في عالم الصحافة، قد تأتيك القصص الأكثر إثارة من الجيران ومن خلف الأبواب الموصدة. بدأت رحلتي في بلاط صاحبة الجلالة بمهمة إنسانية، وهي كتابة قصة واقعية طلبها جارنا المفجوع في ابنته.
لم تكن القصة مجرد قصة اختفاء غامضة، بل هي رحلة في أعماق الدراما الاجتماعية والغموض الذي يلف حياة ليلى، تلك الفتاة التي غابت عن الأنظار وتركت خلفها أسرارًا عائلية وتساؤلات مرعبة. إليكم الجزء الأول من قصة «الغائبة» كما سطرتها في أولى خطواتي الصحفية.
في يوم جديد، مع بداية جديدة، استيقظتُ من نومي صباحًا، ثم خرجتُ إلى صالة البيت، فوجدتُ والدي يتمتم بحزن: لا حول ولا قوة إلا بالله، إنا لله وإنا إليه راجعون.
تساءلتُ: هل يوجد شيء يا أبي؟
- نعم يا بنيتي، هل تعرفين الحاج خالد جارنا بالطابق الثاني؟ ابنته قد تُوفِّيَت، واليوم العزاء.
كانت والدتي تعد الفطور في المطبخ، الذي لا يشوبه أي غموض؛ فهو مفتوح على الصالة بما يُتيح رؤية ما بداخله بوضوح، فقالت معلقةً: علينا أن نذهب لنؤدي واجب العزاء، فالحاج خالد رجل طيب لم نرَ منه إلا كل خير.

قلتُ: ليتني أستطيع الذهاب معكم.
ردت أمي: لا عليكِ يا بنيتي، اذهبي أنتِ لعملك؛ فهذا أول يوم لكِ بالجريدة، وأنا ووالدك سنؤدي واجب العزاء.
ثم نادت أمي على أختي لتساعدها في إعداد الفطور. جلسنا أربعتُنا على الطاولة، لم يتحدث أحد تأثرًا لما وقع، فالفقد مؤلم، خاصة وإن كان فقد الأحبة؛ فألمه مضاعف.
ارتديتُ الملابس الرسمية التي تليق بأول يوم في العمل، ثم ذهبتُ إلى مكان الجريدة. كنتُ خائفة بعض الشيء، رغم حماسي؛ لأنني أعمل بما أحب وأجيد. استقبلني رئيس الجريدة، ثم دعا الجميعَ ليعرفني عليهم، وأخبرني عن طبيعة العمل بإيجاز، ثم تركني لأحد الزملاء ليصطحبني إلى المكتب المخصص لي.
بعد انتهاء الدوام، ودعتُ الزملاء على استحياء، فأنا لست اجتماعية إلى حد ما، ولكن أستطيع التعامل مع الجميع، مع الاحتفاظ بالمسافات والحدود الشخصية التي تفصل بين من هم خارج محيط نفسي ومن هم الأقرب إلى قلبي.
ذهبتُ إلى المنزل، ثم سلمتُ على عائلتي، واستعددتُ لمساعدة أمي في تجهيز طعام الغداء، وحينما جلسنا جميعًا، وقد ساد الصمت في المكان، لنستمع إلى صوت القرآن الكريم الخارج من بيت الحاج خالد. وبعد فترة من الوقت، قطع والدي هذا الصمت وقال: زينة، لقد سأل عنكِ الحاج خالد، واستأذن ليراكِ بعد انتهاء أيام العزاء.
اندهشتُ لقوله وقلتُ: سأل عني أنا؟ لماذا؟
- لا أعلم يا بنيتي، لنذهب ونرى ما الأمر.
- حسنًا.
وبعد انتهاء أيام العزاء، ذهبتُ أنا ووالدي لنزور الحاج خالد، وبعد أن سلمنا عليه دخلنا غرفة المعيشة وجلسنا. كان الحاج خالد منهكًا بشدة، وكأن البكاء لا يفارق عينيه، والحزن لا يغادر القلب.
بدأ كلامه قائلًا بصوت متألم: شكرًا يا زينة يا بنيتي لقدومك، وأعتذر عن إزعاجك.
- لا يا حاج خالد، أنا التي أعتذر عن عدم قدومي للعزاء.
- لا تعتذري يا بنيتي، فأنا لم أطلب مقابلتك للومك، بل أنا أعلم حجة غيابك، وأود منك مساعدتي.
نظرتُ إليه متسائلة، فأكمل قائلًا: لقد علمتُ أنكِ تمَّ تعيينكِ في جريدة، فوددتُ أن تنشري قصة ابنتي، لعلها تكون النجاة لأحدهم.
نظرتُ إلى والدي، فأومأ إليَّ برأسه، ثم نظرتُ إلى الحاج خالد بابتسامة موافقة، وبدأ يقصُّ علينا ما حدث. حقيقةً، لم أَعِ ما قصه علينا كثيرًا؛ فكل ذلك صعب التصديق، ما بالك وأنه قد حدث بالفعل. عدتُ إلى المنزل وجلستُ في غرفتي. ارتديتُ نظارتي وفتحتُ الحاسوب، ثم بدأتُ أكتب.
قصة حقيقية بأحداثها نفسها، ولكن مع اختلاف أسماء الشخصيات.
«الغائبة»
يجلس ثلاثتهم في صالة البيت، يبدو أن التوتر كان رابعهم، فتحدث الشيخ إلى أحدهم قائلًا: الآن يا يوسف يا بني، أنا أريد أن أفهم، أين ليلى؟
يجلس يوسف مطأطئًا رأسه، ربما يخاف من مواجهة الأمر، لرغبته في عدم كشف المستور، ويقول: أقسم يا حاج أنني لا أعلم، فعندما عدتُ إلى المنزل لم أجدها.
يلتفت أحمد إليه بوجهٍ محمر من كثرة الغيظ، ويقول متوعدًا إياه: إن كانت غادرت بسببك، فوالله لن أرحمك.
نظر يوسف إلى الشيخ محمد مستنجدًا به، فنظر الشيخ إلى أحمد مهدئًا إياه، وهو يقول: اهدأ يا أحمد، اهدأ يا بني، فقط لنجدها أولًا.
رد أحمد بانفعال: أنا رفضت عودتها إليه قبل ذلك حينما ضربها، لكنها أصرت على العودة، ثم التفت إلى يوسف وقال له بانفعال أشد، وكأنه يستعد للهجوم: هل ضربتها مرة أخرى؟
قام الشيخ ونهر أحمد قائلًا: اهدأ قليلًا، واحترم وجودي إن لم يهمك أمر أختك الغائبة.
خفض أحمد رأسه وقال بنبرة تدَّعي الهدوء: حسنًا يا حاج، مقامك محفوظ.
رد الحاج: إن كان محفوظًا كما تقول، فعليك أن تفكر وتبحث عن أختك، وأعدك إن كان لها حق لدى زوجها سأعيده إليها، ولكن لِتَعُدْ هي ونفهم ما حدث.
ثم نظر إلى يوسف نظرة ذات مغزى، حاول الآخر تحاشيها خوفًا من أن ينكشف المستور، وقطع الحاج محمد هذا الصمت، وسأل يوسف: يوسف، هل سألت أصدقاءها عنها؟
رد يوسف بأسف: أجل يا حاج، ولكن لا أحد منهن يعرف مكانها.
رد الشيخ محمد: لا حول ولا قوة إلا بالله.
قال أحمد متحيرًا: ثم ماذا يا والدي؟ هل سنجلس هكذا دون فعل شيء؟ فليس من عادة ليلى التغيب دون ترك خبر أو أثر.
قال الشيخ بتنهيدة محزنة: لا يا أحمد، سنبحث عنها، فأنت ابحث في المستشفيات، وأنت يا يوسف ابحث في أقسام الشرطة، وقدم بلاغًا باختفائها، أما أنا فسأبلغ الجيران لعلهم يبلغوننا إن رأوها، وليحدث ما هو خير بإذن الله.
وذهب ثلاثتهم، كلٌّ منهم يفعل ما طُلب منه، علَّه يجد الغائبة، لكن رجع الجميع بخُفَّيْ حُنَيْنٍ، وبات الجميع ليلتهم يائسين.
في المنزل، أمام المرآة، يمشط يوسف شعره، ثم ينادي بصوت مرتفع: ليلى.
لكنه يتذكر أنها لم تعد في البيت، فيلقي بالمشط على الزجاج، ويقول نافدًا صبره: لا أدري أين ذهبت هذه الفتاة، حسنًا يا ليلى، لن أرحمك بعد عودتك.
وخلال وقوفه شرد ذهنه، ثم تراءى أمامه في المرآة، بدل انعكاس وجهه، وجهٌ آخر مشوه أسود بالكامل كالمحترق، ينسدل على جانبيه شعر؛ فهي تبدو فتاة، ولكن وجهها بشع يكاد يخطف الحياة من روح الناظر إليه من بشاعته. حينما وقع نظره عليها، وقع على الأرض حابسًا أنفاسه، صارخًا مذهولًا من هول المنظر الذي رآه.
وبعد دقائق استعاد وعيه، ثم حاول جاهدًا النظر إلى المرآة مرة أخرى، لكنه لم يجد شيئًا، فوضع يده على رأسه ويمسحها ليقلل من توتره، ويلتقط أنفاسه من جديد، ويقنع نفسه أنها هلوسات من شدة تعبه وإرهاقه طوال اليوم، ثم يذهب إلى الفراش لينام قليلًا.
في الصباح الباكر، دخل أحمد المنزل، فهرول إليه الشيخ محمد، يقول له وهو يحاول التقاط أنفاسه: ماذا حدث يا بني؟
نظر أحمد بأسف: لم أجدها يا والدي، فقد بحثت في الشوارع وذهبت إلى أصحابها وأقاربنا، لكن لا يعلم أحد عنها شيئًا.
قال الشيخ وهو يضرب كفًا على كف: ما معنى ذلك؟ ابنتي في يومٍ وليلةٍ اختفت كالريح، ولا أحد يعلم مكانها؟
ربت أحمد على كتف الشيخ وقال: لا تقلق يا والدي، فأنا لن أهدأ، ولن يرتاح بالي إلا حينما أجدها.
نظر الشيخ إلى السماء ورفع يده، وهو يقول: يا رب، يا أحمد.
في مكتبه، يجلس بعصبية، وهو ينفث سيجارته، وكأنه سيحرق العالم بالدخان الخارج من فمه، ثم يضع الورق الذي في يده على المكتب، وينظر إلى الخارج، وهو يحدث نفسه: لا أدري، هذا الذي يُدعى نصر، لماذا لم يحضر لي القهوة حتى الآن؟ ثم نادى بعصبية: يا نصر.
قام من مكانه حينما لم يجد ردًا، ليبحث عنه بالخارج، لكن الباب أُغلق فجأة أمامه، واختفى النور الذي كان يملأ الغرفة، وانقلب النهار ليلًا، وأظلمت الغرفة تمامًا. لم يكن يوسف مستوعبًا لكل ما يجري، فضرب الباب بكفيه ضربات قوية بفزع، وهو ينادي أحدًا ليساعده، لكن لم يستمع له أحد، وكأنه معزول في مكان بعيد عن العالم، ثم التفت خلفه ونظر إلى الحائط بجانبه، فوجد شيئًا ما مرسومًا عليه، تراءى أمامه وسط العتمة التي غرق بها.
تسارعت ضربات قلبه، واحمر وجهه خوفًا، واسودت الدنيا أمامه، ثم، وبعد وقت لم يعلمه، فتح عينيه والتقط أنفاسه، وكأنه يسترجعها بعد أن رحلت عنه، ثم نظر حوله ليجد نفسه على الأرض، وحوله العامل نصر وزملاؤه في المكتب، فحاول الوقوف، وهو غير مصدق لما حدث، فقال نصر: مهندس يوسف، ماذا حدث؟ لقد أفزعتَ قلوبنا.
سأل يوسف تائهًا: ما الذي حدث؟
رد نصر: سمعتك وأنت تنادي عليَّ، وحين دخلت مكتبك وجدتك تقع على الأرض، ولم تفق إلا بعد أكثر من ربع ساعة.
رد يوسف، وهو شارد: ربع ساعة؟
رد زميل ليوسف: يبدو عليك التعب والإرهاق يا يوسف، أنصحك أن تذهب لتنال بعضًا من الراحة، ونحن كلنا هنا مكانك، إن حدث شيء سنتصل بك في الحال.
لم يجادل يوسف، على غير عادته، وتناول جاكيت بدلته وحمله على ذراعه، ورحل يفكر فيما يحدث.
تابع الجزء الثاني.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.