على أقل الأمور، فندمت على ما قابلته به من تأنيب، ولامت نفسها على عدم كبح جماح اشتياقها المكنون فاستدركت قائلة: "لا تلقي التبعة على نفسك يا عزيز، لست أقصد بكلامي لومك فأنا أدرك جيدًا أنك لم تبطئ في المجيء إلا لأسباب شريفة وغايات نبيلة، ولكنه الشوق يا ولدي يعتمل في القلب فيضرم نيران الأسى الملتهبة، لا تلم نفسك أرجوك".

ابتسم الشاب بودٍ وقال: "أعدك يا أمي وعدًا صادقا أني لن أتغيب عن القدوم أي شهر مهما كانت مهامي ومسؤولياتي فأنت فوق كل ذلك، لن أهتم بالعمل وبحياتي ومستقبلي أكثر مما أهتم بك وبعواطف أمومتك الجياشة فبرضاك أنال الدنيا كلها وبسخطك لن أكسب سوى شظف العيش وضيق الحياة، أعدك".

أعجبت إيمان بأخلاق ابنها ورجولته اللامتناهية فكل خصاله هي فوق ما ربته عليه وفوق ما علمته له، ليس بوسعها شكر نفسها فهي لولا الله لما نشأ لها ابن حاز من عرش القيم ما حاز، إنه زهرة بين يديها، بلسم في فؤادها وسعادة في روحها، هي لا تميّزه عن أختيه لكنه يمثل لها جزءًا كبيرًا من روحها، لقد صنع لها الفخر والسرور بيديه، ما بعد ذلك من مكافأة تقدمها إليه، رغم أنه يرى بأن عمله لا يفيها حقها مهما فعل.

دخلوا المنزل، سلّم عزيز على أبيه وأخته الصغرى ملاك ثم دخلوا جميعا وتبادلوا الأحاديث في شتى المواضيع، كانوا عائلة مترابطة لم تنفك أصرها أو تجف منابع محبتها رغم أن الأولاد كبروا وصاروا معتمدين على أنفسهم، بغض النظر عن عزيز ولدهم الأكبر فهو لم يعتمد على نفسه فحسب، بل صارت عائلته نفسها تعتمد عليه في أغلب الأمور المادية.

ولم تنسَ هيفاء أن تحكي لأمها ما حدث لها ولعزيز من مكر ذلك الحسود الغيور ولم تكن ردة فعل الأم بأقل من ردة فعل ابنها.

مكث عزيز في تونس بضعة أيام ثم قفل راجعا إلى بريطانيا لكي يواصل أعماله ومشاريعه، ولم يكن الفراق أقل حرارة من اللقاء فقد انهمرت الدموع من المآقي غزيرة ولولا الصبر لما انتهت الدموع.

بقلم الكاتب


مرحبا ! اسمي نور الهدى عمري 15 سنة أهوى الكتابة والتأليف خاصة في مجال الأدب. لدي مهارة في كتابة الشعر وتأليف القصص وتحرير المقالات. و أتمنى أن تنال كتاباتي استحسانكم و رضاكم...وشكرا.


ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها.

ما رأيك بما قرأت؟
اذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة للكاتب و شارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة و المفيدة و الإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

نبذة عن الكاتب

مرحبا ! اسمي نور الهدى عمري 15 سنة أهوى الكتابة والتأليف خاصة في مجال الأدب. لدي مهارة في كتابة الشعر وتأليف القصص وتحرير المقالات. و أتمنى أن تنال كتاباتي استحسانكم و رضاكم...وشكرا.