قصص واقعية: اختفاء ليلى ج3

في الجزء الأول من قصة اختفاء ليلى، عشنا مع يوسف لحظات الصدمة الأولى حين عاد لبيته ليجد فراغًا موحشًا بانتظاره؛ اختفت ليلى دون أثر، وتلاشت معها السكينة ليحل محلها رعبٌ تسلل عبر الجدران والمرايا. وبينما كان البحث مستمرًا في الطرقات والمستشفيات، بدأت إشارات غامضة تظهر ليوسف، توحي بأن الأمر يتجاوز مجرد اختفاء طبيعي.

وفي الجزء الثاني رأينا كيف تصاعدت الأحداث حين اكتشف الشيخ أن صهره ضحية لعمل غامض، تجسَّد في جروح دموية حفرت اسم «ليلى» على جسده نتيجة إثم قديم ارتكبه.

واليوم في الجزء الثالث ننتقل من حيرة البحث إلى مواجهة الحقيقة المُرَّة.

نهض يوسف وركض مسرعًا، ثم ركب سيارته وانتظر حماه. انطلق الاثنان إلى بيته، ودخل الحاج أولًا إلى حديقة البيت، سار بطيئًا يردد الآيات القرآنية، ثم توقَّف ونزل إلى الأرض، مسح التراب بيده، وبعد لحظات غمس يده في التراب ليخرج كيسًا، فتحه فوجد به صورة يوسف ملفوفة ومكتوبًا عليها كلمات بلون الدم.

ألقى الحاج الكيس على الأرض، ثم طلب من يوسف أن يحضر له كبريتًا. بعد أن أحضره وهو مذهول أخذه الشيخ ورمى عود كبريت مشتعلًا في الكيس ليحترق بالكامل. أحس يوسف بألم في بطنه وكأن ثقلًا كان يغادره، ليجد أثر اسم ليلى الذي حُفر من قبل على بطنه قد زال. تنفس يوسف براحة للمرة الأولى منذ أسابيع.

وفي مكان غير معلوم تخترق ظلماته أضواء الشموع الملتهبة، جدرانه مليئة بصوره. إنه يوسف، وكأن تلك الغرفة خُصصت له، مكانٌ موحش يزيد من وحشته تلك العظام الملطخة بالدماء وأصوات التعاويذ التي تُقرأ.

في منتصف الغرفة تجلس هي مغمضة العينين، شعرها الأسود القصير يغطي جانبي وجهها وينسدل على كتفيها، تردد تلك الأصوات التي تنتشر في الغرفة، وأمامها يزداد ذلك الدخان الذي أشعلته، ففتحت عينيها فجأة وازدادت نبرة صوتها علوًا.

كانت عيناها مسودتين بالكامل. وفجأة ودون سابق إنذار بدأت النيران في اختراق الغرفة تحرق كل شىء، الجدران وما عليها من صور، الأوراق السميكة المكتوب عليها طلاسم بالدماء. التفتت حولها بعد أن استيقظت من ذلك العالم الذي كانت هائمة فيه، وعادت عيناها إلى طبيعتها.

بدت كأنها عينا حور عين طُردت من الجنة فاختارت الجحيم مأوى لها. قفزت من مكانها تلتف حول نفسها وكأنها تود إيقاف تلك النيران التي تلتهم الغرفة التي صنعتها من أجل انتقامها، وركضت في الغرفة بهستيرية وهي تصرخ: لماذا يا أبي؟ لماذا ضيَّعت كل ما قمت بعمله؟ لا.. لا.. من المستحيل فوزه في النهاية، لا بد أن يدفع ثمن ذنوبه.

حاولت أن تهدأ وتقرأ تعاويذها وهي تبكي، لكن دون جدوى؛ فقد انتهى الأمر وانتصر من له الحق في الانتصار.

نزل يوسف مع الحاج محمد وأوصله إلى بيته. ثم قال بندم شاكرًا: أعلم يا شيخ محمد أنني أخطأت ولم أحافظ على أمانتك. أنت قد علمتني درسًا لن أنساه، أول مرة أشعر أني صغير جدًا، وأن الحال لا يدوم؛ فالقوة قد تتحول في لحظة إلى ضعف وعجز.

رد الحاج: يا بني.. الإنسان ضعيف لا حول له ولا قوة، ولكن حينما يشعر بقوته ويطغى يعرفه الله أنه أضعف من أن يطغى.

قال والدموع في عينيه: أنا آسف يا حاج، سامحني، وأعدك أنني سأصلح الأمر هذه المرة.

قال الحاج: وما فائدة ندمك الآن؟ سيفصل الله بيننا. أنت طغيت وظلمت ابنتي حتى جعلتها تفكر فقط في كيفية الانتقام منك لتطفئ جزءًا من النار التي أشعلتها أنت بداخلها دون أن تفكر في صحة أو خطأ هذا الطريق الذي سلكته. نعم هي أخطأت، لكن أنت سبب ذلك الخطأ، وإذا سامحتك فحق ابنتي عند ربنا. أستودعك الله يا بني.

وخرج من السيارة راحلًا إلى بيته، مفوضًا أمره لله وهو يردد: إنا لله وإنا إليه راجعون.

كانت الحقيقة صعبة، فقد كشف صاحب هذا السحر المؤذي، إنها ليلى، تلك الفقيدة التي كان يبحث عنها الجميع. توجَّع الأب من وصول ابنته لتلك الحالة، إلى هذه الدرجة تألَّمت؟ بل واحترقت ألمًا وأكلت نيران الألم كل براءة وأمل في ذلك القلب، وحوَّله إلى بركان من الغضب أراد أن ينفجر فيحطم ذلك الذي أخطأ في حقه.

غيَّر الحاج مساره وذهب إلى المسجد، ثم جلس على الأرض ورفع يديه إلى الأعلى متوسلًا: يا رب إنك أنت العفو الغفور، اغفر لابنتي خطأها وارحمها حيثما كانت، وأعطها فرصة ثانية. يا رب اغفر لي تقصيري تجاهها؛ فأنا مذنب في حقها. يا رب أنت المجيب.

ثم بكى بحرقة؛ ربما لأنه يعلم النهاية المحتومة.

ذهب يوسف إلى بيته عاجزًا حزينًا مما آلت إليه الأمور، يفكر لو أن ليلى تعود وتبدأ الحياة من جديد، لكن النهايات يخطها القدر في حياة كل منا، وهذا لم يكن ظلمًا، بل بناءً على اختيارهم؛ فكلٌّ منهم قد اختار طريقه، ففُرضت عليهم النهاية جزاء عملهم.

دخل يوسف بيته، وحينما أغلق الباب بتكاسل رفع عينيه فرأى ذلك المنظر المفزع الذي جحظت عيناه على أثره. فتاة معلقة في السقف حول رقبتها حبل، وأسفل قدميها كرسي واقع على الأرض، ورقبتها مائلة وعيناها جاحظة.

ظل هكذا لحظات يرتعد، ثم ركض نحوها وأمسك بها محاولًا فكَّ الحبل عن رقبتها لعله ينقذها، كان يعلم أنه قد فات الأوان لكنه سيفعل رغم ذلك. كان يصرخ لاهثًا من شدة الخوف: ليلى.. لا.. لا تفعلي ذلك.. لا.

سقطت بعد أن فكَّ الحبل عن رقبتها، فاحتضنها وحاول جس نبضها، ثم هزها لتفيق، لكن ما باليد حيلة، فقد غادرت الروح الجسد، ولم تترك لأحد فرصة لتوديعها، وكأنها وجدت هذا الأمر وسيلة لتغادر العالم. احتضنها بقوة صارخًا باسمها، يرى ذنبه أمامه، وهو عاجز لا يستطيع الحراك.

كان الحاج في المسجد يدعو الله أن يغفر لها. أتاه الخبر فانهارت دموعه وهو يردد: لا حول ولا قوة إلا بالله.

مرَّت الأيام ووقف الحاج وابنه يتلقون عزاءها. أما يوسف فلم يظهر في أي مكان، ولم يره أحد بعد دفن زوجته. ومرت أيام ثم أسابيع، وكل واحد يحاول التأقلم بطريقة ما.

فالحاج ظل ماكثًا في بيته معتزلًا العالم الخارجي، لا يحدِّث أحدًا غير ربه، حتى انتهت عزلته وعاد ليساعد الناس من جديد، بل قرر أن يفني نفسه في مساعدة الناس.

وخرج أحمد إلى العمل محاولًا إخراج طاقته فيه، وبعد أن رُزق بأول فتاة أسماها على اسم أخته المتوفاة.. ليلى.

أما يوسف فقد اختفى عن أنظار الجميع، ولم يعرف أحد مكانه ولا كيف أصبحت حاله.

الخاتمة

في الختام، فقد كانت قصة اختفاء ليلى مرآة تعكس صراعًا أزليًا بين الظلم والندم. لقد بدأت الحكاية ببحثٍ مضنٍ عن جسدٍ غائب، وانتهت باكتشاف أرواحٍ محطمة؛ «يوسف» الذي أدرك متأخرًا أن القوة الزائفة لا تدوم، و«ليلى» التي اختارت الجحيم لتهرب من نيران ألمها، والحاج محمد الذي جسَّد الصبر والإيمان في وجه الفجيعة.

تُعلِّمنا هذه السلسلة من الروايات الواقعية دروسًا قاسية:

  • عاقبة الظلم: أن الظلم لا يمر مرور الكرام، بل يترك ندوبًا قد تغير مسار حياة الأشخاص إلى الأبد.
  • الاختيار والقدر: أن لكل إنسان حق الاختيار، لكن بعد اختيار الطريق، تصبح النهايات قدرًا محتومًا لا يمكن الفرار منه.
  • قوة الغفران: الندم وحده قد لا يكفي لإصلاح ما انكسر، لكن الاستغفار والعمل الصالح هما السبيل الوحيد للنجاة بالنفس مما تبقى من حطام.

رحلت ليلى، واختفى يوسف، وبقي الأثر درسًا لكل من يظن أن القلوب يمكن كسرها دون ثمن.

نأمل أن تكون هذه القصة القصيرة قد لمست قلوبكم، وقدَّمت لكم العبرة قبل الإثارة.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة